ترامب في مرآة مكيافيلي: قراءة أمريكية في سلوك الرئيس ترامب عبر فلسفة "الأمير"
ملخص :
استند الكاتب الأمريكي، جيسون ويليك، إلى أفكار الفيلسوف والسياسي الإيطالي الشهير، نيكولو مكيافيلي، في محاولة لتفسير نمط الحكم لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبراً أن الأخير يجسد جانباً من فلسفة "الأمير" القائمة على الجرأة والمخاطرة، لكنه في المقابل يغفل، بحسب التحليل، الدرس الأهم في فكر مكيافيلي: الاستعداد المسبق لتقلبات الزمن وبناء أدوات الحماية قبل وقوع الأزمات.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، يذهب ويليك إلى أن إشكالية ترامب لا تكمن في جرأته السياسية المفرطة بحد ذاتها، بل في افتقاره إلى منظومة وقائية قادرة على احتواء نتائج الرهانات غير المحسوبة، سواء في الداخل الأمريكي أو في السياسة الخارجية، بما في ذلك العمليات العسكرية المرتبطة بإيران.
جرأة سياسية على خط مكيافيلي.. بلا حسابات وقائية
يرى ويليك أن ترامب يتماشى، بشكل غريزي، مع نصيحة مكيافيلي الشهيرة للحاكم بأن يميل إلى "الاندفاع أكثر من الحذر" إذا أراد الحفاظ على السلطة وتثبيت نفوذه السياسي، ويعتبر الكاتب أن هذا الميل ظهر بوضوح في ملفين رئيسيين: إعادة تشكيل الدوائر الانتخابية داخل الولايات المتحدة، والتصعيد العسكري في الخارج.
وفي الشأن الداخلي، يشير المقال إلى أن قرار إعادة رسم الدوائر الانتخابية في منتصف الدورة الانتخابية يمثل خطوة غير مألوفة في النظام السياسي الأمريكي، ويكتنفها قدر كبير من المخاطر، فقد راهن فريق ترامب على أن إعادة هندسة الخريطة الانتخابية ستمنح الجمهوريين أفضلية واضحة في الانتخابات النصفية، غير أن هذا الرهان لم يكن محسوب العواقب بشكل كافٍ، وفق تحليل ويليك.
الرد الديمقراطي: معركة خرائط انتخابية مضادة
في المقابل، لم يمر هذا التحرك دون رد فعل معاكس من الحزب الديمقراطي، إذ سارع الديمقراطيون إلى اعتماد استراتيجية مقابلة عبر إعادة رسم دوائر انتخابية في ولايات ذات ثقل سياسي مثل تكساس، إلى جانب تحركات مماثلة في كاليفورنيا، حيث تم الدفع بمشاريع أعادت تشكيل الخريطة الانتخابية بطريقة هجومية مضادة.
كما شهدت ولاية فرجينيا بدورها خطوات مشابهة حظيت بموافقة الناخبين، ما فتح الباب أمام تحول في ميزان المقاعد بدل أن يرسّخ الهيمنة الجمهورية كما كان مخططاً له، ويشير ويليك إلى أن هذه التطورات قد تنعكس سلباً على الحزب الجمهوري، إذ قد تؤدي إلى خسارة مقاعد إضافية في مجلس النواب، بدلاً من تعزيز أغلبيته، ويخلص إلى أن ترامب "بالغ في تقدير قدرته على فرض خرائط انتخابية ملائمة للجمهوريين، وقلل في المقابل من شراسة الرد الديمقراطي".
الحرب على إيران: رهان سريع بنتائج طويلة
على الصعيد الخارجي، يوازي الكاتب بين المخاطرة السياسية الداخلية والتصعيد العسكري ضد إيران، معتبراً أن النمط ذاته من الحسابات كان حاضراً في القرارين.
وبحسب التحليل، أطلق ترامب عملية عسكرية واسعة ضد إيران، بعد سلسلة تحركات سابقة في فنزويلا، استناداً إلى تقدير يفترض إمكانية تحقيق نصر سريع يترجم إلى مكسب سياسي واستراتيجي داخلي، لكن الواقع، كما يورده ويليك، جاء مختلفاً عن التوقعات، إذ إن الحرب التي كان يفترض أن تستمر بين أربعة إلى ستة أسابيع فقط، ما تزال مستمرة بعد ثمانية أسابيع في إطار وقف إطلاق نار هش وغير مستقر، كما أن نتائجها العسكرية لم تحقق أهدافاً حاسمة، حيث لا يزال النظام الإيراني قائماً، ولم يتم تدمير كامل ترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
تداعيات اقتصادية وسياسية تتجاوز ساحة الحرب
يشير الكاتب إلى أن التداعيات لم تقتصر على الجانب العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي والأمريكي، إذ ما تزال حركة الملاحة في مضيق هرمز متأثرة، ما أدى إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع في الأسعار داخل الولايات المتحدة، ويرى ويليك أن هذه التطورات انعكست سلباً على شعبية ترامب، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية على الداخل الأمريكي، وهو ما يعزز، بحسب قراءته، كلفة الرهانات الخارجية غير المحسوبة.
مكيافيلي والحظ: بين الفيضانات والسدود
ينتقل الكاتب في تحليله إلى البعد الفلسفي الأعمق عند مكيافيلي، حيث لا يُنظر إلى الحظ باعتباره عاملاً ثانوياً، بل قوة مؤثرة في مسار السياسة، غير أن مكيافيلي يميز بين القائد الناجح والقائد المندفع، عبر معيار الاستعداد للأزمات.
ويستخدم مكيافيلي استعارة "النهر" لوصف الحظ، إذ قد يفيض فجأة ويجرف كل شيء في طريقه، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن الحكمة السياسية تكمن في بناء “السدود والحواجز” قبل وقوع الفيضان، أي وضع منظومات حماية تمنع الانهيار عند الأزمات.
غياب التحصينات السياسية في تجربة ترامب
في هذا السياق، يرى ويليك أن ترامب يختلف عن النموذج المكيافيلي في نقطة جوهرية، إذ لم ينجح في بناء ما يكفي من "السدود السياسية" التي تحميه من انعكاسات قراراته، وبدل ذلك، يصف الكاتب مسار ترامب بأنه قائم على سلسلة من الرهانات عالية المخاطر، سواء في الداخل عبر معارك انتخابية حادة، أو في الخارج عبر تصعيدات عسكرية غير مضمونة النتائج قبل الاستحقاقات الانتخابية.
بين الحظ والسلطة: اختبار الاستمرارية السياسية
ويخلص ويليك إلى أن نجاح ترامب السياسي في مراحل سابقة ارتبط بدرجة من الجرأة والاستفادة من الظروف، إلا أن الاعتماد على الحظ وحده، وفق منطق مكيافيلي، لا يكفي لضمان الاستمرار في الحكم أو تقليل الخسائر عند الأزمات، مؤكدا أن القائد الحقيقي في منطق "الأمير" هو من يملك القدرة على التكيف مع تغير الظروف، وليس من يراهن على نجاح دائم قائم على المخاطرة وحدها.

