الوصايا العشر لخامنئي.. خارطة الهيمنة الإيرانية الجديدة في الخليج
علا القارصلي
ملخص :
الرسائل الصادرة عن المرشد مجتبى خامنئي، والتي صيغت في عشر نقاط استراتيجية، لا تمثل مجرد خطاب سياسي موجه للداخل، بل هي برنامج عمل ملزم للدولة وصياغة عقائدية للسيادة الإقليمية في مرحلة ما بعد النزاع، وأشارت التقارير الإخبارية إلى أن هذه الوصايا ركزت في جوهرها على إنهاء الوجود الأمريكي باعتباره المسبب الرئيس لانعدام الأمن، مع التأكيد على عجز القواعد الأجنبية عن حماية نفسها فكيف لها أن تضمن أمن الآخرين، وحسب تحليل الخبراء فإن الوصايا ترسم ملامح "مستقبل مشرق" للمنطقة يعتمد على "المصير المشترك" بين إيران وجيرانها في مياه الخليج وبحر عمان، حيث تشدد الرؤية الإيرانية على "طرد الأجانب الأشرار" الذين لا مكان لهم إلا في أعماق المياه، وتؤسس لنظام جديد تعتبر فيه إيران القوة المنظمة للملاحة عبر "تأمين عملي" يمنع العدو من سوء استغلال الممر المائي، وتتضمن هذه الوصايا فرض "قواعد قانونية" جديدة تضمن راحة شعوب المنطقة وتحقق "فوائد اقتصادية" مباشرة للمواطن الإيراني الذي يرى في إدارة المضيق تعويضًا عن سنوات الحصار.
ومن منظور استراتيجي تهدف هذه المبادئ إلى استبدال الوصاية الدولية بسيادة إقليمية مطلقة تقودها طهران، مما يعزز موقعها كقطب لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، وفي نهاية المطاف تلتقي هذه المبادئ العقائدية مع الواقع العسكري الميداني لتشكل جدارًا صلبًا من الردع السياسي الذي يهدف لإنهاء النفوذ الغربي في الممرات المائية الحيوية.
ولخصت وكالة الأنباء الإيرانية "فارس" النقاط كالتالي:
- يُعدّ وجود الأمريكيين وتمركزهم في أراضي دول الخليج الفارسي العامل الأهم في انعدام الأمن في المنطقة.
- عجز القواعد الأمريكية عن ضمان أمنها.
- مستقبل مشرق لمنطقة الخليج الفارسي، بعيدًا عن أمريكا، وفي خدمة تقدم ورفاهية ورخاء شعوبها.
- مصيرنا مشترك مع جيراننا في مياه الخليج الفارسي وبحر عُمان.
- لا مكان للأجانب الأشرار في الخليج الفارسي إلا في أعماق مياهه.
- سلسلة انتصارات إيران الإسلامية في الخليج الفارسي، طليعة نظام جديد في المنطقة والعالم.
- تأمين منطقة الخليج الفارسي بشكل عملي لنجاح إدارة إيران لمضيق هرمز.
- إزالة ارضيات سوء استغلال العدو لمضيق هرمز.
- ضمان راحة وتقدم شعوب المنطقة بالقواعد القانونية وتطبيق الإدارة الجديدة لمضيق هرمز.
- ابتهاج قلوب الشعب الإيراني بالفوائد الاقتصادية الناجمة عن الإدارة الجديدة لمضيق هرمز
تحولات الردع الجغرافي
أشارت التقارير الإخبارية إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في الثامن من أبريل لعام 2026، قد كشف عن واقع استراتيجي جديد تجاوزت فيه الجغرافيا السياسية دورها التقليدي لتصبح عامل ردع يتفوق بمراحل على البرنامج النووي الذي كان يُنظر إليه سابقًا كالقوة الوحيدة لحماية النظام.
