نتيجة العدوان الإسرائيلي: مليون لبناني يواجهون الجوع و80% من الأراضي الزراعية دمرت
ملخص :
يتعرض القطاع الزراعي في لبنان لواحدة من أشد الأزمات في تاريخه الحديث، نتيجة التداعيات الواسعة للحرب الإسرائيلية التي انعكست بشكل مباشر على البنية الإنتاجية في البلاد، وأدت إلى شلل شبه كامل في أجزاء واسعة من الريف اللبناني، خصوصاً في الجنوب.
وبحسب معطيات ميدانية واقتصادية، فإن الحرب أوقفت نحو 80% من المزارعين عن العمل أو دفعتهم إلى النزوح، كما تسببت في تدمير مساحات زراعية شاسعة، ما يضع الأمن الغذائي اللبناني أمام تحديات خطيرة تهدد أكثر من مليون شخص بانعدام الاستقرار الغذائي.
خسائر اقتصادية متصاعدة: أرقام تنذر بالانهيار
تشير التقديرات إلى أن قطاع الزراعة في لبنان تكبد خسائر تقارب 800 مليون دولار حتى نهاية عام 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 1.5 مليار دولار في المرحلة الحالية، في ظل استمرار التداعيات الميدانية وعدم وجود حلول عملية للتعافي، وتأتي هذه الخسائر في سياق أزمة اقتصادية أوسع يعيشها لبنان منذ سنوات، لكنها تفاقمت بشكل كبير بفعل الحرب، ما جعل القطاعات الإنتاجية الأساسية، وفي مقدمتها الزراعة، أكثر هشاشة وعرضة للانكماش.
في حين تشير تقديرات المعهد الدولي للتنمية إلى أن الاقتصاد اللبناني قد ينكمش بنحو 14%، في حين يُتوقع أن يتراجع قطاع الزراعة وحده بنسبة تقارب 18%، وهو ما يعكس حجم التأثير المباشر للصراع على البنية الاقتصادية للبلاد.
الزراعة في الجنوب: عمود اقتصادي يتآكل
يمثل القطاع الزراعي أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد اللبناني، لا سيما في الجنوب الذي كان يسهم بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوظف قرابة 8% من القوة العاملة في البلاد قبل الحرب، غير أن هذا الدور الحيوي تراجع بشكل ملحوظ، إذ أن مساهمة الزراعة في الناتج المحلي كانت تصل إلى نحو 10% قبل التصعيد، قبل أن تنخفض إلى حوالي 5% في الوقت الراهن، نتيجة الدمار الواسع الذي طال الأراضي الزراعية والبنية الإنتاجية.
ويعتمد الجنوب اللبناني بشكل أساسي على محاصيل استراتيجية مثل الموز والحمضيات والتبغ والزيتون، وهي محاصيل تشكل جزءاً مما يُعرف بالاقتصاد الريفي، الذي كان يوفر مصدر دخل رئيسي لآلاف العائلات.
دمار واسع للأراضي الزراعية وتلوث التربة
تشير البيانات إلى أن الغارات والقصف، بما في ذلك استخدام قنابل الفسفور، أدت إلى تدمير نحو 54 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، أي ما يزيد على 22% من إجمالي الأراضي الزراعية في لبنان، مع بقاء نحو 200 ألف هكتار فقط صالحة للزراعة، ولم يقتصر هذا التدمير على البنية السطحية للأراضي، بل امتد إلى تلوث التربة، ما يهدد استدامة الإنتاج الزراعي على المدى الطويل، ويجعل عملية إعادة التأهيل أكثر تعقيداً وكلفة.
نزوح المزارعين وتفكك الاقتصاد الريفي
أدت الحرب إلى توقف أو نزوح نحو 80% من المزارعين عن أراضيهم، ما تسبب في انهيار شبه كامل للأنشطة الزراعية في العديد من المناطق الريفية، خصوصاً في الجنوب، ويؤكد خبراء اقتصاديون أن هذا النزوح لا يمثل فقط خسارة في اليد العاملة، بل يعكس تفككاً للبنية الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تقوم عليها المجتمعات الريفية اللبنانية، كما أدى ذلك إلى ضغط متزايد على الأمن الغذائي، في ظل تحذيرات من منظمات دولية تشير إلى أن أكثر من 1.2 مليون لبناني يعانون من نقص غذائي ويواجهون خطر الجوع.
قطاع التبغ: خسائر مركبة وتأثيرات ممتدة
يُعد قطاع التبغ أحد أبرز مكونات الاقتصاد الزراعي في الجنوب، وقد تعرض لخسائر كبيرة نتيجة الحرب، سواء على مستوى الإنتاج أو العمالة أو التربة، وبحسب التقديرات، فقد خرج نحو 6 آلاف عامل من قطاع زراعة التبغ عن الخدمة، رغم أن هذا القطاع كان يحقق عوائد مهمة للدولة بلغت نحو 406 ملايين دولار خلال سبتمبر/أيلول 2024.
وتشير الأرقام إلى أن الخسائر المتراكمة في قطاع التبغ تصل إلى نحو 300 مليون دولار، إلى جانب خسائر إنتاجية تتراوح بين 90 و120 مليون دولار منذ عام 2024، فضلاً عن أضرار بيئية في التربة تُقدّر بين 30 و50 مليون دولار، وخسائر مباشرة طالت المزارعين تتراوح بين 60 و90 مليون دولار.
الأمن الغذائي على المحك
يحذر خبراء الاقتصاد من أن لبنان يواجه أزمة غذاء متفاقمة، في ظل الاعتماد المتزايد على الاستيراد كبديل عن الإنتاج المحلي، وهو ما يفرض أعباء مالية إضافية على خزينة الدولة المنهكة أصلاً، خاصة أن نحو مليون لبناني يعيشون تحت خط الفقر، من بينهم حوالي 250 ألفاً في فقر مدقع، ما يجعل أي تراجع إضافي في الإنتاج الزراعي عاملاً مضاعفاً للأزمة الاجتماعية والاقتصادية.
إعادة الإعمار الزراعي: تحديات ما بعد الحرب
سيكون القطاع الزراعي في صلب عملية إعادة الإعمار في لبنان، غير أن حجم الأضرار، خصوصاً على مستوى التربة الملوثة بالفسفور الأبيض، قد يتطلب سنوات طويلة للتعافي وإعادة الإنتاج إلى مستوياته السابقة.
كما يحذر خبراء من أن التقديرات الحالية للخسائر قد تكون أقل من الواقع الفعلي، نظراً لصعوبة قياس الأضرار البيئية طويلة الأمد، وتداعياتها على خصوبة الأراضي واستدامة الزراعة.
أزمة ممتدة بلا حلول سريعة
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو القطاع الزراعي اللبناني أمام أزمة بنيوية عميقة تتجاوز حدود الخسائر المباشرة، لتطال مستقبل الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في البلاد، ومع استمرار غياب الحلول السياسية والاقتصادية الشاملة، يبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التدهور، في حال لم يتم وقف التدهور الميداني ووضع خطة إنقاذ عاجلة تعيد للقطاع الزراعي دوره الحيوي في الاقتصاد الوطني.

