شرايين النفوذ العالمي: معركة السيطرة على ممرات الشرق الأوسط المائية
علا القارصلي
ملخص :
مفهوم "الشرق الأوسط" قد تجاوز بمدلوله الجغرافي الحديث كونه مجرد تسمية أوروبية المنشأ، ليتحول إلى فضاء إستراتيجي يتحكم في شريان الطاقة العالمي، خاصة بعد اكتشاف المخزونات الضخمة من النفط والغاز في دول الخليج والعراق وإيران، وهي المنطقة التي تختزن وحدها نحو 869.6 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة بواقع 49% من الإجمالي العالمي بنهاية عام 2022، بالإضافة إلى 81.7 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما غير موازين القوى وحول هذه الممرات المائية إلى نقاط عبور رئيسة تربط مراكز الإنتاج في الشرق بمناطق الاستهلاك الكبرى في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
السيطرة على هذه الممرات لم تكن يوماً مجرد نزاع محلي على حدود مائية أو حقوق صيد عابرة، بل كانت أداة جوهرية للهيمنة الدولية وصناعة القرار العالمي، إذ إن التحكم في هذه المضائق يمنح القوى المهيمنة تفوقاً عسكرياً واقتصادياً يتيح لها خنق الخصوم أو تأمين تدفق الثروات، مما جعل المنطقة بؤرة دائمة للصراعات والنزاعات الدولية التي بدأت تتبلور تاريخياً حول المضائق الطبيعية كأولى جبهات الصراع على السيادة المطلقة، وحيث إن الموقع الإستراتيجي الحساس للمنطقة جعلها همزة وصل حيوية وفضاءً متميزاً لإقامة القواعد العسكرية الدولية لضمان الوصول السهل للأهداف الإستراتيجية، فإن المركزية الجغرافية كانت دوماً هي المحرك الأساس لبداية الصراعات المريرة حول المضائق الطبيعية التي تمثل صمامات الأمان للاقتصاد العالمي.
مضيق هرمز والنزاعات
مضيق هرمز يمثل العنق الرئيس للعالم ونقطة الاختناق الأكثر خطورة وأهمية على الإطلاق، وذلك لارتباطه الوثيق بأمن الطاقة العالمي كونه المعبر لنحو 40 مليون برميل من النفط كقدرة استيعابية عامة، بينما سجلت البيانات الفعلية في الفترة من يناير إلى سبتمبر 2023 مرور نحو 20.5 مليون برميل يومياً في المتوسط من النفط الخام والمكثفات، ولعل خطورته تنبع من البيئة الجيوسياسية المضطربة التي يقع فيها بين الخليج العربي وبحر عمان.
يقع المضيق بين دائرتي عرض 25 و27 درجة شمالاً، وبين خطي طول 55 و57 درجة شرقاً، ويحتل مساحة 233100 كلم2 بطول يصل إلى 104 أميال بحرية، وعرض يبلغ أقصاه 525 ميلاً بحرياً عند الخط الواصل بين "رأس دابا" ومنطقة "دماجة"، في حين تضيق المسافة لتصل إلى 2075 متراً في أضيق نقطة.
والنزاع على هذا المضيق يمتد لأكثر من خمسة آلاف سنة، حيث تعاقبت على السيطرة عليه حضارات عريقة، وصولاً إلى اللحظة الفارقة في القرن السادس عشر حين خضع للاحتلال البرتغالي الذي دام 119 عاماً، وهي الفترة التي وصف فيها البريطاني أرنولد ويلسون المضيق بأنه "جوهرة خاتم العالم"، وبالرغم من المحاولات العثمانية للسيطرة عليه في معارك تاريخية كبرى بين عامي 1552 و1554، إلا أن الفشل كان حليفها أمام القوة البرتغالية آنذاك.
وشهد المضيق تهديدات إيرانية متكررة بإغلاقه، مما أدى لتدمير ناقلات عديدة وكاد يشعل حرباً مباشرة مع واشنطن خاصة بعد إسقاط الطائرة الإيرانية عام 1988 بصاروخ "سنغر"، وحسب تحليل النظام القانوني الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، وتحديداً المادتين 34 و41، فقد تم تنظيم الملاحة بما يضمن حقوق الدول المشاطئة في السيادة على مياهها وقاعها وباطن أرضها مع الالتزام بواجب تأمين حركة المرور الدولية دون تمييز، إلا أن الأثر التنافسي بين القوى الكبرى كأمريكا والصين وروسيا لا يزال يلقي بظلاله، حيث تعتمد القوى الآسيوية مثل اليابان والصين على المضيق لتأمين أغلب احتياجاتها الطاقوية، مما يجعل التوتر في هرمز وجزره الإستراتيجية مثل "قشم" والجزر الثلاث "كوينز" دائماً ما يسبق الانتقال نحو الممر الجنوبي للبحر الأحمر.