وإحكام القبضة على مضيق هرمز لم يعد مجرد تكتيك دفاعي مؤقت، بل استحال إلى سلاح استراتيجي فعلي يعيد تعريف موازين القوى في الشرق الأوسط، وحسب تحليل الخبراء فإن الجغرافيا قد تحولت إلى "معادلة ردع مستحدثة" تفرض على واشنطن وتل أبيب خيارات عسكرية بالغة التعقيد، إذ أدرك المخططون الاستراتيجيون أن السيطرة الإيرانية على هذا الشريان الذي يتدفق عبره خُمس إمدادات النفط العالمية تمنح طهران قدرة على شل الاقتصاد الدولي دون الحاجة لاستخدام رؤوس نووية.
آليات السيطرة البحرية
أشارت التقارير الإخبارية إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية أبدت مرونة استثنائية في مواجهة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، حيث تؤكد البيانات الاستخباراتية أن طهران لا تزال تحتفظ بنحو 40% من ترسانة مسيَّراتها الهجومية و60% من منصات إطلاق الصواريخ، ووفقًا لمصادر رسمية إيرانية فإن هذه القوة لم يتم تدميرها بل كانت مخبأة بعناية داخل "كهوف وملاجئ حصينة"، حيث تم استخراج نحو 100 نظام صاروخي متطور فور سريان الهدنة مما رفع جاهزية منصات الإطلاق إلى مستويات تقارب 60% من قدرة ما قبل الحرب.
كما أن مفهوم السيطرة البحرية قد استبدل تكتيكات "حرب الألغام" القديمة بوسائل تكنولوجية تعتمد على "الطائرات الانتحارية" والصواريخ الموجهة قصيرة المدى، وهو ما أجبر حاملات الطائرات الأمريكية على العمل في مناطق بعيدة جدًا (Offshore) لضمان وقت رد فعل كافٍ لمواجهة التهديدات الصاروخية.
وأشارت التقارير إلى أن التأثير النفسي لوجود منصات مخفية تحت الأنقاض يمثل رادعًا يفوق المواجهة المباشرة، إذ تظل ناقلات النفط التجارية مكشوفة تمامًا أمام "الإغراق الصاروخي" والمسيرات التي تنطلق من زوايا متعددة، مما يجعل كلفة تأمين الملاحة باهظة وغير مضمونة حتى بوجود الحماية العسكرية المرافقة، وهذا الواقع الميداني فرض سيطرة إيرانية تمتد من شمال الخليج وصولًا إلى عمق بحر عمان، محولة المنطقة إلى ساحة تحت المراقبة اللصيقة للرادارات الإيرانية التي لم تتأثر بعمق الضربات الجوية.
نظام الإدارة السيادي
شرعت طهران فعليًا في تطبيق نظام رسوم ثوري يفرض واقعًا اقتصاديًا جديدًا على التجارة العالمية، حيث تلزم السفن العابرة بدفع مبالغ تصل إلى مليوني دولار للناقلة الواحدة، وأشارت التقارير الإخبارية إلى أن هذا النظام يشترط الدفع حصريًا باليوان الصيني أو العملات المشفرة في خطوة استراتيجية تهدف لكسر هيمنة الدولار الأمريكي.
وحسب تحليل الخبراء فإن طهران عمدت إلى تصنيف الدول إلى فئات "صديقة" تمنحها أذونات مرور ميسرة، وتضم هذه القائمة دولًا مثل الصين وروسيا وباكستان والعراق، والمفاجأة الاستراتيجية تكمن في منح صفة "صديق" لكل من سريلانكا وماليزيا وحتى حلفاء واشنطن مثل الفلبين وتايلاند، مما يخلق شرخًا في التحالفات الغربية التقليدية.
