إعادة تشكيل التوازنات الدولية.. كيف تعزز الحرب على إيران نفوذ الصين؟
ملخص :
قال الأكاديمي، كريستوفر هاردينغ، في مقال نشرته صحيفة "تايمز" البريطانية، إن الحرب التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران قد لا تبقى محصورة في إطارها الإقليمي، بل قد تُفضي -بصورة غير مقصودة- إلى تسريع تمدد النفوذ الاستراتيجي للصين في القارة الآسيوية، بما يعيد رسم خرائط الاصطفاف السياسي والاقتصادي في لحظة دولية شديدة الحساسية.
يركز هاردينغ، وهو محاضر في التاريخ الآسيوي بجامعة إدنبرة، على الزيارة المرتقبة لترامب إلى بكين خلال شهر مايو/أيار، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي يدخل هذه المحطة وهو مثقل بتراكمات تكشف، وفق تعبيره، "حدود القوة الأمريكية" في مواجهة معطيات جيوسياسية معقدة، من بينها هشاشة خطوط الملاحة في مضيق هرمز، وتآكل التماسك داخل حلف شمال الأطلسي، إلى جانب الضغط المتزايد على القدرات العسكرية الأمريكية.
تايوان في صدارة المشهد: اختبار جديد للتوازنات الكبرى
يشير هاردينغ إلى أن ملف تايوان يتصدر جدول أعمال أي حوار أمريكي-صيني محتمل، في ظل انقسام واسع بين المحللين بشأن الدروس التي يمكن أن تستخلصها بكين من الحرب الجارية مع إيران، فبينما يرى بعض المراقبين أن النزاعات الحديثة تكشف هشاشة القوى الكبرى أمام أدوات غير تقليدية مثل الطائرات المسيّرة والحرب غير المتكافئة، يعتقد آخرون أن فعالية الحصار الاقتصادي لا تزال أداة حاسمة في إدارة الصراعات طويلة الأمد.
لكن هاردينغ يحذر من سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في اعتماد الصين هذا النموذج في حال اندلاع أزمة في مضيق تايوان، الذي تمر عبره نسبة تقارب 40% من تجارة الحاويات العالمية، ما يعني أن أي تعطيل محتمل للملاحة فيه قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية عالمية تُقدّر بتريليونات الدولارات.
جنوب شرق آسيا: تحوّل في المزاج السياسي
وبعيدًا عن ملف تايوان، يلفت الكاتب إلى تحولات أعمق تشهدها منطقة جنوب شرق آسيا، حيث كانت دول مثل فيتنام والفلبين قد عززت في السنوات الأخيرة تعاونها مع واشنطن في إطار مواجهة تمدد الصين في بحر الصين الجنوبي.
غير أن المعطيات الحديثة، بحسب هاردينغ، تكشف عن تبدّل تدريجي في المزاج السياسي داخل الإقليم، إذ بات عدد متزايد من صناع القرار ينظر إلى ما يُوصف بـ "عدم موثوقية القيادة الأمريكية" باعتباره تهديدًا يفوق في بعض الحالات مخاطر النفوذ الصيني نفسه.
وفي هذا السياق، تميل بعض الدول، مثل تايلاند وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، إلى تبني مقاربات أكثر براغماتية، قد ترجّح كفة التعاون مع بكين في حال تعارضت الخيارات بين القوتين العظميين.
حرب إيران وتداعياتها الاقتصادية على آسيا
ويشدد هاردينغ على أن الحرب ضد إيران ساهمت في تسريع هذا التحول، لا سيما في الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل ماليزيا وإندونيسيا، حيث كانت التوترات مع السياسات الأمريكية قائمة أصلًا، خصوصًا في ظل الدعم غير المشروط الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، وقد زادت الأزمة من حدة الاحتقان السياسي، بالتوازي مع تداعيات اقتصادية مباشرة، إذ تعتمد آسيا بشكل كبير على إمدادات النفط والغاز القادمة من الخليج، حيث تمر نحو 84% من شحنات النفط عبر مضيق هرمز.
وأدى الاضطراب في هذا الممر الحيوي إلى نقص في الإمدادات، وارتفاع أسعار الطاقة، وخلق ضغوط اقتصادية واسعة انعكست على الأسواق الآسيوية بشكل مباشر.
بكين كلاعب "مستقر" في مقابل واشنطن "المتقلبة"
في المقابل، تمكنت الصين -بحسب تحليل هاردينغ- من توظيف هذه الاضطرابات لتعزيز صورتها كقوة استقرار نسبي، حيث تحركت دبلوماسيًا في اتجاه دعم وقف التصعيد وضمان استمرارية تدفق الطاقة، وبهذا السلوك، بدأت بكين، وفق تعبيره، تظهر تدريجيًا باعتبارها "الطرف الأكثر نضجًا على الساحة الدولية"، في مقابل صورة واشنطن التي تتسم بالتقلب وعدم القدرة على التنبؤ.
الهند وحلفاء واشنطن: إعادة تقييم صامتة للتحالفات
ولا تقتصر التحولات على جنوب شرق آسيا، إذ تشهد الهند بدورها نقاشًا داخليًا متصاعدًا بشأن طبيعة علاقتها مع الولايات المتحدة، في ظل أزمات الطاقة، والجدل حول اعتمادها على إعفاءات أمريكية لاستيراد النفط الروسي.
أما الحلفاء التقليديون لواشنطن في شرق آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، فيجدون أنفسهم أمام معادلة معقدة، تجمع بين الالتزامات الأمنية تجاه الولايات المتحدة، والاعتماد الاقتصادي العميق على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، وتزداد هذه التعقيدات مع الدعوات الأمريكية المتكررة لهذه الدول للمشاركة في دعم العمليات العسكرية، ما يضعها أمام ضغوط سياسية واستراتيجية متزايدة.
الصين: استفادة استراتيجية دون تكلفة مباشرة
ويرى هاردينغ أن المفارقة الأساسية تكمن في أن الصين لم تسعَ بشكل مباشر إلى تحقيق هذا التقدم الجيوسياسي، بل استفادت من تراجع صورة الولايات المتحدة في عدد من الساحات الدولية، فمن خلال سياسات تهدف إلى تعزيز احتياطياتها من الطاقة، وتوسيع صادراتها من تقنيات الطاقة المتجددة، استطاعت بكين تعزيز موقعها العالمي بهدوء، في وقت تواجه فيه القوى الأخرى اضطرابات داخلية وخارجية متزايدة.
استراتيجية طويلة المدى تؤتي ثمارها
ويخلص هاردينغ إلى أن الصين، رغم التحديات الاقتصادية والداخلية التي تواجهها، خاصة في ظل إدارة الرئيس شي جين بينغ، تبدو مستمرة في جني ثمار استراتيجية طويلة الأمد تقوم على التدرج والتموضع الاقتصادي والدبلوماسي، بدل الانخراط المباشر في صراعات مكلفة، ويرى أن استمرار هذا المسار، في ظل تراجع الثقة العالمية بالسياسات الأمريكية، قد يعيد تشكيل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة بصورة أعمق مما تبدو عليه الأحداث الراهنة.