باب المندب والرهانات
حسب ما ورد في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية، يكتسب مضيق باب المندب أهمية جيوسياسية فائقة بوصفه حلقة الوصل الإستراتيجية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس، حيث يفصل بين قارتي آسيا وإفريقيا وتشرف عليه دول اليمن وجيبوتي وإرتيريا، ويبلغ عرض المضيق حوالي 22 ميلاً وتفرقه جزيرة "ميون" أو "بريم" إلى ممرين، الممر الشرقي الذي يسمى "الممر الصغير" بعرض ميلين وعمق 85 قدماً ويستخدم للقوارب الصغيرة، والممر الغربي الذي يسمى "الممر الكبير" بعرض 16 ميلاً وهو الممر الرئيس للملاحة الدولية لكونه الأعمق والأوسع.
كان المضيق دائماً مطمعاً للقوى الاستعمارية، حيث سارعت بريطانيا لنشر حامية عسكرية في جزيرة ميون لعرقلة السفن الفرنسية المتجهة نحو الهند عقب حملة نابليون، وتتبع الصراعات الفرنسية والعثمانية والبريطانية للسيطرة على هذه البوابة الجنوبية.
وبرز التعاون العربي كأداة إستراتيجية قوية حين تم إغلاق المضيق في حرب 1973 أمام السفن الإسرائيلية بالتنسيق بين مصر واليمن، وفي الوقت الراهن، يواجه المضيق تحديات أمنية غير مسبوقة بسبب هجمات أنصار الله التي استهدفت السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا، مما استدعى تحالفات عسكرية دولية لحماية التجارة التي يمر منها أكثر من 20 ألف سفينة شحن سنوياً بمعدل 75 سفينة يومياً، أي ما يعادل 10% من الشحنات العالمية، وحسب تحليل التداعيات الإستراتيجية، فإن وجود القواعد العسكرية الأجنبية الكثيفة للصين وأمريكا وفرنسا واليابان على شواطئ المضيق يعكس رغبة دولية في تثبيت النفوذ، حيث إن إغلاق هذا الممر يفرض على السفن الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح بزيادة قدرها 6 آلاف ميل بحري وتكاليف شحن باهظة وزمن عبور أطول بكثير، مما يربط أمن باب المندب بشكل عضوي ومصيري بحيوية قناة السويس.
قناة السويس والتحولات
تمثل قناة السويس أهم مشروع هندسي في العصر الحديث غير مجرى التاريخ التجاري للبشرية باختصارها المسافات بين الشرق والغرب، حيث يبلغ طولها 193.5 كلم وتتحكم في 40% من حركة السفن في العالم.
كانت لحظة تأميم القناة عام 1956 على يد الحكومة المصرية نقطة تحول إستراتيجية أدت إلى العدوان الثلاثي، لكنها انتهت باستعادة السيادة المصرية الكاملة، وحسب تحليل الأرقام الاقتصادية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن القناة تعد عقدة إستراتيجية يمر عبرها 9.2 مليون برميل نفط يومياً، وهو ما يمثل 9% من الطلب العالمي، بالإضافة إلى 391 مليون طن متري من الغاز المسال، وحسب تقييم الفوارق الاقتصادية، فإن القناة توفر وفراً هائلاً مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح، فعلى سبيل المثال، اختصرت القناة المسافة بين لندن ومومباي من 19 ألف كيلومتر إلى 11 ألف كيلومتر فقط، مما جعلها المحور الأهم في شبكة التجارة العالمية بشهادة المركز الوطني للدراسات الاقتصادية في الولايات المتحدة وبناءً على دراسة الخبراء "شارات جاناباتي" و"وان فونج يونج" و"أورين زيف" الذين وصفوها بأنها العقدة الأكثر تأثيراً على رفاهية الدول، فقد حققت القناة إيرادات قياسية بلغت 9.4 مليار دولار في العام المالي 2022/2023، مقارنة بـ 7 مليارات في 2021/2022، و5.8 مليار في 2020/2021، و5.7 مليار في 2019/2020، كما زادت أعداد السفن بنسبة 55.1% لتصل إلى 25.9 ألف سفينة، وهو ما يؤكد مركزيتها المطلقة في الاقتصاد المصري والدولي على حد سواء، مما يجعل استقرارها ضرورة ملحة قبل الانتقال للنظر في توازنات المضائق التركية كبوابة شمالية للمنطقة.