وأشارت التقارير الصحفية إلى أن السفن تضطر الآن لسلوك مسارات ملاحة تقترب من السواحل الإيرانية حيث تبلغ السيطرة العسكرية ذروتها، بعيدًا عن الممرات الدولية التقليدية التي كانت تضمن حياد الملاحة، وهذا النظام أدى لتراجع حاد في كفاءة التجارة العالمية، إذ تم رصد عبور 140 سفينة فقط خلال 25 يومًا من شهر مارس، وهو رقم يقل عما كان يعبر في يوم واحد قبل الحرب.
مستقبل الأمن الإقليمي
وذكرت تقارير إخبارية أن الخطاب الإيراني تجاه جيرانه الخليجيين يحمل نبرة "الأخوة المشروطة" بالالتزام بالأمن الإقليمي المشترك، محذرًا إياهم من الانجرار خلف وعود الأعداء التي وصفها بالزائفة، وحسب تحليل الخبراء فإن هناك تناقضًا مقصودًا بين الخطاب الدبلوماسي المرن لوزارة الخارجية الذي يسعى للتهدئة، وبين الخطاب العسكري الصارم للحرس الثوري الذي يؤكد أن السيطرة على المضيق حق سيادي لا يقبل التفاوض.
فرص بناء "أمن جماعي شامل" تظل رهينة بمدى قدرة دول المنطقة على بناء ثقة متبادلة بعيدًا عن القواعد الأمريكية التي أثبتت الحرب عجزها عن تأمين نفسها، وأشارت التقارير إلى أن إيران تستخدم أسلحة "حرب المعلومات" والذكاء الاصطناعي بشكل مكثف، حيث تم رصد مقاطع فيديو تسخر من المسؤولين الغربيين عبر تصويرهم كشخصيات "ليغو" لتقويض هيبتهم السياسية أمام شعوب المنطقة، وهذه القوة الناعمة تهدف لخلق بيئة نفسية تتقبل الهيمنة الإيرانية كأمر واقع لا يمكن تغييره، ومع ذلك يظل التوتر سيد الموقف في ظل وجود 600 سفينة تجارية تنتظر تراجع المخاطر الأمنية للمرور، وفي الختام يظهر أن استمرار الوضع الراهن قد يقود حتمًا إلى جولات قتالية جديدة إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات سياسية شاملة توازن بين المطالب الإيرانية وحرية الملاحة الدولية، خاصة وأن طهران أصبحت ترى في المضيق "الصنبور" الذي يتحكم في تدفقات الطاقة للدول المجاورة.
تداعيات الهيمنة الاقتصادية
فيما قالت تقارير إخبارية إن طهران نجحت في تحويل موقعها الجغرافي إلى "منظم قسري" لتدفقات الطاقة، مما منحها القدرة على التحكم الفعلي في أحجام مبيعات النفط من الدول الخليجية المنافسة، وهو ما يمثل أداة ابتزاز استراتيجي للقوى الدولية التي تعتمد على هذه الإمدادات.
كما أن الحصار البحري الأمريكي المفروض حاليًا والذي يكلف طهران خسائر تقدر بنحو 340 مليون دولار يوميًا، قد دفع القيادة الإيرانية لاستخدام نظام الرسوم كرهينة اقتصادية لتعويض تلك الخسائر وتحميل العالم كلفة الحصار.
ويروج النظام الإيراني داخليًا للفوائد الاقتصادية التي ستجنيها الشعوب من "الإدارة الجديدة" للمضيق، مما يعزز من الجبهة الداخلية في مواجهة الضغوط الخارجية، وقد خلقت الجغرافيا السياسية الإيرانية معادلة رادعة لا يمكن تجاوزها بالوسائل العسكرية وحدها، إذ أصبح الواقع الجيوسياسي الجديد في مياه الخليج وبحر عمان حقيقة تفرض نفسها على صانع القرار العالمي، وحسب تحليل الخبراء فإن استمرار إيران في العمل كـ "منظم" لحركة الطاقة العالمية يمنحها تفوقًا تفاوضيًا هائلًا في أي مفاوضات قادمة لإنهاء الحرب.

