إسرائيل في الوعي الغربي: من "حليف إستراتيجي" إلى امتداد عضوي للمركز الاستعماري
ملخص :
مع كل جولة تصعيد عسكري في الشرق الأوسط، تعود العواصم الغربية إلى حالة استنفار سياسي وعسكري شامل، في مشهد يعيد طرح سؤال محوري طالما شغل دوائر التحليل: لماذا يحظى الدعم الغربي لإسرائيل بطابع مطلق يكاد يخلو من الشروط والقيود؟
الإجابة التقليدية التي تتردد في الأدبيات السياسية والإعلامية تختزل هذه العلاقة في إطار "التحالف الإستراتيجي"، غير أن هذا التوصيف، رغم شيوعه، ينطوي على قدر كبير من التبسيط، بل ويعيق فهم الطبيعة البنيوية للعلاقة بين الطرفين، فمصطلح "التحالف" يفترض وجود كيانين مستقلين، تتقاطع مصالحهما وفق حسابات براغماتية قابلة للتبدل، بينما تكشف الوقائع أن العلاقة بين الغرب وإسرائيل تتجاوز هذا الإطار إلى مستوى أعمق وأكثر تعقيدًا.
ما بعد مفهوم "التحالف": علاقة تتجاوز الحسابات البراغماتية
في منطق العلاقات الدولية، تقوم التحالفات على اعتبارات المصلحة، وتظل رهينة لحسابات الربح والخسارة، وقد أثبت التاريخ السياسي أن الحلفاء قد يمارسون ضغوطًا متبادلة، أو يعيدون تقييم علاقاتهم، بل وقد يتخلون عنها حين تتحول إلى عبء، غير أن هذا المنطق لا ينطبق على حالة إسرائيل، فهي لا تُعامل داخل دوائر صنع القرار الغربي بوصفها شريكًا سياسيًا قابلاً للمساءلة أو التقييم الدوري، بل ككيان يتمتع بحصانة استثنائية، هذا الاستثناء لا يمكن تفسيره بالمعايير المادية التقليدية، بل يتطلب مقاربة تتناول موقع إسرائيل داخل البنية الذهنية والثقافية الغربية.
إسرائيل كامتداد للغرب: البعد الهوياتي للعلاقة
لفهم هذه العلاقة، لا يكفي التوقف عند المصالح المشتركة، بل ينبغي تحليل الكيفية التي يتموضع بها الكيان الإسرائيلي داخل الوعي الغربي، فإسرائيل لا تُنظر إليها كدولة مستقلة بالكامل، بل كامتداد عضوي للنظام الغربي ذاته، هذا الإدراك يجعل دعمها مسألة تتعلق بالهوية والبقاء، لا بالمصلحة الظرفية، فالغرب، في هذا السياق، لا يدعم "آخرًا" خارجيًا، بل يدافع عن صورة من ذاته مزروعة في جغرافيا الشرق الأوسط.
السردية الاستعمارية: من "ترويض الصحراء" إلى إعادة إنتاج التاريخ
تتجلى هذه الرؤية في اللغة التي استخدمت تاريخيًا لتبرير الوجود الإسرائيلي، حيث جرى الترويج لصورة "الرواد" الذين جاءوا لإحياء أرض قاحلة، هذه السردية تستدعي، في المخيلة الغربية، تجربة الاستيطان الأوروبي في العالم الجديد، بما تحمله من رمزية "تمدينية"، وقد أشار مؤرخون ونقاد، من بينهم إيلان بابيه، إلى أن المشروع الصهيوني لم يكن مجرد حركة قومية، بل كان متشابكًا مع السياق الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر، كما قدم إدوارد سعيد، في نقده للاستشراق، تفسيرًا أعمق لهذه الظاهرة، من خلال إبراز كيف صاغ الغرب صورة ذاته بوصفه مركز العقلانية، مقابل "شرق" يُصوَّر كفضاء للفوضى.
وضمن هذا الإطار، تُقدَّم إسرائيل باعتبارها "الجزيرة العقلانية" وسط محيط مضطرب، وهو تصور يعزز اندماجها في السردية الغربية.
استعارة "الفيلا في الغابة": تلخيص مكثف للرؤية الجيوسياسية
من أبرز التعبيرات التي تكثف هذه الرؤية، استعارة "الفيلا في الغابة" التي صاغها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، هذه الصورة ليست مجرد توصيف بلاغي، بل تعكس تصورًا عميقًا للعالم: فضاء متحضر محاط ببيئة معادية وفوضوية، وقد وجدت هذه الاستعارة صدى واسعًا في الخطاب الغربي، لأنها تتماهى مع تصور تاريخي أوسع يرى الغرب ذاته مركزًا للحداثة، في مواجهة عالم "أقل تحضرًا"، وبهذا، يتحول الدفاع عن إسرائيل إلى دفاع عن "النظام" في مواجهة "الفوضى".
