جردة حساب.. المستفيدون والمتضررون من الحرب على إيران
ملخص :
عندما أقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شنّ الحرب على إيران، قدّم خطاباً سياسياً حاداً قائمًا على وعدٍ بتحقيق نصر سريع وحاسم يُعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة، وبعد عشرة أيام فقط من اندلاع الصراع، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة "قد انتصرت بالفعل في الحرب من نواحٍ عديدة"، في محاولة لترسيخ صورة إنجاز استراتيجي مبكر.
غير أن مجريات الأحداث اتجهت نحو مسار أكثر تعقيداً، فبعد شهرين من القتال، توقف إطلاق النار، لكن الحرب لم تُطوَ صفحتها السياسية بعد، ولم تتبلور نهايتها بشكل واضح، وعلى العكس من ذلك، بقيت الولايات المتحدة بعيدة عن تحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة، فيما تحوّل الصراع، الذي كان يُنظر إليه باعتباره محدود النطاق، إلى أزمة إقليمية ودولية ممتدة، دفعت العديد من دول العالم إلى دوامة تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة.
أولاً: 5 متضررين من الحرب
دول الخليج: استقرار يتعرض للاهتزاز
وجدت دول الخليج نفسها في قلب تداعيات حرب لم تكن ترغب بها، وسعت في مراحل سابقة إلى احتوائها ومنع انفجارها، ورغم تاريخها مع التوترات الإقليمية، فإنها كانت تتمتع لعقود بدرجة عالية من الاستقرار الاقتصادي، قبل أن تتغير المعادلة مع بدء إيران الردّ العسكري على الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكانت الإمارات العربية المتحدة الأكثر تضرراً، إذ تعرّضت لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة أكثر من غيرها، بما في ذلك إسرائيل، ورغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض معظمها، فإن الأثر الاقتصادي والمعنوي كان واضحاً، ما يهدد صورة الدولة كمركز إقليمي للأعمال والسياحة والاستثمار.
وفي السياق ذاته، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ضغوط شديدة على اقتصادات تعتمد عليه بشكل أساسي، مثل العراق وقطر والكويت، حيث يُعدّ هذا الممر البحري شرياناً رئيسياً لصادرات النفط والغاز، وقد انعكس ذلك في خفض صندوق النقد الدولي لتوقعاته للنمو، مع ترجيحات بانكماش بعض الاقتصادات الإقليمية.
الولايات المتحدة: كلفة اقتصادية وضغوط داخلية
لم تكن الولايات المتحدة بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ انعكست الأزمة على الاقتصاد الداخلي بشكل مباشر، فقد ارتفعت أسعار الوقود وتذاكر الطيران والخدمات، في ظل إضافات متزايدة على رسوم النقل المرتبطة بأسعار الطاقة.
وسجل معدل التضخم ارتفاعاً من 2.4% في فبراير إلى 3.3% في مارس، بالتوازي مع تراجع واضح في ثقة المستهلكين، ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن اعتماد الولايات المتحدة الكبير على النفط، مقابل بطء الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، جعلها أكثر عرضة للتقلبات الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية.
إيران: ضغط خارجي وقمع داخلي
في إيران، امتزجت آثار الحرب الخارجية مع تصعيد داخلي حاد، فقد تعرضت البلاد لضربات عسكرية واسعة استهدفت آلاف المواقع، بما في ذلك منشآت مدنية، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا، بينهم مدنيون، وفقاً لتقارير حقوقية، وفي المقابل، صعّدت السلطات الإيرانية من إجراءاتها الأمنية الداخلية، عبر حملات اعتقال وإعدامات واسعة، في ظل ما وصفته منظمات حقوقية بتشديد غير مسبوق على الحريات العامة، إضافة إلى فرض قيود صارمة على الإنترنت.
أما اقتصادياً، تدهورت الأوضاع بشكل ملحوظ، مع ارتفاع معدلات البطالة وتزايد الفقر، ما عمّق الأزمة المعيشية داخل البلاد.
الاقتصاد العالمي: صدمة أسعار تمتد عبر القارات
انعكست الحرب على الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة، حيث ارتفعت أسعار الطاقة والغذاء، وتضررت سلاسل الإمداد الدولية. في آسيا، تأثرت دول تعتمد بشكل كبير على واردات النفط، بينما واجهت أمريكا اللاتينية موجة تضخم جديدة.
