قراءة في الجدل الأمريكي حول الذخائر و"الميزانية السوداء".. تآكل المخزون أم تكتيك سياسي؟
ملخص :
خلال الأشهر الماضية، برزت في وسائل الإعلام الأمريكية موجة تحذيرات غير مسبوقة تتحدث عن تآكل حاد في مخزون الذخائر الإستراتيجية للولايات المتحدة، على خلفية العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب على إيران، واستندت هذه التقارير إلى معدلات استهلاك مرتفعة لمنظومات حيوية، من بينها صواريخ "ثاد" و"توماهوك"، ما أثار تساؤلات جدية بشأن قدرة واشنطن على إدارة صراع متزامن محتمل، لا سيما مع الصين.
نفي رسمي وتضارب في الروايات
في المقابل، سارع البيت الأبيض ووزارة الحرب (البنتاغون) إلى نفي وجود أي فجوة في القدرات العسكرية، مؤكدين أن الترسانة الأمريكية ما تزال في حالة جاهزية كاملة، إلا أن هذا التباين بين الرواية الإعلامية والموقف الرسمي يضع المراقبين أمام احتمالين متناقضين: إما وجود فجوة حقيقية في المخزون العسكري قد يستغرق تعويضها سنوات، ما قد يفرض مراجعة خطط الطوارئ، خصوصا المتعلقة بالدفاع عن تايوان، أو أن تسريب هذه المعطيات يجري توظيفه بشكل مدروس لخلق حالة من الإلحاح السياسي، تمهيدا لتمرير زيادات غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي.
ما وراء الأرقام: مدخل إلى "الميزانية السوداء"
بغضّ النظر عن دقة الأرقام المتداولة، فإن هذا الجدل يفتح الباب أمام فهم أعمق لبنية الإنفاق الدفاعي الأمريكي، وتحديدا ما يُعرف بـ "الميزانية السوداء"، ويشير هذا المصطلح إلى الجزء المخصص من الإنفاق الحكومي لتمويل برامج الاستخبارات والعمليات العسكرية المصنفة "سرية للغاية"، والتي تُحجب تفاصيلها بالكامل عن الرأي العام، ورغم أن التسمية غير رسمية، فإنها تعبّر عن مخصصات مالية ضخمة، ففي السنة المالية 2026، طلبت الحكومة الأمريكية نحو 115.5 مليار دولار لتمويل أنشطة استخبارية سرية، موزعة بين مسارين رئيسيين.
جذور تاريخية للتعتيم المالي
يوضح أستاذ القانون روبرت تيرنر، في شهادته أمام الكونغرس، أن هذا النهج ليس طارئا، بل يمتد إلى بدايات تأسيس الدولة الأمريكية، فقد أقر الكونغرس الأول "صندوق طوارئ" للرئيس جورج واشنطن، دون إلزامه بتقديم تقارير تفصيلية عن أوجه الإنفاق، وهو المسار ذاته الذي اعتمده لاحقا الرئيس جيمس ماديسون لتمويل عمليات خارجية حساسة، ومع تطور الدولة، تحوّلت هذه الممارسات إلى أطر قانونية واضحة، أبرزها "قانون وكالة الاستخبارات المركزية" لعام 1949، الذي منح مدير الوكالة صلاحيات واسعة لإنفاق الأموال السرية دون رقابة علنية مباشرة، وهو ما كرّسته المحاكم الأمريكية برفضها الطعون المطالِبة بكشف تلك السجلات.
