الصومال نحو حوار رئاسي لانهاء ازمة العام الانتقالي
ملخص :
في خطوة تهدف إلى احتواء التوترات السياسية المتصاعدة، أطلق الرئيس الصومالي مبادرة جديدة للحوار مع قادة المعارضة، وذلك قبل أيام قليلة من الموعد النهائي الذي حددته المعارضة في منتصف شهر مايو الحالي. وتأتي هذه التحركات في ظل رفض قاطع لما يسمى "العام الانتقالي"، وهو التعديل الدستوري الذي يسمح بتمديد ولايتي الرئيس والبرلمان لمدة عام إضافي.
الدعوة إلى الحوار المرتقب في العاشر من مايو لاقت ترحيبا دوليا واسعا، حيث يعتبرها المراقبون فرصة أخيرة لتحقيق توافق حاسم بين الرئيس حسن شيخ محمود والمعارضة التي ترفض رفضا قاطعا تمديد الفترة الرئاسية. وبين خبير في الشأن الصومالي أن هذه الدعوة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، متوقعا ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها مشاركة المعارضة في الاجتماع والتوصل إلى تفاهمات، وثانيها المقاطعة وانتظار تصعيد شعبي، أما السيناريو الأصعب فهو الدخول في أزمة سياسية غير مسبوقة.
ووفقا لما أوردته وكالة الأنباء الصومالية، دعا الرئيس حسن شيخ محمود مجلس المستقبل المعارض إلى المشاركة الفعالة في الاجتماع المقرر عقده رسميا في العاشر من مايو الحالي، مؤكدا أن هذه الدعوة تأتي استنادا إلى اللقاءات والمشاورات الخاصة التي أجراها خلال الفترة الأخيرة مع مختلف الأطياف السياسية والمجتمعية في الصومال.
تفاؤل حذر يسبق الحوار المرتقب
ويأتي هذا الاجتماع، انطلاقا من الحاجة الملحة لمناقشة القضايا المصيرية التي تواجه البلاد بروح إيجابية وشفافية ومسؤولية وطنية، وعلى رأس هذه القضايا مسار بناء الدولة، بما في ذلك الانتخابات المقبلة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحديد التوجه السياسي لمستقبل الصومال.
واكد الرئيس الصومالي أن المرحلة الراهنة تتطلب من جميع الأطراف التوافق وتقديم التنازلات المتبادلة، وذلك لضمان أن تكون الحوارات مثمرة وتؤدي إلى نتائج عملية وفعالة تخدم مصلحة البلاد العليا. ويستلزم الدستور الصومالي المعدل حديثا ما يسمى بـ "العام الانتقالي"، والذي يترتب عليه تمديد ولايتي مؤسستي الرئاسة والبرلمان لمدة سنة إضافية، إلا أن المعارضة ترفض هذا التعديل وتعتبره غير دستوري.
لكن المعارضة لا تكف عن التهديد والتحذير من أنها لن تسمح بتجاوز المواعيد الدستورية السابقة المقررة لانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في منتصف مايو 2026. وكان رئيس مجلس النواب آدم محمد نور مدوبي قد اكد في وقت سابق أن جميع المؤسسات الدستورية في البلاد ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقعه الرئيس، والذي ينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلا من أربع سنوات.
المعارضة ترفض تمديد الفترة الرئاسية
وعقب إقرار التعديل الدستوري في شهر مارس الماضي، أصدر ائتلاف المعارضة الصومالية، المعروف باسم "مجلس مستقبل الصومال"، بيانا أكد فيه أن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في الرابع عشر من أبريل 2026، فيما تنتهي ولاية الرئيس في الخامس عشر من مايو من العام نفسه. واضاف البيان أن المعارضة ترفض بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012.
وجاء أحدث تلك التحذيرات على لسان رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني، الذي يتبنى موقفا معارضا للحكومة الفيدرالية، محذرا من أن الخلافات السياسية الحادة قد تهدد وجود الدولة إذا لم يتم التوصل إلى حل شامل وعادل قبل نهاية ولاية الرئيس في الخامس عشر من مايو. وقال إنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي يقبله جميع الصوماليين، فلن تكون هناك حكومة فيدرالية قادرة على إدارة شؤون البلاد.
