فيديو مفبرك.. كيف تحوّل عمل فني إلى أداة تخويف سياسي عابر للحدود؟
تحقق- علا القارصلي
ملخص :
في ظل السيولة المعلوماتية التي تشهدها المنصات الرقمية، تبرز استراتيجية "إعادة تدوير المحتوى" كواحدة من أخطر أدوات التضليل الممنهج، إن انتزاع مقاطع فيديو من سياقها الزمني والجغرافي وربطها بأحداث سياسية معاصرة ليس مجرد خطأ عفوي، بل هو تكتيك مدروس يهدف إلى التلاعب بالرأي العام عبر استغلال العواطف الإنسانية العميقة.
يتم توظيف المشاهد الصادمة مثل تلك المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والاتجار بالبشر لخلق حالة من الذعر الأخلاقي، وتمرير مغالطات منطقية تربط بين مآسي الماضي وبين قرارات سياسية أو شخصيات عامة في الوقت الراهن.
رصد وتحليل الادعاء المتداول
تم رصد موجة انتشار واسعة لمقطع فيديو على منصة (X) بتاريخ 19 نيسان 2026م، يزعم ناشروه أنه توثيق "سوق للسبايا" في سوريا، حيث جرى دمج هذا المحتوى المرئي القديم ضمن سياق سياسي يستهدف قيادات دولية وتطورات ميدانية حديثة.
تجاوز الادعاء الأخير مجرد عرض الفيديو، بل عَمَد إلى بناء رواية تضليلية مركبة تزج بأسماء قيادات بريطانية رفيعة وتطورات الأزمة السورية، ويحاول مروجو الادعاء الربط بين الفوضى الإيديولوجية الظاهرة في الفيديو وبين سياسات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والملك تشارلز الثالث، والأمير ويليام، مدعين أن سياساتهم الحالية تفتح الباب أمام تكرار مثل هذه المشاهد في أوروبا، كما تم ربط الفيديو بصعود شخصيات مثل الرئيس السوري أحمد الشرع في سوريا، للإيحاء بأن هذا الفيديو يمثل "المستقبل القريب" للمنطقة أو للمجتمعات التي تستقبل اللاجئين.
نص الادعاء الذي رافق الفيديو: "شاهدوا ما يحدث في أسواق داعش للسبايا.. هذه هي الإيديولوجية التي يدعمها كير ستارمر وحكومته، والتي ستحول لندن إلى هذا المشهد تحت ظل صمت الملك تشارلز والأمير ويليام. ومع صعود أحمد الشرع في سوريا، هذا هو الواقع الذي ينتظرنا، تم بيع 7000 امرأة يزيدية وما زال الآلاف مفقودين.. استيقظوا!"
التحقق: من السينما إلى التضليل
من خلال تتبع المصدر الأصلي للفيديو عبر تقنيات البحث العكسي عن الصور في محرك البحث "Google" تبين أن الفيديو هو مقطع من فيلم "الصرخات غير المسموعة لملائكة إيزيدخان" (The Unheard Screams Of The Ezidkhan Angels).
وهو فيلم صور في العراق، أربيل، سوق قلعة أربيل التاريخية، وتم عرضه بالتزامن مع يوم المرأة العالمي في أذار 2023، وهدف الفيلم تذكير العالم بمأساة النساء الأزيديات وتحذير المجتمع من الفكر المتطرف.
والجدير بالذكر أن هذا الفيديو انتشر في شهر أيار عام 2023 واستخدم أيضًا لتضليل، حيث تم الادعاء أنه حقيقي وهو لبيع النساء في أسواق سوريا والعراق من قبل داعش، وتم تصحيح الادعاء من قبل منصات تحقق عالمية مثل(AFP Fact Check) و(The Quint WebQoof)، وأكدت المصادر أن الفيديو لا يمت بصلة لأي واقعة حقيقية لبيع السبايا وقت حدوثها، بل هو عمل فني توعوي بامتياز.
واعتمدوا في عملية التحقق على أدوات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) والتحليل البصري المقارن:
تحديد الموقع الجغرافي: بمطابقة العناصر المعمارية، وتحديداً الأقواس الحجرية والنمط الهندسي للسقف، تم التأكد من أن الموقع هو "سوق قلعة أربيل" في العراق، وهو موقع سياحي نشط وتاريخي مسجل لدى اليونسكو، وليس معسكراً سرياً للتنظيم.
تحديد الهوية: الممثل الذي يظهر في مقدمة الفيديو وهو "يعاين" النساء هو سامي العلي بمشاركة الممثل نوح قادر، وقد أكدا في تصريحات رسمية لوكالات الأنباء أن دورهم كان تمثيلياً بحتاً ضمن رؤية المخرجة آريان رفيق.
الرموز الفنية: ارتداء النساء لملابس تحمل "بطاقات أسعار" هو رمز فني صريح استخدمته المخرجة للتعبير عن تحويل البشر إلى سلع، وهو أسلوب مسرحي لا يُستخدم في عمليات البيع الواقعية التي يمارسها الإرهابيون.
تسييس الفن وأدوات البروباجندا
تكمن الفجوة المنطقية هنا في محاولة ربط أداء فني تم تصويره في العراق عام 2023 بشخصيات سياسية في محاولة لصناعة "بروباجندا" تعتمد على التخويف من المهاجرين أو انتقاد السياسات الخارجية عبر "صدمة بصرية" زائفة.
إن تحويل "الفن التوعوي" إلى سلاح تضليلي هو جوهر هذه الحملة، يتم استخدام معاناة الأزيديات عام 2023 لخلق رابط ذهني زائف بين الإسلام السياسي المتطرف وبين سياسات الهجرة أو اللجوء.
الهدف هو تعطيل التفكير النقدي لدى المواطن الغربي عبر إيهامه بأن المشاهد التي يراها في أربيل هي نتاج حتمي للسياسات، ويستغل مروجي هذا المحتوى "الصدمة البصرية" لشرعنة مواقف سياسية معادية، محولين عملاً فنياً يهدف لتكريم الضحايا إلى أداة تزيد من معاناة المجتمعات وتؤجج الكراهية.
مصادر التحقق
https://factcheck.afp.com/doc.afp.com.33GQ463
https://www.instagram.com/reel/C-NU9JEMCp2/