صناعة الصورة: دور الإعلام و"الهسبارا"
لم يكن ترسيخ هذه الصورة نتيجة تفاعل تلقائي، بل جاء عبر جهود منظمة، تقف في مقدمتها منظومة "الهسبارا" الإعلامية؛ هذه الآلة تعمل على إنتاج وترويج سردية إسرائيل ككيان متحضر مهدد، مستفيدة من موارد مالية ومؤسساتية ضخمة، وبذلك، يبدو الدعم الغربي أحيانًا وكأنه تعبير عفوي عن التعاطف، بينما هو في الواقع نتاج عملية منهجية لإدارة الوعي العام.
البعد العسكري: إسرائيل كـ "إسبرطة" حديثة
إلى جانب البعد الثقافي، تلعب الوظيفة العسكرية دورًا حاسمًا في هذه العلاقة، فقد أشار نعوم تشومسكي إلى أن إسرائيل تُنظر إليها كقوة عسكرية متقدمة، أشبه بـ "إسبرطة" حديثة، تؤدي دورًا وظيفيًا في حماية المصالح الغربية، وفي الوقت ذاته، يتم تسويقها كديمقراطية على الطراز الغربي، ما يخلق صورة مزدوجة تجمع بين القوة الصلبة والشرعية القيمية.
احتكار "الضحية": توظيف الذاكرة التاريخية
أحد الأعمدة الأساسية لهذه المنظومة هو احتكار موقع "الضحية"، فقد جرى توظيف مأساة "الهولوكوست" لإنتاج سردية عابرة للزمن، تربط بين اليهود كضحايا تاريخيين، وإسرائيل كدولة، هذا الربط منح إسرائيل رصيدًا أخلاقيًا هائلًا، وأتاح لها تحصين سياساتها من النقد، حيث يُواجَه أي اعتراض باتهامات معاداة السامية، في المقابل، جرى تهميش المأساة الفلسطينية وإقصاؤها من دائرة الاعتراف.
هندسة الخطاب الإعلامي: إعادة تعريف الضحية والجلاد
يتجلى هذا الانحياز في اللغة الإعلامية الغربية، التي تعيد صياغة الواقع عبر مفردات دقيقة، فإسرائيل تُقدَّم باستمرار ككيان مهدد، رغم تفوقها العسكري الساحق، بينما يُختزل الفلسطينيون في أرقام أو توصيفات مجردة، وقد أظهرت دراسات تحليلية وجود تفاوت صارخ في استخدام المصطلحات، حيث تُستخدم أوصاف مثل "مجزرة" و"ذبح" بشكل أكبر بكثير عند الحديث عن ضحايا إسرائيليين مقارنة بالفلسطينيين.
الأكاديميا الغربية: من الحياد إلى إنتاج السردية
لا يقتصر هذا الانحياز على الإعلام، بل يمتد إلى المؤسسة الأكاديمية، التي تلعب دورًا مركزيًا في إنتاج المعرفة، فقد أظهرت دراسات أن العديد من الأبحاث تقدم العنف الإسرائيلي بوصفه "دفاعًا مشروعًا"، بينما تُهمَّش الرواية الفلسطينية، كما تعكس بيانات الجامعات الغربية، في كثير من الأحيان، هذا التحيز، من خلال لغة بيروقراطية تفرغ الأحداث من سياقها السياسي، وتعيد تأطير الاحتجاجات باعتبارها تهديدًا للنظام.
الخطاب السياسي: إسرائيل كجزء من الهوية الغربية
في مراكز صنع القرار، يتخذ هذا التوجه طابعًا أكثر صراحة، إذ يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها تجسيدًا للقيم الغربية، وليس مجرد شريك سياسي، وقد عبر قادة غربيون عن ذلك بوضوح، من خلال تصريحات تربط وجود إسرائيل بالمشروع الحضاري الغربي، يحول هذا الخطاب العلاقة من مستوى السياسة الخارجية إلى مستوى الهوية، حيث يصبح الدفاع عن إسرائيل دفاعًا عن الذات.
القانون الدولي: نظام صُمم للاستثناء
ويبدو عجز القانون الدولي عن محاسبة إسرائيل أقل غرابة، فالمشكلة لا تكمن في "ازدواجية المعايير" بقدر ما تعكس طبيعة النظام الدولي نفسه، الذي صُمم أساسًا لحماية مصالح القوى المهيمنة، ويبرز استخدام الولايات المتحدة المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن مثالًا واضحًا على هذا التوجه، حيث تُستخدم أدوات النظام الدولي لحماية إسرائيل من المساءلة.
إرث الاستعمار: استنساخ العنف البنيوي
إذا كانت إسرائيل امتدادًا للغرب، فإنها تعكس جانبًا محددًا من تاريخه: الجانب المرتبط بالاستعمار والعنف المنظم، فما تمارسه من سياسات إحلالية يعيد إنتاج أنماط تاريخية شهدها العالم خلال التوسع الاستعماري الأوروبي.
نحو إعادة تعريف العلاقة
العلاقة بين الغرب وإسرائيل لا يمكن اختزالها في إطار التحالف التقليدي، بل هي علاقة مركبة تتداخل فيها الهوية بالمصلحة، والثقافة بالقوة، وعليه، فإن فهم هذه البنية يفرض إعادة النظر في الكثير من الافتراضات السائدة، والانتقال من تصور إسرائيل كحليف، إلى إدراكها كجزء من منظومة أوسع تشكل امتدادًا للمركز الغربي.

