مضيق هرمز: خيارات إيران الصعبة بين النووي والحصار
ملخص :
بعد مرور اكثر من شهرين على اندلاع الحرب وتوقف اطلاق النار، يظل السؤال المطروح هو ما اذا كان الحصار البحري الامريكي المفروض على ايران قادرا على تحقيق نتيجة سياسية حاسمة، وهي فتح مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه كسر الممانعة الايرانية في ما يخص الملف النووي، دون الانزلاق مرة اخرى الى صراع واسع النطاق.
كشفت تقديرات صادرة عن البنتاغون ان الحصار قد كلف ايران حتى الان حوالي 4.8 مليار دولار من عائدات النفط، وذلك نتيجة لابقاء عدد كبير من الناقلات عالقة في الخليج وتحويل مسار سفن اخرى حاولت عبور خطوط الحصار.
الا ان هذه الارقام لا تعكس وحدها حجم المشكلة، فالاقتصاد الايراني لا يواجه خسائر انية فحسب، بل يقترب من نقطة حرجة قد تضطره الى وقف انتاج النفط بسبب عدم وجود منافذ كافية، وهو الامر الذي قد يتسبب في اضرار طويلة الامد لحقول النفط المتقادمة.
تداعيات الحصار على الاقتصاد الإيراني
تدرس واشنطن خياراتها وتقيم ما اذا كان الضغط الاقتصادي الحالي كافيا لتحقيق اهدافها، ام ان الحصار لن يكون سوى مقدمة لتصعيد عسكري جديد.
وقال مدير مشروع ازدهار ايران، الدكتور سعيد قاسمي نجاد، ان الحصار البحري الامريكي يعتبر اداة مدمرة وفعالة للغاية للاقتصاد الايراني.
واضاف قاسمي نجاد ان الحصار البحري قد ادى الى خنق اكثر من مليون برميل يوميا من صادرات النفط الخام الايرانية، وتشير التوقعات الى ان الضغط المتزايد سيدفع صادرات النفط الايرانية نحو الصفر، بالتوازي مع تضييق الخناق على قطاعات البتروكيماويات والقطاعات غير النفطية الاخرى.
الحصار يغير قواعد اللعبة الاقتصادية
تكمن اهمية هذا التقييم في انه ينقل النقاش من مجرد فرض عقوبات تقليدية الى السيطرة الميدانية على المنافذ الاقتصادية الايرانية، فالعقوبات مهما بلغت من الشدة، كانت تترك لطهران مساحات للمناورة عبر شبكات التهريب وناقلات النفط التي تعمل في الظلام.
وبين قاسمي نجاد ان الحصار الحالي يغلق الطريق البحري نفسه، ونتيجة لذلك بدات ايران في استخدام ناقلات قديمة كخزانات عائمة، بينما تسلك بعض السفن طرقا اطول واكثر تكلفة الى الصين لتفادي الاعتراض البحري.
وحذر قاسمي نجاد من ان الازمة تقترب من نقطة تحول حرجة، ففي السيناريو الاسوأ قد تستنفد طهران طاقتها التخزينية المحلية بحلول منتصف شهر يونيو.
سيناريوهات قاتمة للاقتصاد الإيراني
واوضح قاسمي نجاد انه في حال عدم وجود منفذ لتصريف النفط، سيضطر النظام الايراني الى خفض الانتاج او وقفه بشكل جزئي، وهي خطوة تهدد بالاضرار الدائم بحقول النفط القديمة وتعميق الثقب المالي الاسود.
واكد قاسمي نجاد ان الحصار لم يعد مجرد وسيلة ضغط تفاوضية، بل محاولة لدفع بنية الاقتصاد الايراني الى حافة الانهيار.
في المقابل، قدمت ايران عرضا جديدا عبر الوسطاء الباكستانيين، حيث ابدت استعدادا لمناقشة شروط فتح مضيق هرمز بالتزامن مع الحصول على ضمانات امريكية لانهاء الهجمات وتفكيك الحصار المفروض على الموانئ، ثم الانتقال لاحقا الى بحث الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات.
جمود المفاوضات النووية
الا ان الفجوة بين الطرفين لا تزال كبيرة، فواشنطن تطالب بوقف تخصيب الوقود النووي الايراني لفترة طويلة وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بينما ترفض طهران حتى الان تقديم تنازلات كبيرة في هذا الملف.
