هل يفتح بوتين باب المفاوضات مع أوكرانيا أم يعيد صياغة شروط الحرب؟
ملخص :
ضجت الصحافة الروسية والأوكرانية بتصريحات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشأن اقتراب ما وصفه بـ "نهاية الصراع" واستعداده لإجراء محادثات مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مثيرة موجة واسعة من التحليلات المتباينة في وسائل الإعلام الروسية والأوكرانية، وسط تفسيرات متناقضة بين من يراها مؤشراً سياسياً على تحول محتمل في مسار الحرب، ومن يعتبرها جزءاً من إدارة الصراع إعلامياً ونفسياً.
موسكو: رسائل سياسية تعكس "تقدماً ميدانياً ودبلوماسياً"
في التغطية الروسية، أولت الصحف اهتماماً كبيراً لتصريحات بوتين، معتبرة أنها تعكس نجاح الاستراتيجية التي يتبناها الكرملين في إدارة الصراع، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.
وفي هذا السياق، رأى المدير العام لصندوق أمن الطاقة الوطني، قسطنطين سيمونوف، في تصريح لموقع "بي إف إم"، أن حديث بوتين يرتبط بوجود مؤشرات داخل الدوائر الروسية تفيد بأن قادة أوروبيين قد وجهوا تعليمات إلى كييف بضرورة تجنب التصعيد، والاستعداد لمرحلة جديدة من التسوية السياسية، لافتا إلى أن هذا التحول، إن صحّ، قد يشير إلى تغير في الموقف الغربي تجاه الحرب، وفتح نافذة محتملة لإعادة ترتيب مسار المفاوضات.
رواية الإعلام الروسي: إشارات إلى مفاوضات محتملة
وقدمت بعض الصحف الروسية الأخرى قراءة أكثر تفاؤلاً، إذ رأت أن تصريحات بوتين قد تحمل إشارات إلى إمكانية استئناف الحوار مع الغرب، وربما التوصل إلى إطار تفاوضي جديد، وذهب الكاتب، ميخائيل روستوفسكي، في صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس" إلى أن تصريحات الرئيس الروسي بعد عرض عسكري في 9 مايو/أيار تحمل دلالات سياسية مبطنة، قد تشير إلى استعداد غير مباشر لفتح قنوات تفاوض مع الأطراف الأوروبية، مع بقاء القرار النهائي بيد العواصم الغربية، مضيفا أن أي لقاء محتمل بين بوتين وزيلينسكي قد يكون مشروطاً بالتوصل إلى اتفاقات نهائية مسبقة، وليس بداية لمفاوضات مفتوحة، بما يجعل اللقاء أقرب إلى إعلان اتفاق أكثر منه مساراً تفاوضياً.
قراءة عسكرية: "موسكو تفرض شروطها"
من جانبه، اعتبر المحلل العسكري، ألكسندر ميركوريس، أن تصريحات الرئيس الروسي تعكس، من وجهة نظره، قدرة موسكو على دفع كييف نحو الالتزام بوقف إطلاق النار الذي طرحته روسيا، ما قد يمهد لمرحلة تفاوضية جديدة، ووفق هذا الطرح، فإن روسيا باتت أكثر ثقة بقدرتها على فرض شروطها التفاوضية، في ضوء التطورات الميدانية المستمرة منذ اندلاع العمليات العسكرية.
رمزية النصر وتوظيف اللحظة التاريخية
وفي تحليل نُشر بصحيفة "كومسومولسكايا برافدا"، ربط أحد المعلقين بين أجواء الاحتفالات بذكرى النصر على ألمانيا النازية وبين التصريحات الأخيرة لبوتين، معتبراً أن هذه الأجواء تعكس اقتراب روسيا من إنهاء الصراع بشروطها الخاصة، في ظل تراجع التأثير الغربي على مسار الأحداث، ويشير هذا التفسير إلى أن موسكو تحاول توظيف الرمزية التاريخية لتعزيز خطاب سياسي يؤكد على الحسم القريب للصراع.
كييف: شروط موسكو تعني "استسلاماً مقنعاً"
في المقابل، قدمت الصحافة الأوكرانية قراءة مختلفة تماماً، إذ اعتبرت أن تصريحات بوتين حول "نهاية قريبة للحرب" لا تعكس نية حقيقية للسلام، بل تأتي في إطار ما وصفته بـ "الحرب الإعلامية والنفسية" الموجهة للرأي العام الداخلي والخارجي، وترى بعض التحليلات الأوكرانية أن هذه التصريحات تهدف إلى التأثير على المزاج العام داخل روسيا، في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، مشيرة إلى أن استمرار العمليات العسكرية على الأرض يتناقض مع الخطاب الذي يتحدث عن اقتراب انتهاء الحرب.
"السلام المشروط" وخلاف حول جوهر التفاوض
وانتقد محللون أوكرانيون الشروط الروسية المطروحة، معتبرين أنها لا تمثل أساساً لتسوية سياسية، بل أقرب إلى "إملاءات" تتضمن مطالب مثل انسحاب القوات الأوكرانية أو إعلان الحياد، وهي شروط تُفسر في كييف على أنها أقرب إلى مفهوم الاستسلام السياسي والعسكري، ويرى هؤلاء أن موسكو تسعى إلى تثبيت خطوط المواجهة الحالية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، دون تقديم تنازلات جوهرية.
واعتبرت وسائل إعلام أوكرانية، من بينها موقع "يو إنفو"، أن الخطاب الروسي يهدف بالدرجة الأولى إلى بناء "صورة نصر" موجهة للجمهور الداخلي، في محاولة لتخفيف آثار الحرب الاقتصادية والاجتماعية داخل روسيا، ويرى الموقع أن موسكو تسعى إلى تقديم رواية تفيد بأنها نجحت في مواجهة الضغوط الغربية، رغم التحديات الميدانية والاقتصادية المتزايدة، مشيرا إلى أن استمرار العمليات العسكرية يعكس عدم وجود نية حقيقية لإنهاء الحرب، بل محاولة لإعادة صياغة شروطها.
سيناريوهات محتملة لتسوية سياسية
في تحليل آخر نشرته الكاتبة، ماريا نيكوليشين، طُرحت فرضية تسوية سياسية مستقبلية تقوم على اتفاقات منفصلة بوساطة أمريكية، تتضمن ترتيبات إقليمية معقدة تشمل مناطق النزاع الرئيسية، مع احتمال تجميد خطوط التماس في بعض الجبهات، وبحسب هذا السيناريو، قد يتم رفع بعض العقوبات عن روسيا، بينما تبقى أخرى سارية، في إطار تسوية غير مكتملة بين الأطراف الدولية، كما يطرح السناريو حصول أوكرانيا على وضع حيادي، مع دور وظيفي كمنطقة عازلة بين روسيا والغرب.
بين خطاب النهاية وواقع الميدان
تتباين القراءات بشكل حاد حول تصريحات بوتين الأخيرة، بين من يراها مؤشراً على اقتراب تسوية سياسية، ومن يعتبرها إعادة إنتاج للخطاب الاستراتيجي الروسي بهدف تعزيز الموقف التفاوضي.
وبين القراءتين الروسية والأوكرانية، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتعقيد المشهد الجيوسياسي، ما يجعل الحديث عن "نهاية قريبة" للصراع محل جدل واسع أكثر منه حقيقة محسومة.

