إعادة هندسة السماء السورية: من مرحلة الاستباحة إلى معادلة ردع تقلب موازين القوة مع إسرائيل
علا القارصلي
ملخص :
يمثل المسار العسكري الذي تنتهجه الجمهورية العربية السورية في المرحلة الراهنة تحولًا استراتيجيًـا عميقًـا، حيث تسعى القيادة الجديدة بقيادة أحمد الشرع إلى تجاوز تركة سنوات الحرب الطويلة واستعادة هيبة الدولة عبر بوابة السيادة الجوية المطلقة، وهو ما يعد ضرورة سيادية وعملياتية ملحة لإعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية التي عانت من التآكل الممنهج بفعل الضربات الخارجية المستمرة.
وتعمل دمشق حاليًا على صياغة عقيدة عسكرية جديدة تهدف إلى الانتقال من مرحلة الانكفاء وتفكك القدرات التقليدية إلى مرحلة التأهيل الشامل لبناء قدرة إنكار الوصول (A2/AD)، وتكتسي عملية استعادة السيطرة على الأجواء أهمية رمزية كبرى تعكس رغبة الحكومة في فرض واقع جيوسياسي جديد ينهي حقبة الاستباحة الخارجية وتحدي ما وصفه بنيامين نتنياهو بتهديد "الخط الأصفر" الذي يمتد من لبنان إلى جنوب سوريا.
وتظهر ملامح هذا التوجه في السرعة التي بدأت بها عمليات ترميم القواعد الجوية والمنشآت الدفاعية المتضررة بشكل يفوق كافة التقديرات الاستخباراتية، حيث يسعى الجيش السوري لدمج بقايا ترسانته التقليدية مع أنظمة دفاعية حديثة قادرة على تأمين العمق الجغرافي وتثبيت ركائز استقرار وطني يمنع أي محاولات للاختراق الخارجي، ويهيئ هذا التحول الأرضية الصلبة لإعادة هيكلة المنظومات الدفاعية وتوزيعها بشكل طبقي معقد يضمن حماية المنشآت الحيوية في دمشق وحلب واللاذقية وصولًا إلى الجبهة الجنوبية الحساسة.
هيكلة المنظومات الدفاعية السورية
يركز الجيش السوري في استراتيجيته الحالية على إعادة تشغيل ودمج مجموعة من المنظومات الجوية الروسية والإيرانية المتطورة التي أثبتت كفاءة تكتيكيًـا، وتأتي منظومة بانتسير (Pantsir-S1M) في مقدمة هذه الوسائط، وهي منظومة صواريخ أرض جو ذاتية الدفع ومتوسطة المدى صممت لتوفير دفاع جوي للمنشآت الإدارية والصناعية، وتعتمد هذه المنظومة على رادارات ذات صفيف مرحلي مطور يعمل بنطاق (L-band) لتحديد الأهداف ورادار متعدد الوظائف للتحكم في إطلاق النار بنظام (EHF) فائق التردد، مما يسمح لها بتتبع 40 هدفًـا والاشتباك مع أربعة منها في آن واحد بمدى يصل إلى 30 كيلومترًا وارتفاع 18 كيلومترًا.
وبالإضافة إلى ذلك، يعول الجيش السوري على منظومة (Buk-M2) التي تمتلك قدرة على اعتراض الأهداف الجوية على ارتفاعات تصل إلى 25 كيلومترًا وبمدى يبلغ 140 كيلومترًا، كما يسعى الجيش لاستعادة فاعلية منظومات "إس 200" و"إس 300" التي توفر حماية بعيدة المدى، مع دمج المنظومات الإيرانية المتطورة مثل "باور 373" التي يصل مداها إلى 250 كيلومترًا ومنظومة "الثالث من خرداد" التي أثبتت فعاليتها تقنيًـا بإسقاط طائرة التجسس الأمريكية (RQ-4 Global Hawk) سابقًـا.
وتهدف دمشق من خلال هذا المزيج التقني إلى بناء شبكة دفاعية متعددة الطبقات تمنع التسلل الجوي وتؤمن القواعد العسكرية، مما يقلص من قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على تنفيذ غارات مفاجئة دون التعرض لمخاطر حقيقية، وهذا التوجه نحو دمج التقنيات الروسية والإيرانية الأحدث يعكس سعي سوريا لامتلاك يد طولى في الأجواء الإقليمية تمهيدًا للحصول على تقنيات أكثر رادعًا.
