لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة فتح مضيق هرمز؟
ملخص :
سلّطت صحيفة "وول ستريت جورنال" -في تقرير لها- الضوء على المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت مسمى "مشروع الحرية"، معتبرةً أنها تمثل اختبارًا عمليًا لقدرة واشنطن على فرض معادلة جديدة في مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات المائية حيوية للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ويأتي هذا التقييم في سياق تطورات ميدانية متسارعة، كشفت عن فجوة واضحة بين الطموحات السياسية والوقائع العسكرية، خاصة بعد قرار تجميد العملية، الذي ألقى بظلال من الشك على إمكانية تحقيق أهدافها المعلنة.
مغامرة عالية المخاطر أم ضرورة استراتيجية؟
يرى الصحفي جاريد مالسين، كاتب التقرير، أن إطلاق العملية، قبل قرار التجميد، لم يكن مجرد تحرك عسكري تقليدي، بل "مغامرة محفوفة بالمخاطر" هدفت إلى كسر ما وصفه بالسيطرة الفعلية لإيران على المضيق، وإعادة فرض مبدأ حرية الملاحة، غير أن هذه الخطوة، اصطدمت منذ بدايتها بقيود بنيوية عميقة، إذ سعت الإدارة الأمريكية إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات سياسية وأمنية، في وقت أظهرت فيه القيادة الإيرانية إصرارًا واضحًا على منع تحقيق أي مكسب أمريكي يمكن تسويقه كنصر استراتيجي.
رد إيراني هجومي وتصعيد متعدد الأدوات
يشير التقرير إلى أن إيران لم تكتفِ بردود دفاعية، بل بادرت إلى تصعيد هجومي مباشر، تمثل في إطلاق صواريخ كروز باتجاه سفن حربية أمريكية، إلى جانب توظيف الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة لاستهداف مواقع عسكرية ومدنية، هذا النمط من الرد، وفقًا للتحليل، يعكس استراتيجية إيرانية قائمة على "حرب الاستنزاف البحرية"، التي تهدف إلى رفع كلفة الوجود العسكري الأمريكي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
تهديد دائم للملاحة والتجارة العالمية
أحد أبرز تداعيات هذا التصعيد يتمثل في استمرار حالة التهديد التي تطال ليس فقط القوات العسكرية، بل أيضًا حركة الشحن التجاري، إذ لا تزال شركات النقل البحري مترددة في استئناف عبور المضيق، في ظل غياب ضمانات أمنية موثوقة، ويؤكد التقرير أن هذه المخاوف لم تعد مرتبطة فقط بالمخاطر الميدانية المباشرة، بل باتت تعكس بيئة أوسع من عدم اليقين، تؤثر على قرارات المستثمرين وشركات التأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
انهيار غير مسبوق في حركة العبور
قبل اندلاع الأزمة، كان المضيق يشهد عبور نحو 130 سفينة يوميًا، إلا أن هذا الرقم تراجع بشكل حاد ليقتصر على عدد محدود من السفن التي تغامر بالمرور، وهذا الانخفاض الكبير لا يعكس فقط تصاعد المخاطر الأمنية، بل يشير أيضًا إلى تآكل الثقة في استقرار أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ما أدى إلى اضطرابات عميقة في أسواق الطاقة.
صدمة نفطية عالمية وتداعيات اقتصادية واسعة
وأدى تعطّل الملاحة في المضيق إلى واحدة من أشد الصدمات في إمدادات النفط عالميًا، وهو ما انعكس سلبًا على أسعار الطاقة والاقتصادات الدولية، ويبرز التقرير أن هذه الأزمة لم تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتؤثر على التوازنات الجيوسياسية، مع إعادة ترتيب أولويات الدول المستهلكة والمصدّرة للطاقة على حد سواء.
صراع طويل في البحر وخيارات محدودة
وتشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة تتجه نحو انخراط طويل الأمد في صراع بحري للسيطرة على المضيق، بعد أن استخدمت بالفعل أدوات ضغط عسكرية مكثفة دون تحقيق نتائج حاسمة، وفي ظل هذا الواقع، تبدو الخيارات المتاحة أمام واشنطن محدودة، وتتمحور أساسًا حول تأمين خطوط الملاحة بدلًا من فرض سيطرة كاملة على الممر الحيوي.
إجراءات ميدانية وتحديات معقّدة
أما على المستوى العملي، تعتمد البحرية الأمريكية على حزمة من الإجراءات، تشمل إعادة توجيه السفن عبر مسارات أكثر أمانًا بالقرب من السواحل العُمانية، إلى جانب استخدام تقنيات متقدمة مثل الطائرات البحرية المسيّرة لرصد الألغام والتهديدات المحتملة، ومع ذلك، تواجه هذه الجهود عقبات كبيرة، في ظل إصرار إيران على فرض شروطها، بما في ذلك مطالبة السفن بالحصول على تصاريح مسبقة لعبور المضيق، ما يعكس سعيها لترسيخ نفوذها الفعلي في المنطقة.
معادلة القوة والثقة.. العامل الحاسم
يخلص التقرير إلى أن السيطرة على مضيق هرمز لا يمكن حسمها عبر القوة العسكرية وحدها، إذ يبقى العامل الأكثر تأثيرًا هو مستوى الثقة لدى الأسواق العالمية، وشركات التأمين، وقطاع الشحن، فمن دون هذه الثقة، لن تتمكن حتى أقوى القوى البحرية من إعادة حركة الملاحة إلى طبيعتها، ما يجعل البعد الاقتصادي والنفسي عنصرًا حاسمًا في معادلة الصراع.
قوة كبيرة لكنها ليست مطلقة
في المحصلة، يكشف "مشروع الحرية" عن حقيقة جوهرية مفادها أن النفوذ الأمريكي، رغم ضخامته، يظل محدودًا أمام تعقيدات الواقع الجيوسياسي وتشابك المصالح الدولية، وبينما تملك واشنطن أدوات عسكرية هائلة، فإن قدرتها على فرض واقع مستدام في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز تبقى رهينة بعوامل تتجاوز القوة الصلبة، لتشمل الثقة، والاستقرار، والتوازنات الإقليمية الدقيقة.

