بابك زنجاني: مهندس اقتصاد الظل وصندوق أدوات طهران لكسر العقوبات
علا القارصلي
ملخص :
بابك زنجاني وإمبراطورية الظل المالية
نشأ بابك زنجاني في أحياء جنوب طهران المتواضعة لم تكن مجرد بداية اجتماعية فقيرة، بل كانت المختبر الأول لتشكيل عقلية تجارية براغماتية قادرة على المناورة في اقتصاد الأزمات، حيث إن والده الذي عمل موظفًا في السكك الحديدية زرع فيه طموحًا لتجاوز الإرث الطبقي عبر مسارات مالية غير تقليدية، وهذا يعني استراتيجيًا أن النظام الإيراني يحرص على انتقاء "جنوده الاقتصاديين" من بيئات تفتقر إلى الأمان المالي، مما يضمن ولاءهم المطلق للمنظومة التي تمنحهم فرصة الصعود الصاروخي، ويحولهم إلى أدوات مرنة في تنفيذ العمليات المالية المعقدة التي تتطلب جرأة استثنائية بعيدًا عن البيروقراطية الرسمية المتصلبة.
عمد زنجاني إلى صياغة "أسطورة ذاتية" حول بداياته في بيع جلود الأغنام والمجوهرات، وهي رواية تهدف استراتيجيًا إلى تبرير تراكم رأس المال الأولي بعيدًا عن أي ارتباطات أمنية مبكرة، إلا أن التدقيق في هذه المسيرة يكشف عن نمط كلاسيكي لبناء الواجهات التجارية، حيث إن مهارته في فهم آليات السوق الموازي والقدرة على التعامل مع السيولة النقدية الضخمة في المناطق الشعبية، وفرت له المادة الخام لإنشاء شبكات الالتفاف على العقوبات الدولية لاحقًا، مما يوضح أن صعود هؤلاء الوسطاء ليس نتاج صدفة تجارية، بل هو عملية هندسة متعمدة لإنتاج وكلاء ماليين يعملون في مناطق الظل التي لا تستطيع المؤسسات السيادية دخولها بشكل مباشر.
نقطة التحول
التحول المفصلي في مسيرة زنجاني بدأ خلال فترة خدمته العسكرية، حيث يزعم أنه عمل سائقًا لمحسن نوربخش، محافظ البنك المركزي في ذلك الوقت، وهي فرصة مكنته من مراقبة كواليس السياسة النقدية والمضاربة بالعملات من المسافة صفر، مما سمح له بتحقيق أرباح يومية خيالية وصلت إلى 17 ألف دولار عبر استغلال الفجوات السعرية بين الصرف الرسمي والموازي، ورغم أن مسؤولين سابقين في البنك المركزي، مثل يزدان بناه، ومحمد رضا شجاع الديني، نفوا قطعًا وجود أي سجل له كسائق رسمي، إلا أن الأهمية الاستراتيجية تكمن في قدرة زنجاني على اختراق النخب المالية وتأسيس شبكة علاقات مكنته من فهم مواطن الضعف في النظام البنكي الإيراني واستغلالها ماليًا لصالح عمليات التمويل العابر للحدود.
التناقض الصارخ بين رواية زنجاني الشخصية وتكذيب مسؤولي البنك المركزي يشير بوضوح إلى وجود "غطاء أمني" وفر له الحماية في بداياته، حيث إن الفجوات المعلوماتية في سيرته الذاتية كانت مقصودة لخلق مساحة من الإنكار المعقول حول كيفية حصوله على أولى صفقات النفط الضخمة، وهذا الصعود الممنهج يعكس تحول مهارات الفرد من مجرد مضارب في السوق السوداء إلى لاعب استراتيجي في ملف النفط الإيراني، مما مهد الطريق أمام زنجاني ليصبح العمود الفقري لإمبراطورية الظل المالية التي سخرت لخدمة الأهداف السيادية للدولة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة.
الصعود في إمبراطورية النفط
العقوبات الدولية الصارمة التي فُرضت خلال عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد مثلت بيئة مثالية لظهور وسطاء مثل زنجاني، حيث تحولت هذه القيود من عائق اقتصادي إلى فرصة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني نحو قنوات التمويل الموازي، وقد نجح زنجاني في استغلال حاجة الدولة الماسة لتصريف النفط وبناء نظام مالي مستقل عن شبكة "سويفت" العالمية، مما جعل منه مهندسًا للالتفاف على الرقابة الدولية ومنقذًا للتدفقات النقدية السيادية، وهو ما يعكس استراتيجية النظام في "خصخصة" المخاطر المالية عبر وكلاء مستقلين ظاهريًا لكنهم مرتبطون عضويًا بمركز القرار.
