انتخابات بريطانيا.. هل يرحل ستارمر؟
ملخص :
تتجه أنظار بريطانيا، في السابع من مايو/أيار، إلى صناديق الاقتراع في إسكتلندا وويلز وإنجلترا، حيث تُجرى انتخابات محلية وإقليمية واسعة يُتوقع أن تتجاوز في دلالاتها حدود المنافسة التقليدية، لتشكل لحظة اختبار حقيقية لمستقبل النظام الحزبي البريطاني، وإعادة رسم خريطته السياسية.
وتأتي هذه الانتخابات في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع نفوذ الحزبين التقليديين، العمال والمحافظين، مقابل صعود قوى سياسية بديلة باتت تفرض حضورها تدريجيا في المشهد العام، مستفيدة من حالة الاستياء الشعبي وتآكل الثقة بالمؤسسات السياسية القائمة.
اختبار قاسٍ لحكومة ستارمر
تشكل هذه الانتخابات محطة مفصلية لرئيس الوزراء كير ستارمر، الذي يواجه تراجعاً ملحوظاً في شعبيته، وفق استطلاعات رأي متلاحقة تعكس اتساع فجوة عدم الرضا عن أدائه الحكومي، وتحذر تقارير صحفية بريطانية، من بينها "آي بيبر" و"فايننشال تايمز"، من أن النتائج قد تتحول إلى ضربة سياسية قاسية لحزب العمال، وربما إلى لحظة مفصلية تهدد استمراره في السلطة بالشكل الحالي، في حال جاءت النتائج أسوأ من المتوقع.
وتصف بعض التقديرات داخل الحزب هذه الانتخابات بأنها قد تُحدث "هزة داخلية" تعيد فتح ملف القيادة، وتضع مستقبل ستارمر على طاولة النقاش الجاد، خصوصاً إذا خسر الحزب مواقع استراتيجية في إسكتلندا وويلز والمجالس المحلية في إنجلترا.
ضغوط مزدوجة: الداخل والخارج
يرى محللون أن الضغوط التي تواجه ستارمر لا تقتصر على الداخل البريطاني، بل تمتد إلى السياسة الخارجية، حيث يجد رئيس الوزراء نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين إعادة تموضع بريطانيا في أوروبا، وإعادة تعريف علاقتها بالولايات المتحدة، ويشير أناند مينون، مدير مركز المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة، إلى أن ستارمر يواجه تحديات متشابكة، تتوزع بين ضغوط سياسية داخلية متصاعدة، وتحديات دبلوماسية خارجية لا تقل تعقيداً.
إعادة ضبط العلاقة مع أوروبا: طموح يصطدم بالواقع
ضمن محاولاته لإعادة صياغة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، يسعى ستارمر إلى فتح صفحة جديدة مع بروكسل، تقوم على إعادة بناء الروابط الاقتصادية وتعزيز التعاون بعد سنوات من التوتر عقب "بريكست"، وقد أكد ستارمر، خلال مشاركته في قمة المجموعة السياسية الأوروبية في أرمينيا، أن تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي يمثل أولوية استراتيجية لحكومته.
غير أن هذا الطموح، بحسب تحليل مينون، يصطدم بعقبات أوروبية واضحة، إذ يشترط الاتحاد الأوروبي مساهمات مالية قد تصل إلى نحو مليار جنيه إسترليني سنوياً، مقابل أي انفتاح اقتصادي جديد، إلى جانب رفضه ما يعتبره انتقائية بريطانية في الاستفادة من السوق الأوروبية دون الالتزام الكامل بقواعدها.
ملفات شائكة على طاولة التفاوض
تشمل المفاوضات الجارية بين لندن وبروكسل ملفات حساسة ومعقدة، من أبرزها:
- الزراعة والسياسات الغذائية
- نظام تداول الانبعاثات
- سوق الكهرباء والطاقة
- برنامج "تجربة الشباب"
ويعد هذا البرنامج الأخير من أكثر الملفات إثارة للخلاف، إذ يطالب الاتحاد الأوروبي بتسهيلات أوسع للطلاب والمواطنين الأوروبيين، بما في ذلك إمكانية الدراسة في الجامعات البريطانية برسوم محلية مماثلة للمواطنين البريطانيين.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا التوجه قد يكلف الجامعات البريطانية نحو 580 مليون جنيه إسترليني سنوياً، ما يزيد من حساسية الملف داخلياً ويضع الحكومة أمام معادلات مالية دقيقة.
