هل يخشى بوتين من الاغتيال أو الانقلاب؟
ملخص :
تشهد الدائرة المحيطة بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تشديداً أمنياً واسع النطاق، في ظل بيئة سياسية وعسكرية توصف بأنها الأكثر توتراً منذ سنوات، مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد الهجمات داخل العمق الروسي، إلى جانب تصاعد المخاوف من اختراقات أمنية أو تهديدات داخلية تطال النخبة الحاكمة في موسكو.
وبحسب تقرير صادر عن وكالة استخبارات أوروبية، ونقلته شبكة "سي إن إن" الأميركية، فقد قام الكرملين بتوسيع منظومة الحماية الشخصية للرئيس الروسي بشكل غير مسبوق، بما في ذلك تركيب أنظمة مراقبة داخل منازل عدد من المقربين من بوتين، في إطار إجراءات وقائية تهدف إلى إحكام السيطرة الأمنية على الدائرة الضيقة المحيطة به.
قيود صارمة على الدائرة المقربة وتشديد غير مسبوق
أفاد التقرير بأن السلطات الروسية فرضت قيوداً صارمة على العاملين ضمن الدائرة المباشرة للرئيس، شملت منع المقربين مثل الطهاة والحراس من استخدام وسائل النقل العامة، وإخضاع الزوار لإجراءات تفتيش مضاعفة، إضافة إلى إلزام بعض العاملين باستخدام هواتف خالية من الاتصال بالإنترنت، في خطوة تهدف إلى تقليل مخاطر تسريب المعلومات، كما شملت الإجراءات الأمنية تركيب أنظمة مراقبة داخل منازل بعض الموظفين، في مؤشر على ارتفاع مستوى الشكوك داخل المؤسسة الرئاسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من محاولات تسلل أو اختراق أمني محتمل.
تقليص تحركات بوتين وتغيّر نمط ظهوره العلني
وبحسب المصدر ذاته، فقد شهدت تحركات الرئيس الروسي تقليصاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، حيث لم يقم بزيارات إلى منشآت عسكرية خلال العام الحالي، كما توقف عن التردد على عدد من مقراته المعتادة، وأشار التقرير إلى أن بوتين بات يعتمد في بعض الأحيان على بث لقطات مسجلة مسبقاً بدلاً من الظهور المباشر، وهو ما يعكس، وفق مراقبين، مستوى متزايداً من الحذر الأمني داخل الكرملين.
اغتيالات عسكرية واتهامات بتصاعد التهديد الداخلي
ويربط التقرير هذه الإجراءات بسلسلة من الاغتيالات التي استهدفت قيادات عسكرية روسية بارزة، الأمر الذي تسبب في حالة من الارتباك داخل الأجهزة الأمنية، وفتح نقاشات داخلية حول مستوى الاختراقات المحتملة، وتزامن ذلك مع تصاعد الضغوط على روسيا نتيجة الحرب في أوكرانيا، بما في ذلك خسائر بشرية كبيرة، وتحديات اقتصادية متزايدة، إضافة إلى هجمات بطائرات مسيّرة داخل الأراضي الروسية، وهو ما يعزز، وفق التقرير، الشعور بتهديد متصاعد للأمن الداخلي.
توترات داخل النخبة الحاكمة وملفات فساد مثيرة للجدل
ونوه التقرير أيضاً إلى وجود حالة من التوتر داخل النخبة السياسية والعسكرية الروسية، مدفوعة باتهامات متزايدة بالفساد واعتقالات طالت شخصيات بارزة خلال الفترة الأخيرة، ومن بين أكثر النقاط إثارة للجدل، ما أورده التقرير بشأن وزير الدفاع الروسي السابق سيرغي شويغو، حيث تم الإشارة إليه باعتباره مرتبطاً بمخاطر محتملة تتعلق بانقلابات داخلية، دون تقديم أدلة مباشرة على تلك الادعاءات، ويشغل شويغو حالياً منصب سكرتير مجلس الأمن الروسي، بعد أن تم تهميشه من موقعه السابق، في سياق تغييرات داخل بنية السلطة الأمنية في البلاد.
اعتقالات وتآكل "ضمانات النخبة"
وسلط التقرير الضوء على اعتقال رسلان تساليكوف، النائب السابق لشويغو، في 5 مارس، في قضية تتعلق بالاختلاس وغسل الأموال والرشوة، وفق ما أعلنته لجنة التحقيق الروسية، ويرى التقرير أن هذه الخطوة تمثل، وفق توصيفه، انتهاكاً لاتفاقيات الحماية الضمنية بين النخب، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الملاحقات داخل الدائرة المقربة من السلطة.
خلافات داخل الأجهزة الأمنية بعد عمليات اغتيال
كما أشار التقرير إلى اجتماع وصف بالمتوتر جمع قيادات عسكرية وأمنية روسية، حيث اندلعت مشادة كلامية بين كبار المسؤولين حول مسؤولية الإخفاقات الأمنية، وجاء هذا الاجتماع عقب اغتيال الفريق، فانيل سارفاروف، رئيس قسم التدريب العملياتي في هيئة الأركان الروسية، في 22 ديسمبر 2025، في هجوم نُسب إلى عملاء أوكرانيين، وخلال الاجتماع، تبادل كبار المسؤولين الاتهامات بشأن ضعف التنسيق ونقص الموارد، ما دفع بوتين إلى التدخل شخصياً وطلب تقديم حلول عاجلة خلال أسبوع واحد.
إعادة هيكلة أمنية وتوسيع دائرة الحماية
وبحسب التقرير، فقد أسفر الاجتماع عن توسيع نطاق عمل جهاز الحماية الفيدرالي التابع للرئاسة الروسية، ليشمل حماية عدد من كبار القادة العسكريين، في محاولة لتعزيز المنظومة الأمنية بعد سلسلة الاغتيالات، كما شملت التغييرات رفع عدد المسؤولين العسكريين الذين يخضعون للحماية المباشرة، في خطوة تعكس حجم القلق داخل القيادة الروسية من استهداف شخصيات بارزة.
تخفيض مظاهر القوة في المناسبات العسكرية
وفي مؤشر إضافي على التحولات الأمنية، تم تقليص العرض العسكري السنوي في الساحة الحمراء المقرر في 9 مايو، حيث تقرر أن يُقام دون استخدام أسلحة ثقيلة مثل المدرعات والصواريخ، وأرجع المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف هذا القرار إلى ما وصفه بالتهديدات المرتبطة بالضربات الأوكرانية بعيدة المدى، مؤكداً أن السلطات تتخذ جميع التدابير اللازمة لتقليل المخاطر.
بوتين في مواقع محصنة وتحولات في نمط القيادة
ووفقاً للتقرير، فإن بوتين يقضي فترات متواصلة في مواقع محصنة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، حيث يُعتقد أنه يتنقل بين مناطق بعيدة عن موسكو، من بينها منطقة كراسنودار الساحلية المطلة على البحر الأسود، ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس تحولاً في نمط إدارة السلطة الروسية، الذي بات يعتمد بشكل أكبر على إجراءات احترازية مشددة، في ظل بيئة أمنية معقدة وضغوط عسكرية متصاعدة.