أسس زنجاني مجموعة "سورينت" التي تحولت سريعًا إلى إمبراطورية عابرة للحدود تضم نحو 60 شركة، تتوزع أنشطتها بين الطيران والمصارف ومستحضرات التجميل، حيث استخدمت هذه الشركات كواجهات قانونية في ماليزيا وطاجيكستان وتركيا لتسهيل بيع النفط عبر جزيرة لابوان الماليزية التي تعد ملاذًا ضريبيًا، ومن ثم تدوير الأموال وغسلها في النظام المصرفي الإيراني، وهذا يعني أن زنجاني لم يكن مجرد تاجر، بل كان مديرًا لشبكة لوجستية معقدة تعتمد على "تفتيت المعاملات" لجعل تتبعها من قبل أجهزة الاستخبارات المالية الغربية أمرًا في غاية الصعوبة، مما وفر للنظام الإيراني مرونة عالية في إدارة أصوله الخارجية بعيدًا عن أعين المراقبين.
حسب تحليل "وول ستريت جورنال"، فإن الأهمية الاستراتيجية لشركات مثل "طيران قشم" و"سورينت" تجاوزت النشاط التجاري التقليدي لتصبح أدوات لضخ المليارات في الشرايين المالية للدولة، حيث كانت عمليات نقل النفط تتم عبر تكتيكات تمويهية تشمل تغيير أعلام الناقلات ونقل الشحنات بين سفن مختلفة في عرض البحر، مما خلق "اقتصاد ظل" متطورًا للغاية يعتمد على تجزئة المسؤوليات والتحويلات، وهذا يفسر كيف استطاع زنجاني تحويل السبائك الذهبية المهربة عبر تركيا إلى سيولة نقدية فورية يحتاجها الاقتصاد المحلي، مما جعله في مرحلة ما الشخصية الأكثر تأثيرًا في إدارة الثروة النفطية الإيرانية قبل أن يقع ضحية لتغير التوازنات السياسية الداخلية.
من الزنزانة إلى الحرية
التحول الجذري في موقف القضاء الإيراني تجاه زنجاني، من الحكم عليه بالإعدام بتهمة "الإفساد في الأرض" عام 2016 إلى إطلاق سراحه في أبريل 2025، يمثل انعكاسًا لتبدل الأولويات الاستراتيجية تحت مظلة حكومة بزشكيان، حيث يبدو أن النظام استنتج أن خبرة زنجاني في "كسر الحصار" الاقتصادي لا يمكن تعويضها ببديل بيروقراطي، مما أدى إلى إعادة تصنيفه من مجرد مختلس للأموال إلى "منقذ اقتصادي" يمتلك مفاتيح الشبكات المالية الدولية، وهذا يعني أن القيمة الوظيفية لزنجاني في مواجهة العقوبات الجديدة تفوقت على ضرورة المحاسبة القانونية، مما يعزز فكرة أن العدالة في ملفات الفساد الكبرى تخضع لاعتبارات الأمن القومي العليا.
زنجاني الذي أدين باختلاس 2.7 مليار دولار تحول بعد خروجه إلى "دائن" للحكومة في بعض الملفات، مما يكشف عن عمق التداخل بين ثروته الخاصة وميزانية الدولة، وهذا التحول الدراماتيكي يشير إلى أن فترة سجنه لم تكن سوى "تجميد مؤقت" لنشاطه بانتظار اللحظة السياسية المناسبة لإعادة تفعيله، حيث إن النظام الإيراني يفضل الاعتماد على وكلاء مجربين لديهم القدرة على إدارة العمليات المالية تحت الضغط، مما يعني أن مرحلة ما بعد السجن ستشهد ظهور زنجاني كقائد لمنظومة مالية تكنولوجية تعتمد على التشفير والعملات الرقمية لتجاوز الرقابة المصرفية العالمية.