الطموحات التقنية والتعاون الدولي
تتجاوز طموحات الحكومة السورية الحالية حدود الصيانة والترميم، لتصل إلى سعي حثيث للحصول على تقنيات دفاعية من الجيلين الرابع والخامس لتعزيز ميزان القوى إقليميًـا، وتبرز منظومة "إس 400" الروسية كهدف استراتيجي تسعى دمشق لامتلاكه عبر الوفود العسكرية والسياسية التي تتردد على موسكو لبناء مظلة حماية وطنيًـا، وقد شهدت العاصمة الروسية مباحثات مكثفة بين الفريق أول علي النصّان رئيس أركان القوات المسلحة السورية ونائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف لمناقشة تطوير آليات التنسيق العسكري ومستقبل القواعد الروسية وضمان تدفق السلاح المتطور.
وتعمل القيادة السورية على استثمار التقارب مع أنقرة للحصول على منظومات "حصار" و"سيبر" التركية، وهو ما يمثل تحولًا تقنيًـا وتكتيكيًـا في مصادر التسليح السورية التي كانت تعتمد لزمن طويل على المصادر السوفيتية، وتأتي هذه التحركات في سياق رغبة أحمد الشرع في بناء جيش عصري يمتلك وسائل ردع قادرة على مواجهة الطائرات الشبحية والدرونات الانتحارية التي تهدد السيادة السورية، وتتطلع دمشق إلى توقيع اتفاقيات عسكرية جديدة خلال القمم المرتقبة لضمان تدريب الكوادر الفنية على تشغيل هذه المنظومات المعقدة التي تتطلب مهارات عاليًـا، إن دخول منظومات بعيدة المدى مثل "إس 400" إلى الخدمة في سوريا سيغير حتمًا قواعد الاشتباك ويفرض تحديات جسيمة على القوى الجوية المجاورة، حيث ستصبح الأجواء السورية محرمة تقنيًـا على الاختراقات التقليدية مما يفرض واقعًـا جديدًا يثير قلق الأوساط الأمنية في تل أبيب.
قلق الأوساط الأمنية الإسرائيلية
حسب ما ورد في صحيفة "معاريف"، تسود حالة من القلق العميق داخل المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية تجاه تسارع وتيرة بناء القدرات العسكرية السورية، وتنظر تل أبيب بريبة شديدة إلى إعادة تأهيل سلاح الجو السوري وبناء أنظمة نارية ثقيلة تشمل وحدات المدفعية والمدرعات والصواريخ، وحسب ما ورد في "جيروزاليم بوست"، فإن المصادر العسكرية في سلاح الجو الإسرائيلي ترى أن عودة الدفاعات الجوية السورية للعمل بفاعلية تفوق التوقعات السابقة بكثير وتعد تهديدًا استراتيجيًـا بالغ الخطورة، وهذا التطور يهدد بتقليص التفوق الجوي المطلق وحرية التحليق التي تمتع بها الطيران الإسرائيلي لسنوات طويلة فوق الأجواء السورية واللبنانية.
وتعتبر الأوساط الأمنية في إسرائيل أن نظام الشرع يتبنى أيديولوجية إسلامية متطرفة تشكل تهديدًـا مستقبليًـا مباشرًا، وتخشى إسرائيل من أن يؤدي بناء جيش سوري قوي بدعم تركي إلى خلق جبهة موحدة قادرة على شن هجمات منسقة، مما يضع المستوطنات في الجولان المحتل تحت تهديد دائم، وهذا القلق يترجم حاليًا من خلال تعزيز الرصد الاستخباراتي المكثف لكل تحرك عسكري داخل العمق السوري، حيث تعتبر إسرائيل أن وتيرة البناء الحالية تهدف لفرض قيود جديدة على عملياتها العسكرية التي تستهدف منع التموضع الخارجي، مما يجعل المنطقة أمام معادلة أمنية متوترة وقابلة للانفجار في أي لحظة خاصة مع بروز القيود العملياتية التي يفرضها الموقف الأمريكي.
الموقف الأمريكي والقيود العملياتية
وبناءً على ما ورد في صحيفة "جيروزاليم بوست"، يبرز الدور الأمريكي كعامل مؤثر في كبح جماح الأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، حيث تشير المعطيات إلى أن واشنطن مارست ضغوطًـا للحد من الغارات المكثفة بهدف إعطاء فرصة للتقارب النسبي مع الحكومة السورية الجديدة وتوفير غطاء سياسي وعملياتي مكن دمشق من البدء في عملية إعادة بناء منظوماتها الدفاعية بعيدًا عن الاستهداف المباشر.