آليات التمويه: كيف تُخفى المليارات؟
عمليا، لا توجد "خزانة سوداء" منفصلة في النظام المالي الأمريكي، بل تُدار هذه الأموال عبر شبكة معقدة من التقسيمات والتمويهات، ووفقا لتقارير "خدمة أبحاث الكونغرس"، تنقسم ميزانية الاستخبارات إلى "البرنامج الوطني" (NIP)، المعني بالخطط الإستراتيجية، و"البرنامج العسكري" (MIP)، الذي يركز على الدعم التكتيكي، ولتجنب لفت الانتباه، تُدمج هذه المخصصات داخل ميزانيات وزارات أخرى، وعلى رأسها وزارة الحرب، كما تُدرج المشروعات السرية ضمن بنود إنفاق تبدو اعتيادية، أو تحت أسماء رمزية مبهمة، ما يجعل تتبعها من قبل الجهات الخارجية أمرا بالغ الصعوبة.
أعلى درجات السرية: برامج الوصول الخاص
تبلغ السرية ذروتها فيما يُعرف بـ "برامج الوصول الخاص" (SAPs)، خاصة تلك المصنفة "معفاة"، حيث تُستثنى من متطلبات الإخطار البرلماني التقليدية، ولا يُطّلع على تفاصيلها سوى عدد محدود للغاية من القيادات التشريعية، وتبرر واشنطن هذا المستوى من التعتيم باعتبارات أمنية، إذ إن أي زيادة مفاجئة في تمويل برنامج معين قد تكشف للخصوم طبيعة المشاريع العسكرية قيد التطوير، ما يمنحهم فرصة استباقية لفهم التحركات الأمريكية.
تسريبات سنودن: كسر جدار السرية
تُعد تسريبات المتعاقد السابق في الاستخبارات الأمريكية، إدوارد سنودن، عام 2013 نقطة تحول بارزة في هذا السياق، إذ كشفت للمرة الأولى بالأرقام حجم الإنفاق السري، وطبيعة البرامج التي تشمل شبكات تجسس عالمية وقدرات هجومية سيبرانية، وأظهرت تلك الوثائق أن هذه البرامج لا تخضع لرقابة علنية فعلية، وأن مناقشتها التفصيلية تظل محصورة ضمن جلسات مغلقة لعدد محدود من أعضاء الكونغرس.
أزمة الذخائر: واقع أم أداة ضغط؟
في ضوء هذه الخلفية، يمكن قراءة الحديث المتزايد عن "نفاد الصواريخ" من زاويتين متداخلتين، فمن جهة، تحذر مراكز بحثية مثل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية من استنزاف كبير في مخزون صواريخ "باتريوت" و"ثاد"، نتيجة الاستخدام المكثف في النزاعات الأخيرة، بما في ذلك أوكرانيا وإيران، وسط شكوك حول قدرة الصناعة العسكرية على التعويض السريع، ومن جهة أخرى، قد تشكّل هذه الأرقام أداة ضغط فعالة لدفع الكونغرس نحو إقرار ميزانية دفاعية غير مسبوقة، قد تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وهو رقم يفتح المجال لتوسيع الإنفاق السري ضمن الأطر التقليدية للتمويه المالي.
شركات السلاح: المستفيد الأكبر
ضمن هذا السياق، تبرز شركات الصناعات الدفاعية الكبرى، مثل "لوكهيد مارتن" و"آر تي إكس"، بوصفها من أبرز المستفيدين من أي زيادة في الإنفاق، حيث تُخصص لها ميزانيات ضخمة لتسريع إنتاج الذخائر وتعويض المخزون المستنزف، بالتوازي مع تمرير مخصصات إضافية للبرامج الاستخبارية السرية.
بين الضرورة والتوظيف
في المحصلة، لا يمكن فصل الجدل الدائر حول تآكل مخزون الذخائر الأمريكية عن البنية المعقدة للإنفاق الدفاعي، التي تمزج بين الضرورات الأمنية والاعتبارات السياسية، وبينما قد تكون الأزمة حقيقية في جانب منها، فإن توظيفها في سياق الضغط لزيادة الميزانيات يظل احتمالا قائما، يعكس طبيعة العلاقة المتشابكة بين الأمن القومي وصناعة القرار المالي في الولايات المتحدة.