إمبراطورية العملات المشفرة الرقمية
حسب تحليل وثائق خارون(Kharon) ، وهي شركة عالمية رائدة في مجال تحليل المخاطر والامتثال، ووزارة الخزانة الأمريكية، فإن طهران نقلت ثقل عمليات الالتفاف على العقوبات من القنوات المصرفية التقليدية إلى فضاء العملات المشفرة، وهو تحول استراتيجي يعد حاسمًا لبقاء النظام المالي الإيراني في مواجهة تقنيات الرقابة الغربية الحديثة، وقد وجد زنجاني في هذا الفضاء ضالته لاستعادة نفوذه عبر بناء إمبراطورية رقمية عابرة للحدود تفتقر للحدود الجغرافية والقيود القانونية التقليدية، مما يمنحه القدرة على إجراء معاملات بمليارات الدولارات دون ترك أثر مادي واضح يمكن تتبعه من قبل الهيئات الدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال.
وحسب ما ورد في تقارير الخزانة الأمريكية، فإن منصات مثل "Zedxion" و"Zedcex" و"BitBank" المرتبطة بزنجاني عالجت معاملات بمليارات الدولارات، حيث تشير الادعاءات إلى معالجة ما قيمته 94 مليار دولار منذ عام 2022، وهذا الرقم المذهل يعكس نجاح زنجاني في خلق نظام مالي موازٍ يعمل كقناة خلفية لتحويل أموال الدولة وتجاوز القيود على الحسابات السيادية، ومن الناحية التحليلية، فإن وضع منصة "BitBank" تحت "الصيانة" وطلب الامتناع عن التداول كما ورد في موقعها الرسمي لا يمثل خللًا تقنيًا، بل هو تكتيك "إعادة تموضع" أو توقف تكتيكي لإعادة بناء الهوية الرقمية والهروب من الملاحقة بعد العقوبات الأخيرة، مما يؤكد المرونة العالية في إدارة هذه الأصول الرقمية.
استثمارات زنجاني في مجموعة "DotOne" المعروفة بـ "آوان" تهدف إلى الربط العضوي بين السيولة الرقمية والمشاريع الاستراتيجية على الأرض، مثل صفقة توريد 2000 عربة قطار بقيمة 750 مليون دولار، واستيراد أساطيل من السيارات الكهربائية "تويوتا" عبر دبي، وهذا التكامل يعني استراتيجيًا أن زنجاني يستخدم العملات المشفرة ليس فقط للتحويل، بل كأداة لتمويل البنية التحتية وتجاوز الحصار المالي على الاستيراد، مما يخلق دورة اقتصادية مغلقة ومستقلة تمامًا عن النظام المالي العالمي، وهو ما يمثل ذروة الابتكار الإيراني في مواجهة الضغوط الغربية ومحاولات عزل الاقتصاد المحلي.
الارتباط بين نشاط زنجاني الرقمي والأهداف العسكرية يظهر من خلال رصد تحويلات بملايين الدولارات لتمويل وكلاء إقليميين، بما في ذلك مبالغ مرتبطة بتمويل الحوثيين في اليمن، وهذا يؤكد أن إمبراطورية زنجاني الرقمية هي في جوهرها ذراع تمويلية لوجستية تعمل بتنسيق وثيق مع الحرس الثوري، حيث توفر هذه المنصات غطاءً مثاليًا لتدفقات الدعم المالي العسكري بعيدًا عن القنوات المشروعة، مما يحول التكنولوجيا الرقمية من أداة تجارية إلى سلاح استراتيجي في الحروب الهجينة التي تخوضها إيران في المنطقة.
التحالف الاستراتيجي مع الحرس
حسب شهادة إيمانويل أوتولينغي أمام الكونغرس الأمريكي، فإن العلاقة النفعية بين الحرس الثوري الإيراني والوسطاء الماليين مثل زنجاني تمثل الركيزة الأساسية للقدرة الإيرانية على الصمود، حيث يعمل هؤلاء كأذرع لوجستية توفر المرونة والإنكار القاطع للعمليات العسكرية والمالية الحساسة، وهذا التحالف يسمح للحرس الثوري بالحفاظ على تدفقات التمويل لوكلائه الإقليميين بعيدًا عن الرصد المباشر، حيث يتم استغلال خبرات زنجاني في "التحكيم القضائي" عبر نقل النشاطات المالية بين ولايات قضائية متعددة ومصنفة كملاذات آمنة لضمان استمرارية الدعم المالي للميليشيات الموالية لطهران في اليمن وسوريا ولبنان.
