قراءة في تداعيات الحرب على إيران.. تركيا بين حياد مُعلن وضغوط إقليمية متصاعدة
ملخص :
تحافظ تركيا على تجنّب الانخراط المباشر في الحرب على إيران، متمسكة بسياسة الحياد وتوازن المصالح، غير أن هذا النهج القائم على "النأي بالنفس" يبدو، وفق تقديرات تحليلية، غير كافٍ لحماية أنقرة من تداعيات صراع إقليمي مرشح للتوسع، بما قد ينعكس مباشرة على أمنها القومي وحدودها الاستراتيجية.
وبحسب تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" للباحثة، أصلي أيدن تاشباش، فإن تركيا باتت في موقع جيوسياسي شديد التعقيد، محاصرة بين ثلاثة مسارات تهديد رئيسية: احتمال تفكك الدولة الإيرانية، تصاعد النفوذ الإسرائيلي الإقليمي، وعودة التوتر إلى الجبهة الكردية.
هذه المعطيات، وفق قراءات متقاطعة، تشير إلى أن الاكتفاء بدور "المراقب" لم يعد خياراً فعالاً في معادلة أمن إقليمي سريع التحول.
طموحات إقليمية تصطدم بقيود الواقع
تشير الكاتبة إلى أن تركيا اليوم تبدو أكثر ميلاً لتوسيع دورها الإقليمي، خاصة في أعقاب التحولات التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في نهاية عام 2024، إلا أن هذا الطموح، بحسب التقديرات، لا يزال يفتقر إلى قاعدة صلبة من القوة الاقتصادية والعسكرية القادرة على فرض وقائع مستقرة في الإقليم، وتبرز هشاشة العلاقات التركية مع القوى الدولية الكبرى، حيث لا يزال مسار إعادة بناء الثقة مع الولايات المتحدة في مراحله الأولى، في حين تتسم العلاقات مع إسرائيل بالتوتر وعدم الاستقرار.
معضلة الأمن والدفاع وحدود الاعتماد الخارجي
على الصعيد العسكري، يعتمد أمن المجال الجوي التركي بدرجة كبيرة على منظومة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في ظل غياب منظومات وطنية مكتملة الجاهزية، ويُشار إلى أن شراء أنقرة لمنظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400" عام 2019 أدى إلى تداعيات سلبية، أبرزها فرض عقوبات أمريكية وإخراج تركيا من بعض برامج التسليح داخل الحلف، كما أن عدم تشغيل هذه المنظومة عملياً ترك فراغاً دفاعياً نسبياً، خاصة في مواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية التي ظهرت آثارها خلال حوادث عبور جوي في مارس/آذار الماضي.
إيران بين رفض الانهيار وتفضيل الاستقرار النسبي
ورغم التوترات المتكررة بين أنقرة وطهران، فإن تركيا لا ترى في انهيار الدولة الإيرانية خياراً مقبولاً أو مرغوباً، وتوضح أيدن تاشباش أن سيناريو التفكك الإيراني قد يفتح الباب أمام موجات لجوء واسعة، ويغذي النزعات الانفصالية الكردية، ويحوّل الحدود الشرقية لتركيا إلى منطقة اضطراب مزمن.
في المقابل، تفضل أنقرة إدارة "تعايش تنافسي" مع إيران بدلاً من فراغ استراتيجي قد يفاقم التهديدات الأمنية، كما يُفهم من التحليل أن تركيا لا تعارض إضعاف البرنامج النووي الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تخشى من تشدد النظام الإيراني وتحوّله إلى بنية أكثر صلابة وأقل مرونة بعد الضربات.
وتشير الرؤية التركية إلى تفضيل نموذج اتفاق دولي شبيه باتفاق 2015، يحد من التوترات ويفتح المجال أمام تعاون اقتصادي في مناطق القوقاز.
الملف الكردي كأخطر تداعيات الحرب
تُعد القضية الكردية من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لتركيا في سياق أي حرب إقليمية، فالحرب المحتملة تهدد مباشرة مسار التهدئة الهش مع حزب العمال الكردستاني، الذي شهد انفراجة نسبية في عام 2025، وترى أنقرة أن استقرار هذا المسار ضروري سياسياً، خصوصاً في ظل حاجة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى بيئة مستقرة داخلياً تسمح بتمرير تعديلات دستورية.
وقد أثارت تصريحات أمريكية خلال مراحل التصعيد الأولى، بشأن تسليح مجموعات كردية، مخاوف تركية من إعادة إنتاج نموذج كيانات مسلحة على حدودها الجنوبية والشرقية، بما قد يقوض مسار التسوية الداخلية.
سابعاً: إسرائيل وتوازنات الإقليم الجديدة
على الجبهة الأخرى، تتابع أنقرة بقلق تنامي الدور العسكري الإسرائيلي في سوريا ولبنان، إلى جانب تعميق التحالفات الإسرائيلية مع اليونان وقبرص، وهي تحالفات تنظر إليها تركيا باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل ميزان القوى في شرق المتوسط، وتستبعد أيدن تاشباش حدوث تطبيع سياسي شامل بين أنقرة وتل أبيب في المدى القريب، رغم استمرار قنوات اتصال ميدانية محدودة في بعض الملفات الإقليمية.
وفي السياق ذاته، حذّر مسؤولون أتراك من أن بعض السياسات الإسرائيلية تهدف إلى إعادة رسم الخرائط السياسية عبر صراعات الهوية، وهو ما تعتبره أنقرة تهديداً مباشراً لاستقرار النظام الإقليمي.
خريطة طريق تركية لتفادي العزلة
وتقدم أيدن تاشباش رؤية تقوم على ضرورة انتقال تركيا من موقع المتفرج إلى الفاعل الاستباقي، من خلال:
- حسم السلام الداخلي: تحويل وقف إطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني إلى تسوية قانونية دائمة عبر دمج المسلحين، ومنح عبد الله أوجلان والأكراد مساحة سياسية أوسع تحت سقف الدولة.
- استقرار الجوار: دمج "قوات سوريا الديمقراطية" في الدولة السورية الجديدة، وتعميق التنسيق الأمني مع بغداد لحماية طرق التجارة.
- تفعيل الممر الأوسط: فتح الحدود مع أرمينيا لتنشيط تجارة القوقاز وتقليل الاعتماد على الطرق الجنوبية المشتعلة.
- إدارة العلاقة مع الغرب: تعزيز الدفاعات عبر الناتو وأوروبا، وتجاوز وعود ترامب غير الموثوقة نحو بناء اكتفاء ذاتي دفاعي.
بين الحياد والمشاركة
تخلص التقديرات الواردة في "فورين أفيرز" إلى أن سياسة الحياد، رغم وجاهتها الظاهرية، لم تعد كافية لدولة بحجم تركيا وموقعها الجيوسياسي الحساس، فالتطورات الإقليمية المتسارعة تجعل من البقاء على هامش الأحداث خياراً محفوفاً بالمخاطر، في حين يفرض الواقع الإقليمي على أنقرة الانخراط في صياغة التوازنات الجديدة، لا الاكتفاء بمراقبتها.

