شراكة بين البنتاغون وشركات الذكاء الاصطناعي.. فما التفاصيل؟
ملخص :
كشفت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) عن إبرام اتفاق واسع النطاق مع عدد من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، بهدف توظيف تقنياتها المتقدمة في تطوير القدرات العسكرية والدفاعية، ووفق ما نقلته تقارير إعلامية دولية، فإن هذه الخطوة تمثل تحولا نوعيا في طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية الأمريكية وقطاع التكنولوجيا.
ولا تقتصر أهداف الاتفاق على شراء أدوات جاهزة أو حلول تقنية تقليدية، بل تتجاوز ذلك نحو بناء منظومة ذكاء اصطناعي عسكرية سيادية، تتمتع بقدرات مستقلة ومصممة خصيصا لتلبية احتياجات الجيش الأمريكي، بما يعزز تفوقه العملياتي في ساحات القتال المستقبلية.
دمج الذكاء الاصطناعي في البنية السرية للجيش
تشمل بنود الاتفاق إدماج نماذج الذكاء الاصطناعي داخل الشبكات السرية وفائقة السرية التابعة للبنتاغون، وهي البنية الرقمية التي تربط مختلف الأنظمة والخدمات التقنية العسكرية، ويؤشر هذا التوجه على مستوى الثقة المتزايد في هذه التقنيات، إلى جانب الرغبة في تحويلها إلى عنصر محوري ضمن منظومة القيادة والسيطرة، ويُنتظر أن يسهم هذا الدمج في تعزيز سرعة اتخاذ القرار، وتحسين كفاءة العمليات العسكرية، فضلا عن رفع مستوى التنسيق بين الوحدات المختلفة.
تحالف تقني واسع.. وغياب لافت
تضم الصفقة سبع شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، من بينها مايكروسوفت، وأمازون، وغوغل، وأوبن إيه آي، وإنفيديا، إضافة إلى شركة "سبيس إكس" التابعة لإيلون ماسك، إلى جانب شركة ناشئة تُعرف باسم "ريفليكشن إيه آي".
في المقابل، يبرز غياب شركة "أنثروبيك" عن الاتفاق، في ظل توتر قائم بينها وبين البنتاغون، حيث سبق أن أعربت عن رفضها استخدام تقنياتها في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل أو أنظمة مراقبة واسعة النطاق، وهو موقف يعكس الانقسام داخل قطاع التكنولوجيا بشأن الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي.
"عسكرة الذكاء الاصطناعي"
تشير المعطيات إلى أن الهدف الرئيسي من هذه الشراكة يتمثل في تسريع تحول الجيش الأمريكي إلى قوة قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر، وليس فقط كأداة تحليلية خلف الكواليس، ومن المتوقع أن تُتاح هذه التقنيات للمقاتلين في الميدان، بما يوسع نطاق استخدامها ليشمل التخطيط العملياتي، وإدارة الإمدادات، وتحديد الأهداف، ويؤكد هذا التوجه انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الدعم الفني إلى دور مركزي في صناعة القرار العسكري، بما يعيد تشكيل طبيعة الحروب الحديثة.
منصة عسكرية موحدة: تعددية النماذج بدل الاحتكار
ضمن هذا الإطار، يعمل البنتاغون على تطوير منصة ذكاء اصطناعي عسكرية خاصة تُعرف باسم "GenAI.mil"، سيتم من خلالها تشغيل النماذج المختلفة التي توفرها الشركات المشاركة، وتتيح هذه المنصة للمستخدمين داخل المؤسسة العسكرية اختيار النموذج الأنسب لكل مهمة، في خطوة تهدف إلى كسر الاعتماد على نموذج واحد، وتعزيز المرونة والكفاءة في الاستخدام.
ضوابط قانونية.. ورقابة بشرية
رغم الطابع المتقدم لهذه التقنيات، تؤكد الاتفاقية على استمرار وجود رقابة بشرية على استخدامات الذكاء الاصطناعي، التزاما بالأطر التنظيمية التي وضعتها الإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة، كما شددت الشركات المتعاقدة على أن استخدام تقنياتها سيظل مقيدا بالقوانين المعمول بها، وهو ما يعكس محاولة لاحتواء المخاوف الأخلاقية المرتبطة بهذه التطبيقات.
خصوصية المستخدمين في دائرة التساؤل
بالتوازي مع هذه التطورات، تتصاعد المخاوف بشأن مصير بيانات المستخدمين، خاصة مع انخراط الشركات التي تقدم خدمات رقمية واسعة النطاق في مشاريع عسكرية حساسة، ورغم أن بيئة تشغيل الأنظمة العسكرية ستكون مغلقة ومعزولة عن الإنترنت العام، فإن الإشكالية الأساسية تتعلق بمرحلة تدريب النماذج، التي تعتمد في الأساس على كميات هائلة من البيانات، قد تشمل بيانات جُمعت من المستخدمين في سياقات مدنية.
وبذلك، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بأن البيانات التي تجمعها الشركات لن تُستخدم -بشكل مباشر أو غير مباشر- في تطوير النماذج المخصصة للاستخدام العسكري، حتى مع وجود عمليات تخصيص لاحقة لهذه النماذج.
اقتصاد البيانات.. وقود الذكاء الاصطناعي العسكري
وتشير معطيات إلى قيام الجيش الأمريكي بشراء كميات كبيرة من البيانات التجارية من شركات متخصصة، لاستخدامها في تدريب النماذج الذكية، ويُعد هذا التوجه جزءا من اقتصاد بيانات متنامٍ، يثير جدلا واسعا بين خبراء الأمن الرقمي والمدافعين عن الخصوصية، ويؤكد هذا الواقع أن البيانات أصبحت موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الأسلحة التقليدية، في ظل التحول المتسارع نحو الحروب الرقمية.
بين التفوق العسكري والمخاطر الأخلاقية
في المحصلة، فإن هذه الصفقة تؤكد على اتجاه واضح نحو تعميق الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، بما يعزز القدرات القتالية الأمريكية، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تحديات معقدة تتعلق بالخصوصية، وأخلاقيات الاستخدام، وحدود العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة، ويبقى السؤال الأبرز: هل يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحماية حقوق الأفراد في العصر الرقمي؟