ارتبط زنجاني بعلاقات وثيقة مع رستم قاسمي وشركة "خاتم الأنبياء"، حيث سهلت شبكاته صفقات نفطية كبرى لتمويل النشاطات الخارجية للحرس الثوري، ولم يقتصر دوره على التمويل فقط، بل شمل استخدام شركات الطيران والواجهات التجارية لنقل المعدات والكوادر، مما يجعله شريكًا استراتيجيًا في هندسة النفوذ الإقليمي الإيراني، وهذا يعني أن قوة زنجاني لا تنبع من ثروته فحسب، بل من تكامله مع الجهاز الأمني والعسكري للدولة، مما يوفر له حصانة ضد التقلبات السياسية الداخلية ما دام يؤدي دوره الوظيفي في دعم الأهداف الاستراتيجية العليا للنظام.
حسب ما ورد في الوثائق المسربة، فإن قدرة زنجاني على الالتفاف على الرقابة تعتمد بشكل كبير على تجنيد مغتربين إيرانيين يحملون جنسيات غربية لإدارة شركات وهمية في أوروبا، وهو ما يمثل تحديًا أمنيًا كبيرًا للمجتمع الدولي، حيث تتحول هذه الشركات المسجلة قانونًا إلى محطات ترانزيت للأموال والتقنيات الحساسة المرتبطة بالبرامج العسكرية، وهذا الارتباط الوثيق بين النشاط التجاري العادي والأهداف الجيوسياسية الكبرى للنظام الإيراني يثبت أن شبكات زنجاني هي جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي، مما يجعل ملاحقتها تتطلب تعاونًا دوليًا يتجاوز حدود العقوبات المالية التقليدية ليشمل الرقابة على برامج الجنسية عبر الاستثمار.
تداعيات العقوبات الدولية الجديدة
فاعلية "آلية الزناد" والعقوبات الغربية الأخيرة تواجه اختبارًا معقدًا أمام مبتكرين ماليين مثل زنجاني يمتلكون موهبة تكنولوجية عالية في توظيف التشفير، حيث تحول الصراع من مطاردة ناقلات النفط في البحار إلى ملاحقة المعاملات الرقمية في الفضاء السيبراني، وهذا التنافس بين الرقابة المالية والابتكار في التمويل الموازي يشير إلى أن العقوبات التقليدية فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الردع، خاصة مع وجود حماية استخباراتية محترفة توفر لزنجاني ومنصاته مساحة واسعة للمناورة والهروب من الرصد الدولي المستمر.
حسب ما ورد في بيانات وزارة الخزانة الأمريكية والخارجية البريطانية عام 2026، فإن إعادة إدراج زنجاني ومنصاته الرقمية على قوائم العقوبات تعكس إدراكًا دوليًا بمخاطر عودته كلاعب محوري، حيث تم استهداف منصات "Zedxion" و"Zedcex" لتعطيل قنوات تمويل الحرس الثوري، ومع ذلك فإن استمرار عمل هذه المنصات ومعالجتها لمعاملات بمليارات الدولارات يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة النظام المالي العالمي على حماية نفسه من الاختراقات الرقمية التي يقودها "مهندسو تجاوز العقوبات"، مما يعزز الحاجة لاستراتيجيات جديدة تعتمد على تتبع سلاسل الكتل (Blockchain) بشكل أكثر صرامة وتنسيقًا دوليًا أوسع.
يمثل بابك زنجاني نموذجًا متطورًا لـ "الجندي الاقتصادي" الذي دمج الخبرة التجارية التقليدية بالابتكار الرقمي والتحالفات الأمنية العميقة، وهو ما يجعله يشكل خطرًا مستمرًا على استقرار النظام المالي العالمي، حيث إن نجاحه في إدارة إمبراطورية الظل المالية لا يوفر الدعم الاقتصادي لإيران فحسب، بل يمنحها القدرة على تمويل نزاعاتها الإقليمية بعيدًا عن القنوات المشروعة، مما يتطلب استجابة دولية منسقة تتجاوز مجرد فرض العقوبات الورقية التقليدية لمواجهة شبكات التمويل الهجين التي يقودها زنجاني بحرفية عالية.

