"البازوكا" سلاح الاتحاد الأوروبي لمواجهة "الإكراه الاقتصادي".. فماذا نعرف عنه؟
ملخص :
أنشأ الاتحاد الأوروبي عام 2023 ما يُعرف بـ "أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي"، وهي آلية قانونية وسياسية تهدف إلى حماية دوله الأعضاء من الضغوط الاقتصادية التي قد تمارسها دول خارجية عبر التجارة أو الاستثمار أو التهديد بهما، وتقوم الفكرة الأساسية على منع تحويل العلاقات الاقتصادية إلى وسيلة ضغط تمسّ القرارات السيادية للدول الأوروبية.
وتُعرف هذه الأداة إعلاميًا بلقب "البازوكا"، في استعارة رمزية لقاذف الصواريخ المحمول على الكتف، في إشارة إلى قوتها كخيار ردع أخير، لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى لوقف ممارسات الإكراه الاقتصادي.
تعريف "الإكراه الاقتصادي"
وفق اللائحة الأوروبية المنظمة، يُقصد بالإكراه الاقتصادي أي محاولة من دولة ثالثة، غير عضو في الاتحاد الأوروبي، لإجبار الاتحاد أو إحدى دوله على اتخاذ موقف سياسي أو اقتصادي معين، من خلال فرض قيود تجارية أو استثمارية، أو التهديد بها.
وقد يتخذ هذا الإكراه أشكالًا متعددة، منها تشريعات رسمية، أو إجراءات غير رسمية، أو حتى الامتناع عن اتخاذ قرارات اقتصادية، إذا كان الهدف منها الضغط السياسي أو تغيير مواقف سيادية مشروعة.
خلفية سياسية واقتصادية للتأسيس
جاء تطوير هذه الأداة ضمن مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز استقلاله الاقتصادي في ظل تصاعد المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، وتزايد استخدام الاقتصاد كأداة نفوذ دولي، ومن بين الدوافع المباشرة لتسريع هذا المسار، العقوبات الأمريكية التي فُرضت خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2019 على شركات أوروبية مشاركة في مشروع خط أنابيب "نورد ستريم 2"، ما اعتبرته بروكسل مثالًا على الإكراه الاقتصادي عبر أدوات تجارية.
كما لعبت الأزمة بين الصين وليتوانيا في عام 2021، على خلفية العلاقات مع تايوان، دورًا إضافيًا في دفع الاتحاد الأوروبي إلى تقديم مقترح رسمي لتأسيس هذه الآلية.
مسار تشريعي طويل حتى الاعتماد
في ديسمبر/كانون الأول 2021، طرحت المفوضية الأوروبية النسخة الأولى من أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي، قبل أن يبدأ نقاش تشريعي واسع داخل مؤسسات الاتحاد، وبعد مفاوضات مطولة، وافق مجلس الاتحاد الأوروبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 على موقف تفاوضي بشأنها، ليتم لاحقًا اعتمادها رسميًا في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 تحت اسم اللائحة رقم (2023/2675)، ودخلت حيّز التنفيذ في 27 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
وأكدت المفوضية الأوروبية أن الهدف الأساسي من الأداة هو الردع، بمعنى أن نجاحها يُقاس بقدرتها على منع استخدامها أصلًا، لا بتكرار تفعيلها.
هيكل الأداة: أربع مراحل للتعامل مع الإكراه
تقوم الآلية الأوروبية على مسار تدريجي من أربع مراحل منظمة زمنيًا وإجرائيًا، وفق إطار قانوني منضبط يتوافق مع القانون الدولي العام:
أولًا: مرحلة الفحص
تبدأ هذه المرحلة عندما تُطرح شكوى أو مؤشرات على وجود حالة إكراه اقتصادي، سواء من دولة عضو أو جهة متضررة، أو بمبادرة مباشرة من المفوضية الأوروبية، وتتولى المفوضية تقييم الحالة بناءً على المعلومات المتاحة، مع التزامها بالسرعة، بحيث لا تتجاوز مدة الفحص عادة أربعة أشهر.
ثانيًا: مرحلة التقرير
في هذه المرحلة، يقرر مجلس الاتحاد الأوروبي رسميًا وجود حالة إكراه اقتصادي عبر قرار قانوني بناءً على اقتراح المفوضية، وبمجرد تثبيت الحالة، تُطالب الدولة المعنية بوقف ممارساتها، على أن تُنجز هذه الخطوة خلال مدة أقصاها عشرة أسابيع.
ثالثًا: مرحلة التواصل والتسوية
تركز هذه المرحلة على الحلول الدبلوماسية، حيث تدخل المفوضية في مشاورات مع الدولة الممارسة للإكراه، بهدف التوصل إلى تسوية عبر وسائل متعددة مثل التفاوض المباشر أو الوساطة أو التحكيم أو التقاضي الدولي، بشرط توفر حسن النية لدى الطرف الآخر.
رابعًا: تدابير الرد
في حال فشل المسارات التفاوضية، يمكن للاتحاد الأوروبي اللجوء إلى إجراءات ردّية تُعدّ الخيار الأخير، وقد تشمل هذه التدابير تقييد دخول منتجات الدولة المعنية إلى السوق الأوروبية، التي تضم نحو 450 مليون مستهلك، إضافة إلى قيود على التجارة والخدمات والاستثمار الأجنبي المباشر والأسواق المالية والمشتريات العامة، كما يمكن أن تمتد الإجراءات إلى سياسات التمويل الأوروبية، بما يتيح للاتحاد أدوات ضغط اقتصادية متعددة المستويات.
أول اختبار سياسي محتمل في 2026
في يناير/كانون الثاني 2026، برزت الأداة إلى واجهة النقاش السياسي الأوروبي مجددًا، بعد دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى النظر في استخدامها ضد الولايات المتحدة، على خلفية تهديدات أمريكية بفرض رسوم جمركية على صادرات أوروبية مرتبطة بمواقف سياسية بشأن غرينلاند، وخلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، وصف ماكرون الأداة بأنها "قوية"، داعيًا إلى عدم التردد في تفعيلها في ظل تصاعد التوترات الدولية، رغم أنها لم تُستخدم فعليًا حتى الآن.