أما في أفريقيا، فقد زادت الأزمة من هشاشة الأوضاع الاقتصادية القائمة، وسط تحذيرات من مؤسسات مالية دولية من "صدمة اقتصادية كبيرة" محتملة في أوروبا أيضاً.
لبنان: ساحة صراع مزمن يتجدد
في لبنان، أعادت الحرب إشعال جبهة قديمة من التوتر بين إسرائيل وحزب الله، فقد تحولت الهدنة الهشة إلى مواجهات عسكرية متصاعدة، شملت غارات جوية إسرائيلية وتوغلات برية، في محاولة لتقويض قدرات الحزب، ووفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، فقد أسفرت الضربات عن سقوط أكثر من 2500 قتيل منذ بداية التصعيد، بالإضافة إلى تدمير واسع في قرى جنوب لبنان، ونزوح مئات الآلاف من السكان، في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية بمنع عودة النازحين قبل إنهاء التهديدات الأمنية.
ثانياً: 5 مستفيدين..
الصين: إدارة ذكية للأزمات وتوسيع النفوذ
تُعد الصين من أبرز الأطراف التي تمكنت من التكيف مع تداعيات الأزمة، فبصفتها أكبر مستورد للطاقة في العالم، واجهت بكين خطر اضطراب الإمدادات، لكنها نجحت في تقليل التأثير عبر بناء احتياطات استراتيجية ضخمة، وتنويع مصادر الاستيراد، وتسريع التحول إلى الطاقة المحلية.
كما أسهمت الأزمة في تعزيز الطلب على تقنيات الطاقة المتجددة الصينية، خصوصاً الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، وعلى المستوى الجيوسياسي، استفادت الصين من انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ما منحها هامشاً أوسع لتعزيز نفوذها في آسيا.
شركات النفط: أرباح قياسية وسط أزمة عالمية
شهدت شركات الطاقة الكبرى مثل: "شيفرون" و"شل" و"بي بي" و"إكسون" و"توتال إنرجيز" ارتفاعاً كبيراً في الأرباح نتيجة تقلبات أسعار النفط، وتشير تقديرات إلى إمكانية وصول أرباح هذه الشركات إلى عشرات المليارات من الدولارات خلال العام، لكن هذه المكاسب أثارت جدلاً سياسياً واسعاً، مع دعوات لفرض ضرائب استثنائية على الأرباح، في مقابل تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة.
روسيا: مكاسب مالية رغم التحديات
استفادت روسيا بشكل مباشر من ارتفاع أسعار الطاقة، حيث ارتفعت عائدات النفط والغاز بشكل ملحوظ، ما وفر للكرملين سيولة إضافية في ظل العقوبات الغربية، غير أن هذه المكاسب تبقى محدودة بسبب استمرار الضغوط العسكرية على البنية التحتية النفطية، خاصة مع استهداف بعض المنشآت الحيوية في الداخل الروسي.
الطاقة المتجددة: أزمة تعزز التحول
رغم التحديات، أسهمت الأزمة في تعزيز التوجه العالمي نحو الطاقة المتجددة، فقد أطلقت دول أوروبية استراتيجيات جديدة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتسريع الاستثمار في الطاقة النظيفة، لكن في المقابل، أدت الأزمة إلى ارتفاع أسعار المواد الخام المستخدمة في هذا القطاع، مثل الألومنيوم، ما قد يبطئ وتيرة التحول في المدى القصير.
صناعة السلاح والطائرات المسيّرة: ازدهار في زمن الحرب
كما هو الحال في معظم النزاعات، استفادت شركات الصناعات العسكرية من ارتفاع الطلب العالمي على الأسلحة، وتشير تقارير دولية إلى زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري العالمي، مدفوعة بحالة عدم الاستقرار المتصاعد، ويؤكد خبراء أن سباق التسلح بات أحد أبرز تداعيات الحرب، في ظل اتجاه العديد من الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية.
حرب بلا منتصر
رغم الخطاب السياسي الذي رافق اندلاع الحرب، فإن المشهد النهائي يكشف عن واقع أكثر تعقيداً: لا منتصر حاسم، ولا خاسر منفرد، بل شبكة واسعة من الدول التي تتقاسم تداعيات صراع تجاوز حدوده الإقليمية.

