حتى بعد توقف القتال.. الحرب على إيران قد تتحول إلى عبء مالي طويل الأمد على واشنطن
ملخص :
في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" حذّر مسؤول سابق في وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) حيدر علي حسين مليك، من أن التداعيات المالية للحرب الأمريكية ضد إيران لن تتوقف بانتهاء العمليات العسكرية، بل ستمتد لسنوات طويلة لاحقة، في صورة أعباء تشغيلية ولوجستية وإصلاحية متراكمة، داعيا إلى اعتماد أعلى درجات الشفافية في إدارة هذه النفقات، لتفادي تكرار سيناريوهات الهدر والفساد التي رافقت حربي أفغانستان والعراق.
وبحسب مليك، الذي عمل في مكتب المفتش العام داخل البنتاغون، فإن التكاليف الأمريكية ستستمر حتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام بين واشنطن وطهران، بما يشمل إعادة بناء القدرات العسكرية المتضررة، واستبدال المعدات المستهلكة، والحفاظ على وجود عسكري واسع في الشرق الأوسط.
إعادة تأهيل البنية العسكرية وتوسيع الانتشار
أوضح مليك أن المؤسسة العسكرية الأمريكية التزمت بالفعل بخطط لإصلاح القواعد العسكرية التي تعرضت لأضرار، إلى جانب استبدال منظومات التسليح المستهلكة، وتجديد مخزونات الذخيرة، وضمان استمرار الوجود العسكري الأمريكي في مناطق استراتيجية بالشرق الأوسط، مشيرا إلى أن القواعد الأمريكية في الخليج وتركيا ستحتاج إلى عمليات تحصين إضافية، وتحديث أنظمة الاتصالات الفضائية، فضلاً عن تعزيز منظومات الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، خاصة بعد الهجمات التي أسفرت – وفق ما أورده – عن مقتل ستة جنود أمريكيين في الكويت.
استنزاف مخزونات الصواريخ والدفاعات الجوية
ولفت الكاتب إلى أن وزارة الحرب الأمريكية ستواجه تحدياً كبيراً في إعادة ملء مخزونها من الصواريخ، بعد الاستهلاك الواسع لأنظمة دقيقة مثل "توماهوك"، إضافة إلى منظومات الدفاع الجوي المتقدمة مثل "باتريوت" و"ثاد".
ويرى أن وتيرة العمليات العسكرية، أظهرت نمطاً استنزافياً في الذخائر والقدرات، ما يفرض على البنتاغون إعادة هيكلة سلاسل الإمداد الدفاعي بشكل كامل، وليس مجرد تعويض خسائر مؤقتة.
مراقبة مستمرة للبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين
وأكد مليك أن الولايات المتحدة ستبقى مضطرة إلى مواصلة مراقبة البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين بشكل دائم، إلى جانب تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عبر نشر حاملات طائرات ومدمرات ووحدات استخباراتية متقدمة، مشيرا إلى أن هذا النوع من الالتزامات لا ينتهي بانتهاء الحرب، بل يتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد يتطلب تمويلاً دائماً ووجوداً عسكرياً مستمراً في المنطقة.
حروب ممتدة بطبيعتها وتضخم في التكاليف
وبالاستناد إلى خبرة تمتد لعقد كامل في الرقابة داخل البنتاغون، شدد مليك على أن الحروب الأمريكية السابقة في العراق وأفغانستان لم تكن مجرد "عمليات طوارئ خارجية"، بل تحولت إلى صراعات طويلة ومعقدة تتغير فيها الأهداف باستمرار، وتتصاعد فيها التكاليف بشكل غير منضبط، إلى جانب انتشار واسع لحالات الهدر والاحتيال وسوء الإدارة.
وحذّر من أن الحرب على إيران، في حال استمرارها بصيغ مختلفة، قد تسير في المسار ذاته، حيث تتضخم الالتزامات المالية مع مرور الوقت بدلاً من أن تنحسر.
فجوة الشفافية وغياب الرقابة الكافية
وأحد أبرز المخاطر التي أشار إليها المقال يتمثل في ضعف إدراك الرأي العام الأمريكي لحجم الإنفاق الحقيقي على هذه العمليات، إذ يرى مليك أن مليارات الدولارات قد تُهدر نتيجة الفساد أو سوء إدارة العقود العسكرية، في ظل غياب رقابة صارمة ومباشرة، داعيا إلى تعزيز دور الكونغرس في الإشراف المالي، وفرض إلزامية تقديم تقارير شفافة ومنتظمة حول حجم الإنفاق العسكري، وآليات صرف أموال دافعي الضرائب خلال العمليات الخارجية.
كما اقترح إنشاء منصب "مفتش عام خاص بحرب إيران"، على غرار ما تم اعتماده في حروب العراق وأفغانستان وسوريا وأوكرانيا، لضمان مراقبة مستقلة وشاملة للإنفاق والعمليات.
غياب جهة رقابية متخصصة
وانتقد مليك غياب أي جهة رقابية مستقلة أو منصة رسمية توضّح حجم الإنفاق المرتبط بالعمليات العسكرية الجارية ضد إيران، معتبراً أن هذا الفراغ الرقابي يمثل مصدر قلق متزايد.
وأشار إلى أن كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية لم يقدموا حتى الآن تقديرات دقيقة للتكاليف، مستشهداً بتصريح لمدير مكتب الإدارة والميزانية راسل فوت أمام الكونغرس في 15 أبريل، حين قال صراحة: "ليس لدي حتى تقدير تقريبي".
أرقام أولية تكشف حجم الإنفاق
ورغم غياب تقديرات رسمية شاملة، فإن مؤسسات بحثية وعسكرية بدأت في تقديم مؤشرات أولية حول حجم الإنفاق، فقد أفاد البنتاغون للكونغرس بأن الأيام الستة الأولى من العمليات كلفت أكثر من 11.3 مليار دولار، كما أظهر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الذخائر وحدها استحوذت على 84% من الإنفاق خلال أول 100 ساعة من العمليات العسكرية.
ومع نشر أكثر من 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، وتنفيذ نحو 13 ألف ضربة عسكرية، قدّر معهد المشروع الأمريكي التكلفة الإجمالية بين 25 و35 مليار دولار، دون احتساب العقود طويلة الأجل التي تلي انتهاء العمليات القتالية.
دروس من أفغانستان: الهدر المستمر بعد الحرب
واستشهد مليك بتجربة أفغانستان كنموذج تحذيري، حيث وثق مكتب المفتش الخاص بإعادة الإعمار خلال 17 عاماً نحو 26 مليار دولار من الهدر المالي، إلى جانب 171 إدانة جنائية مرتبطة بالفساد وسوء الإدارة، لافتا إلى أن الإنفاق لم يتوقف حتى بعد انتهاء القتال، بل استمر بمليارات الدولارات ضمن برامج دعم وإعادة بناء طويلة الأمد، ما يعكس نمطاً متكرراً في الحروب الأمريكية الخارجية.