وتجد إسرائيل نفسها أمام قيود عملياتية جديدة تفرض عليها الموازنة بين الحفاظ على المنطقة العازلة في الجنوب السوري بعمق 15 كيلومترًا وبين الرغبة في ضرب أهداف حيوية في العمق السوري، وبينما تحاول تل أبيب الحفاظ على مسارات جوية مفتوحة فوق المنطقة لاستخدامها في عمليات استراتيجية بعيدة المدى ضد أهداف إقليمية، إلا أن السياسة الجوية الجديدة لإسرائيل تعكس تخوفًـا من أن تؤدي إعادة تأهيل الرادارات السورية إلى كشف التحركات الجوية في وقت مبكر وتقليص عنصر المفاجأة وزيادة مخاطر تعرض الطائرات الشبحية للإسقاط، وتراقب واشنطن هذه التحولات الجارية في البنية العسكرية السورية وتسعى لضبط إيقاع الصراع بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما يضع إسرائيل في وضع تكتيكي معقد يتطلب تنسيقًـا دائمًـا مع الحليف الأمريكي لتجنب أي صدام غير محسوب مع القدرات السورية المتنامية التي بدأت تأخذ في الحسبان التهديدات غير التقليدية مثل الطائرات المسيرة.
تحديات المسيرات وحروب المستقبل
تفرض حروب المستقبل المعتمدة على الطائرات المسيرة تحديًا تقنيًـا وجوديًا على الدفاع الجوي السوري، حيث تمثل درونات (FPV) التي تعتمد عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تهديدًا بالغ الخطورة نظرًا لانخفاض كلفتها وصعوبة رصدها بالرادارات التقليدية، وتدرك القيادة السورية أن الاعتماد على الصواريخ التقليدية وحده لا يكفي لمواجهة أسراب المسيرات التي يمكن أن تستهدف الرادارات ومراكز القيادة بشكل تكتيكيً، ولذلك تبرز ضرورة بناء منظومات تشويش إلكتروني متقدمة قادرة على قطع الاتصال بين الدرون والمشغل.
ويسعى الجيش السوري لدمج نقاط المراقبة الكهروبصرية مع الرشاشات الثقيلة والمنظومات الصاروخية القريبة لإنشاء حماية طبقية فعالة، إن استخدام الدرونات الانتحارية مثل طائرة هاروب (Harop) الإسرائيلية يستهدف بشكل رئيسي شل قدرات الدفاع الجوي، مما يتطلب من دمشق تطوير وسائل رصد قادرة على كشف الأهداف التي تطير على ارتفاعات منخفضة جدًا، وتمثل هذه التهديدات الهجينة صدمة معنويًة وعسكريًة إذا لم يتم التعامل معها بشكل تقني وإلكتروني دقيق، ولذلك تضع سوريا في أولوياتها الحصول على تكنولوجيا الحرب الإلكترونية لتعزيز مناعة قواتها البرية ومنشآتها الحيوية، وضمان قدرتها على الصمود في مواجهة التكتيكات العسكرية الحديثة التي تعتمد على الإغراق الرقمي والمسيرات الذكية، مما يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية تمتد إلى الساحة اللبنانية.
الامتداد الإقليمي والسيناريوهات المستقبلية
أشارت صحيفة معاريف، إلى أن المخاوف تتزايد في إسرائيل من أن يمتد تأثير الجيش السوري الجديد إلى خارج الحدود ليؤثر على التوازنات داخل لبنان، حيث تخشى تل أبيب من أن تجد القوى السنية في لبنان في دمشق حليفًـا قويًـا لمواجهة التهديدات الداخلية مما قد يؤدي لفتح الحدود البرية أمام تحركات عسكرية مشتركة، وتستنفر فرقة باشان الإسرائيلية قواتها على الحدود السورية لتعزيز العمليات الدفاعية الميدانية في مواجهة التهديدات المحتملة من العمق السوري، وتشمل الإجراءات الإسرائيلية إنشاء حواجز مادية وتشديد السيطرة على المناطق القريبة من خط الفصل لمنع أي تسلل أو عمليات استهداف.
وتتمسك سوريا من جانبها بمطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل من المناطق التي توغلت فيها في الجنوب والعودة إلى خطوط اتفاق عام 1974، خاصة وأن المنطقة الجنوبية التي تبلغ مساحتها 16,500 كيلومتر مربع ويقطنها مليونا نسمة تمثل ثقلاً جيوسياسيًـا كبيرًا، وتبرز تعقيدات الموقف الدرزي في السويداء كعنصر استراتيجي حاسم حيث يلعب الشيخ حكمت الهجري دوراً محورياً في موازنة الضغوط الخارجية، وفي ظل سعي دمشق الدؤوب لاستعادة كامل سيادتها وتطوير ترسانتها الجوية والبرية، تظل معادلة الأمن الإقليمي مرتبطة بمدى قدرة سوريا على فرض ردع عسكري حقيقي ينهي حقبة التفوق الجوي الإسرائيلي المطلق في المنطقة ويرسم خارطة صراع جديدة تعتمد على توازن الرعب والقدرات التقنية المتقدمة والسيادة الجوية الكاملة.