المضائق التركية والتوازن
يشكل البوسفور والدردنيل صمام الأمان المائي والاتصال الوحيد لدول البحر الأسود بالعالم الخارجي تحت السيادة التركية، حيث يمتد البوسفور بطول 30 كلم وبعرض يتراوح بين 750 متراً و3.7 كلم، بينما يمتد الدردنيل بطول 61 كلم وبعرض أدنى يبلغ 1.2 كلم.
حسمت "اتفاقية مونترو" عام 1936 النزاعات الطويلة حول هذه الممرات، منظمة حركة السفن التجارية والحربية بما يحفظ أمن تركيا والدول المتشاطئة كأوكرانيا وروسيا وجورجيا ورومانيا وبلغاريا.
تبرز هذه المضائق كأداة توازن إستراتيجي بالغة الحساسية في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تعبر البوسفور سنوياً أكثر من 50 ألف سفينة، وتصدر تركيا عبر ممراتها البحرية حوالي 89% من صادراتها الإجمالية، ويمر عبر هذا المضيق أكثر من 3% من الإمدادات العالمية للنفط، والتي تقدر بحوالي 3 ملايين برميل يومياً قادمة من روسيا وأذربيجان وكازاخستان، بمعدل 5500 ناقلة نفط سنوياً.
وقدرة تركيا على استخدام هذه المضائق كأداة ضغط ديبلوماسي تعزز من مكانتها كقوة إقليمية قادرة على إدارة التناقضات بين حلف الناتو وروسيا، إذ إن أي اضطراب في هذه البوابة المائية ستكون له تداعيات عالمية تطول أمن الغذاء والطاقة في القارة الأوروبية وما وراءها، مما يربط هذه النزاعات بمستقبل الممرات العالمية ككل في ظل التحولات الإستراتيجية والمناخية الكبرى التي يعيشها كوكبنا.
مستقبل الممرات المائية
تواجه الممرات المائية في الشرق الأوسط تحديات وجودية متصاعدة في ظل بزوغ مشاريع بديلة بدأت تفرض نفسها بقوة، مثل طريق المحيط المتجمد الشمالي الذي تسعى روسيا والصين لتطويره لاختصار الزمن بنسبة 40% والتكاليف بعيداً عن الممرات التقليدية المضطربة أمنياً.
تبرز معضلة المنافسة بين الممرات التاريخية والممرات الاقتصادية الجديدة كالممر الهندي الأوروبي (IMEC) الذي يطمح لخلق واقع جيوسياسي جديد يربط الهند بأوروبا عبر ممرات متعددة الوسائط تتجاوز جزئياً الاعتماد على قناة السويس وباب المندب.
المنطقة تشهد ضغوطاً ناجمة عن تراجع الأولويات الأمريكية وانزياحها نحو "الهندوباسيفيك" مقابل صعود القوى الآسيوية الكبرى كالصين التي تعتمد بشكل حيوي على ممر هرمز لتأمين احتياجاتها.
وتفرض التغيرات المناخية التي قد تفتح ممرات مائية جديدة في القطب الشمالي، بالإضافة إلى التوترات العسكرية الدائمة وصعود قوى إقليمية كإيران وتركيا، على دول المنطقة ضرورة تبني إستراتيجيات مرنة لتنويع المنافذ، ومع ذلك، سيظل استقرار الاقتصاد العالمي وازدهاره رهيناً بسلامة هذه الممرات المائية التاريخية في الشرق الأوسط التي أثبتت عبر آلاف السنين أنها ليست مجرد مسارات جغرافية صماء، بل هي شرايين حية تحدد مصير الأمم وترسم ملامح توازنات القوى في نظام دولي دائم التحول والاضطراب والغموض.

