انتقادات حادة تطال الحوثيين في اب وتكشف فسادهم
ملخص :
في تحول لافت يعكس تصاعد الخلافات داخل التحالف الهش بين الحوثيين وجناح حزب المؤتمر الشعبي العام في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ظهرت انتقادات علنية غير مسبوقة من قيادات في حزب المؤتمر بمحافظة إب، التي تبعد 193 كيلومترًا جنوب صنعاء، حيث اتهموا الجماعة بالفساد المستشري وتفكيك مؤسسات العدالة، وتحويل واحدة من أكثر المحافظات اليمنية كثافة سكانية إلى مسرح مفتوح للنفوذ الأمني والجبايات والعبث الإداري.
هذه الانتقادات، التي أتت بعد سنوات طويلة من الصمت أو الاكتفاء بمواقف باهتة، تكشف عن عمق الاستياء المتراكم داخل معسكر الحوثيين، وتعكس حجم السخط الشعبي المتزايد نتيجة لتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في محافظة تعتبر من أهم المراكز السكانية والزراعية في البلاد، لكنها تحولت، بحسب وصف مسؤولين محليين، إلى مثال صارخ لسوء الإدارة وتغول سلطة المشرفين الحوثيين على مؤسسات الدولة.
في مقدمة هذه الأصوات المنتقدة، برز عقيل فاضل، وهو مسؤول فرع حزب المؤتمر الشعبي في إب والذي يشغل منصب وكيل المحافظة، حيث وجه انتقادات مباشرة لأداء الجماعة، محذرًا من أن المحافظة تدار بمنطق الفوضى وليس بمنطق الدولة، وأن الأجهزة الأمنية والنيابة العامة قد انحرفت عن دورها القانوني لتتحول، على حد تعبيره، من أدوات لحماية الحقوق إلى أطراف فاعلة في انتهاكها.
تدهور الأوضاع في إب
واتهم فاضل جهات أمنية وقضائية بالتلاعب بالأدلة وتلفيق التهم للأبرياء والتستر على المتنفذين، معتبرًا أن النيابة العامة فقدت استقلاليتها الرقابية وأصبحت خاضعة لتوجيهات أمنية تمنح غطاءً قانونيًا لممارسات وصفها بالاجرامية.
وفي لهجة تصعيدية واضحة، اكد فاضل أن السكوت على هذه الانتهاكات لم يعد ممكنًا، متعهدًا بالكشف عن المتورطين بالأدلة، وشدد على أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من ثقة الناس بمؤسسات العدالة.
وينظر إلى هذه التصريحات على أنها خروج صريح عن الخطاب التقليدي الذي ظل يتجنب المواجهة العلنية مع الحليف الحوثي، وهو ما أعطاها دلالات سياسية تتجاوز بعدها المحلي لتشير إلى تصاعد الاستياء داخل المكونات المتحالفة شكليًا مع الجماعة، خاصة في المحافظات التي تشهد تضييقًا متزايدًا على الشركاء السابقين.
إقصاء الكوادر المؤتمرية
في سياق هذه التصدعات، رفع القيادي المؤتمري جبران باشا، وهو وكيل محافظة مبعد من منصبه، سقف المواجهة الكلامية مع الحوثيين، حين وصف ما يجري في إب بأنه عبث لا يمكن السكوت عنه، مؤكدًا أن كرامة أبناء المحافظة تمثل خطًا أحمر، وأن إب ليست مكبًا للفشل الإداري والقضائي ولا محطة لتدوير المسؤولين العاجزين.
واشار باشا إلى أن ما يطرحه لا يمثل موقفًا شخصيًا أو جدالًا سياسيًا عابرًا، بل يعكس المزاج العام في المجالس والدواوين والشارع المحلي، في إشارة إلى تنامي حالة الغضب الشعبي من السياسات الحوثية، ووجه رسالة تحذيرية بأن الخطاب القادم قد يكون أكثر حدة إذا استمرت الجماعة في إدارة المحافظة بالآليات نفسها.
يأتي هذا التصعيد في وقت تتحدث فيه مصادر محلية عن عملية إحلال ممنهجة تنفذها الجماعة، تقوم على إقصاء كوادر المؤتمر والوجاهات الاجتماعية والقيادات الإدارية التقليدية، واستبدال شبكة من المشرفين الموالين لها بهم، وكثير منهم قادمون من خارج المحافظة ويتولون إدارة الملفات الأمنية والمالية والإدارية بصورة مباشرة، بما همش السلطات المحلية وحولها إلى واجهات شكلية بلا صلاحيات حقيقية.
الاستيلاء على الأراضي
بالتوازي مع هذا الصراع الخفي، تزداد شكاوى السكان من اتساع نطاق عمليات الاستيلاء على أراضي الدولة والممتلكات الخاصة في مدينة إب ومحيطها، وسط اتهامات للجماعة باستغلال نفوذها العسكري والأمني لفرض حقائق جديدة على الأرض، تشمل تغيير استخدامات الأراضي ومنح مساحات واسعة لمتنفذين مرتبطين بها، إضافة إلى تحويل مرتفعات جبلية استراتيجية في أكثر من مديرية إلى مواقع عسكرية مغلقة.
ويقول سكان محليون ان هذه الإجراءات لم تتوقف عند حدود التوسع العسكري، بل امتدت لتشمل منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم في بعض المناطق المرتفعة، بعد فرض قيود أمنية مشددة حول مواقع جرى استحداثها لأغراض عسكرية، وهو ما ألحق أضرارًا مباشرة بمصادر رزق مئات الأسر التي تعتمد على الزراعة.
وفي مديريات أخرى، تصاعدت الاحتجاجات الشعبية ضد مساع لإقامة منشآت صناعية ذات طبيعة كيميائية في مناطق زراعية حساسة، وسط تحذيرات من انعكاسات بيئية خطيرة قد تهدد المياه الجوفية والمحاصيل في محافظة تعتبر من أبرز السلال الغذائية في اليمن.
تدهور الخدمات وتصاعد المطالبات
على الرغم من الإيرادات الكبيرة التي تجنيها الجماعة الحوثية من محافظة إب عبر الضرائب والجمارك وأموال الزكاة والرسوم المتعددة، لا يلمس السكان أي تحسن في مستوى الخدمات الأساسية.
فحسب تقديرات حقوقية ومحلية، تعد إب من أبرز المحافظات رفدًا للمالية الحوثية، لكن الجزء الأكبر من هذه الموارد ينقل إلى صنعاء ويسخر لتمويل الأنشطة العسكرية وشبكات النفوذ المرتبطة بالجماعة.
في المقابل، تشهد المحافظة تدهورًا حادًا في بنيتها الخدمية، فشوارع مركز المحافظة تعاني من تهالك واسع، حيث تفاقمت الحفر والتشققات بعد الأمطار الموسمية، فيما تتكرر أزمات مياه الشرب وتتراجع خدمات النظافة والصرف الصحي، في وقت يجري فيه تحميل المنظمات الإغاثية الدولية أعباء التدخل في قطاعات يفترض أن تمول من الموارد المحلية.
هذا الواقع دفع قيادات مؤتمرية أخرى إلى المطالبة علنًا بوقف نقل عائدات المحافظة إلى صنعاء والإبقاء عليها لتغطية احتياجات السكان وتحسين الخدمات، في موقف يعكس اتساع فجوة الخلاف بين الشريكين المفترضين في إدارة المحافظة.