لذلك لم يكن مستغربا ان يؤكد ترمب ان الولايات المتحدة لن تنهي مواجهتها مع ايران مبكرا، حتى لا تعود المشكلة للظهور بعد فترة قصيرة.
ويرى قاسمي نجاد ان السؤال الاهم هو ما اذا كان هذا الاستنزاف الاستراتيجي سيجبر طهران على فتح مضيق هرمز والتخلي عن برنامجها النووي، الا انه يشير الى ان التاريخ يوضح ان النظام الايراني سيعطي الاولوية لبقائه على تقديم التنازلات.
هل ينجح الحصار في تحقيق الأهداف الأمريكية؟
واشار قاسمي نجاد الى ان القيادة الايرانية ستنظر الى الورقة النووية باعتبارها بوليصة التامين الاخيرة لبقاء النظام، ويستبعد تحقيق اختراق دبلوماسي كبير قريبا دون تصعيد عسكري اضافي.
وحسب محللين، فان المازق الامريكي يكمن في ان واشنطن تراهن على ان الوقت في صالحها، الا انها لا تستطيع تجاهل ان استمرار اغلاق مضيق هرمز يرفع اسعار النفط ويزيد الضغط السياسي الداخلي في الولايات المتحدة.
ويقدم كبير الباحثين في الشان الايراني في معهد الشرق الاوسط، اليكس فاتنكا، قراءة مختلفة، حيث يرى ان المواجهة الحالية غير مستقرة ويمكن ان تشعل صراعا جديدا بسبب سوء التقديرات او الضغط الاقتصادي المتزايد.
مخاطر التصعيد العسكري
وشدد فاتنكا على ان الحرب الشاملة ليست حتمية، الا ان خطر التصعيد حقيقي ومتزايد، ويصف الحصار الامريكي بانه يقع في منطقة رمادية يمكن ان تشعل صراعا جديدا.
واوضح فاتنكا ان هذه المنطقة الرمادية تظهر ايضا في الجدل القانوني داخل واشنطن، حيث ابلغ ترمب الكونغرس بان الاعمال العدائية مع ايران قد انتهت، محاولا تجاوز المهلة الزمنية المنصوص عليها في قانون صلاحيات الحرب.
الا ان الادارة الامريكية نفسها تواصل فرض حصار بحري وتبقي على وجود عسكري كبير في المنطقة، ولا تستبعد شن ضربات جديدة، بل ان ترمب اكد ان الولايات المتحدة في حالة حرب لمنع ايران من امتلاك سلاح نووي.
خيارات محدودة وتصعيد محتمل
المفارقة هي ان الحصار في القانون الدولي يعتبر عملا حربيا، وهذا ما يجعل حجة الادارة الامريكية عرضة للطعون السياسية والقانونية.
في المقابل، تتزايد الضغوط على ترمب من معسكر يرى ان التفاوض مضيعة للوقت، ودعا الجنرال المتقاعد جاك كين الى وقف المسار الدبلوماسي واستئناف القصف، مؤكدا ان القيادة الايرانية لا تبالي بمعاناة شعبها.
واقترح كين ان تشمل الاهداف الجديدة مواقع قيادية وصواريخ باليستية وما تبقى من البرنامج النووي ومخازن الطائرات المسيرة، وحتى البنية التحتية للطاقة.
الحصار والاقتصاد العالمي
الا ان هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، فالمزيد من الضربات قد لا يؤدي بالضرورة الى استسلام النظام الايراني، بل قد يعزز منطقه الامني ويدفعه الى استخدام ما تبقى لديه من اوراق، مثل اغلاق اوسع لمضيق هرمز وتنفيذ هجمات على ناقلات النفط.
كما ان ضرب البنية التحتية للطاقة قد يوسع دائرة الازمة الى اسواق النفط والغاز العالمية ويزيد الضغط على حلفاء واشنطن.
وفي الختام، فان الحصار الامريكي نجح في نقل الضغط من السماء الى البحر، ومن تدمير الاهداف الى خنق الموارد، الا انه لم يحسم بعد السؤال السياسي الاهم، وهو ما اذا كان يمكن اجبار نظام يرى برنامجه النووي ضمانة لبقائه على التخلي عنه عبر الاختناق الاقتصادي وحده.