خطوط حمراء بريطانية ومأزق التوازن
في المقابل، تتمسك الحكومة البريطانية بما تسميه الخطوط الحمراء، وعلى رأسها عدم العودة إلى السوق الموحدة، ورفض إعادة العمل بحرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي، ويعكس هذا التباين في المواقف حالة جمود نسبي في مسار إعادة الضبط الذي يروّج له ستارمر، وسط تحذيرات من أن هذا المسار قد يفقد زخمه إذا لم تُترجم المفاوضات إلى نتائج ملموسة، كما يشير مراقبون إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يمنح الملف البريطاني أولوية قصوى في ظل انشغاله بأزمات أخرى، ما يضعف قدرة لندن على تحقيق اختراق سريع.
تبعات "بريكست" والضغط الاقتصادي
تتزايد الضغوط الاقتصادية على الحكومة البريطانية، في ظل تقديرات رسمية تشير إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" كلف الاقتصاد نحو 8% من حجمه المحتمل، ويضع هذا الواقع ستارمر أمام خيارات صعبة: إما تقديم تنازلات مالية وتنظيمية لإعادة التقارب مع أوروبا، أو الاستمرار في نهج حذر قد يبطئ أي مكاسب اقتصادية محتملة.
وفي الوقت ذاته، لم تعد العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة بنفس القوة السابقة، خصوصاً في ظل مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يزيد من تعقيد موقع بريطانيا بين شريكين دوليين رئيسيين.
الداخل السياسي: انتخابات بوصفها استفتاء على القيادة
على الصعيد الداخلي، ترى "فايننشال تايمز" أن الانتخابات المقبلة قد تتحول إلى استفتاء غير مباشر على قيادة كير ستارمر، في حين تصفها "آي بيبر" بأنها قد تكون بمثابة "حمام دم سياسي" في حال جاءت النتائج كارثية لحزب العمال، وتشير التوقعات إلى احتمال خسائر كبيرة للحزب في إسكتلندا، وتراجع في ويلز، إضافة إلى تراجع في المجالس المحلية في إنجلترا، ما قد يفتح الباب أمام أزمة قيادة داخل الحزب.
نقاش داخلي حول الخلافة
لم يعد النقاش داخل حزب العمال يدور حول احتمال تغيير القيادة، بل حول توقيت هذا التغيير، إذ باتت تساؤلات متى يرحل ستارمر؟ أكثر حضوراً من سؤال هل يرحل؟، ويزيد من تعقيد المشهد غياب بديل توافقي واضح قادر على قيادة الحزب في حال حدوث تغيير مفاجئ.
المرشحون المحتملون.. بدائل غير مكتملة
تتداول الأوساط السياسية عدة أسماء محتملة لخلافة ستارمر، أبرزها:
- ويس ستريتينغ: وزير الصحة، ويُنظر إليه كأحد أبرز المرشحين المحتملين، نظراً لشبكة دعمه داخل الحزب وقدرته على التواصل السياسي، إلا أن انتماءه للجناح اليميني داخل حزب العمال يحد من فرصه في ظل صعود التيار اليساري.
- أنجيلا راينر: نائبة رئيس الوزراء السابقة، إلا أن قضايا تتعلق بالضرائب تضعف موقفها وتحد من قدرتها على المنافسة في المدى القريب.
- آندي بيرنهام: عمدة مانشستر الكبرى، ويُعد من الأصوات الطامحة لقيادة الحزب، لكنه لا يشغل مقعداً في البرلمان، وهو شرط أساسي للترشح للقيادة الحزبية.
سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات
تجمع التحليلات السياسية على أن مستقبل ستارمر لا يتوقف فقط على نتائج الانتخابات، بل يرتبط أيضاً بمدى تماسك الحزب داخلياً، وقدرته على تجنب الانقسام في حال حدوث هزيمة انتخابية واسعة، كما تحذر من أن أي فراغ في القيادة أو صراع داخلي حاد قد ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي، وربما يمتد تأثيره إلى الأسواق المالية وثقة المستثمرين.