وتعارض ولايتا غوبالاند وبونتلاند، بالإضافة إلى قيادات معارضة بارزة، التعديلات الدستورية الأخيرة، معتبرة أنها لم تتم بطريقة قانونية سليمة، وأعلنت مقاطعتها الدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي قبل شهرين، وذلك وسط خلافات جذرية مع الحكومة تشمل أيضا رفض الانتخابات المباشرة.
توقيت بالغ الحساسية
ومن جانبه، قال المحلل السياسي الصومالي عبد الولي جامع بري إن تصريح الرئيس حسن شيخ محمود حول "التنازلات المتبادلة" والدعوة إلى حوار في العاشر من الشهر الحالي يأتي في توقيت حساس جدا، لأنه يسبق مباشرة موعد الخامس عشر من مايو الذي لوحت به أطراف المعارضة للتصعيد، لافتا إلى أن هذا يضع البلاد أمام لحظة سياسية حاسمة، فيها فرصة حقيقية لخفض التوتر، لكن خطر الفشل وارد أيضا.
ويرى أن نجاح الحوار يتوقف بشكل كبير على أجندة الاجتماع، والتي يجب أن تشمل القضايا الحرجة، وعلى رأسها الانتخابات والدستور وتقاسم السلطة، بالإضافة إلى الضمانات التي يجب أن تقدم لجميع الأطراف، وهل هناك التزام واضح بعدم اتخاذ خطوات أحادية أثناء الحوار. وبين أن وجود أطراف دولية ومحلية محايدة كوسطاء يمكن أن يسهم في تجميد أو تأجيل تصعيد الخامس عشر من مايو، مستدركا بأنه إذا اعتبرت المعارضة أن الحوار مجرد تكتيك لكسب الوقت، فإن التصعيد قد يستمر.
ويرجح إمكانية قبول المعارضة لهذا الحوار، إذا ضمنت أنه ليس شكليا، بل يؤدي إلى نتائج ملموسة، وقد تشترط وقف أو تجميد أي قرارات أحادية، خاصة المتعلقة بالانتخابات أو التعديلات الدستورية، بالإضافة إلى تحديد جدول زمني واضح للحوار ونتائجه وإشراك جميع الأطراف السياسية دون إقصاء.
ترحيب دولي بالمبادرة الصومالية
ووسط هذا المسار الجديد المقترح للحوار، رحبت بعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال والمملكة المتحدة بدعوة الحكومة الفيدرالية لعقد اجتماع مجلس مستقبل الصومال، واصفة المبادرة بأنها خطوة استراتيجية وفي توقيت مثالي لمعالجة الأولويات الوطنية الحاسمة، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الصومالية.
واكدت البعثة الأممية، في بيان رسمي، أن الاجتماع يمثل فرصة هامة لرسم خريطة طريق مشتركة للمضي قدما في القضايا الوطنية الكبرى، داعية الأطراف كافة إلى المشاركة بنوايا حسنة وإعلاء مصلحة الشعب الصومالي فوق كل اعتبار. ومن جانبه، أشاد السفير البريطاني لدى مقديشو، تشارلز كينغ، بالمبادرة، مؤكدا أن الحوار الوطني هو المسار الأمثل لتعزيز الاستقرار وحماية مكتسبات الصوماليين.
ومع هذه الترحيبات الدولية، يتوقع بري عدة سيناريوهات محتملة للحوار، أولها مشاركة المعارضة والاتفاق على خريطة طريق مشتركة وتأجيل أو إلغاء تصعيد الخامس عشر من مايو، وثانيها المشاركة المشروطة بالدخول في حوار جاد، لكنها تبقي خيار التصعيد قائما، فيما تحاول الحكومة كسب الوقت وعقد جولات دون نتائج. أما أسوأ السيناريوهات، فهو التعثر والفشل، حيث قد ترفض المعارضة المشاركة أو تنسحب سريعا، وهذا يجعل تصعيد الخامس عشر من مايو واقعا، وقد يتوسع سياسيا أو شعبيا.

