"ملك فيلسوف" في توصيف "نيويورك تايمز".. "شي جين بينغ" بين الصورة الرسمية والقراءة الغربية
ملخص :
قدّم الصحفي في صحيفة "نيويورك تايمز"، ديفيد بيرسون، صورة غير تقليدية للرئيس الصيني، شي جين بينغ، تتجاوز الإطار الرسمي الصارم الذي تقدمه وسائل الإعلام الصينية، لتقترب من ملامح قائد سياسي فلسفي يرى نفسه في موقع يتجاوز حدود الدولة إلى هندسة النظام الدولي.
وبحسب التقرير، فإن شي لا يظهر فقط بوصفه رئيسًا لدولة كبرى، بل باعتباره شخصية تجمع بين الصرامة السياسية والنزعة الفكرية، حيث يوصف في اللقاءات غير العلنية بأنه "ملك فيلسوف" يتمتع بثقة عالية بالنفس، ولا يتردد في توجيه اللوم أو التوبيخ لزعماء يرى أنهم أقل قوة أو التزامًا.
مصادر غير تقليدية وروايات خلف الكواليس
استند التقرير إلى مجموعة واسعة من المصادر غير المباشرة، شملت دبلوماسيين، ومسؤولين سابقين، وتسريبات، إضافة إلى محادثات التُقطت عبر ميكروفونات مفتوحة خلال اجتماعات دولية، وتُظهر هذه الشهادات، وفقًا لبيرسون، أن شي ينظر إلى نفسه باعتباره "حارسًا للحضارة الصينية"، ومهندسًا محتملًا لنظام عالمي جديد، لا يقتصر على إعادة تشكيل التوازنات السياسية، بل يمتد إلى إعادة تعريف شكل القيادة العالمية نفسها، مُلمحا إلى أن هذه الرؤية تنعكس في طريقة تعامله مع القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، خصوصًا في سياق تفاعلاته السابقة والمحتملة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته إلى بكين.
لقاء أوباما وترامب: لحظة مفصلية في الرؤية الصينية
من أبرز الوقائع التي استعرضها التقرير لقاء جمع شي جين بينغ بالرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، في بيرو أواخر عام 2016، وذلك بعد فوز ترامب المفاجئ في الانتخابات الأمريكية، وبحسب مستشار أوباما السابق، بن رودس، بدا شي متفاجئًا من صعود شخصية سياسية غير تقليدية مثل ترامب إلى قيادة الولايات المتحدة، وعندما أوضح أوباما أن ذلك يعود إلى غضب اقتصادي واسع النطاق داخل المجتمع الأمريكي، نتيجة فقدان الوظائف الصناعية ومخاوف من السياسات التجارية الصينية، جاء رد شي مقتضبًا وباردًا، إذ قال: "إذا تسبب قائد غير ناضج في إدخال العالم في الفوضى، فسيعرف العالم من يجب أن يُلام".
ويرى التقرير أن هذا الموقف يعكس تصوّرًا مبكرًا لدى القيادة الصينية تجاه النموذج السياسي الأمريكي، وهو تصور قد لا يزال ينعكس على طريقة قراءة بكين للسياسة الأمريكية حتى اليوم.
بكين في مواجهة "الفوضى العالمية"
يشير التقرير إلى أن هذا الإدراك يتصل مباشرة بكيفية استعداد الصين للتعامل مع القمم الدولية، خصوصًا في ظل التوترات مع واشنطن، فخلال القمة في بكين، يتوقع مراقبون أن يسعى شي إلى ترسيخ صورة الصين باعتبارها قوة مستقرة ومنضبطة، في مقابل ما تصفه الخطابات الصينية بـ "الفوضى" وعدم القدرة على التنبؤ في السياسة الأمريكية، وفي هذا السياق، لا يُقدَّم التنافس بين القوتين بوصفه صراعًا تقليديًا على النفوذ فقط، بل كصراع بين نموذجين للحكم: نموذج سلطوي منضبط، وآخر ديمقراطي متقلب وفقًا للرؤية الصينية.
أسلوب القيادة: رسائل مباشرة ودروس سياسية
كما يسلط التقرير الضوء على نمط خاص في سلوك شي خلال اللقاءات الثنائية مع قادة الدول، حيث يميل إلى تقديم رسائل سياسية مباشرة، تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي التقليدي، ففي قمة مجموعة العشرين عام 2022، واجه رئيس الوزراء الكندي السابق، جاستن ترودو، متهمًا إياه بتسريب تفاصيل اجتماع خاص إلى وسائل الإعلام، محذرًا من أن غياب "الصدق والاحترام" سيجعل نتائج العلاقات الثنائية "غير قابلة للتوقع"، وتشير هذه الحادثة، بحسب التقرير، إلى أن شي ينظر إلى العلاقات الدولية من زاوية الانضباط السياسي والالتزام الصارم بقواعد غير معلنة.
أما رئيس الوزراء الكندي الحالي، مارك كارني، فقد نقل انطباعًا مختلفًا عن أول لقاء جمعه بالزعيم الصيني، حيث أمضى شي أكثر من عشر دقائق في تحديد قواعد العلاقة الثنائية، وهو ما فهمه كارني على أنه رسالة واضحة مفادها أن الانتقاد العلني للصين غير مقبول، وأن القضايا يجب أن تُطرح مباشرة خلف الأبواب المغلقة.
الصين واليابان: التوترات الإقليمية في خطاب مباشر
ويتطرق التقرير كذلك إلى لقاء جمع شي برئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، حيث أبدى الرئيس الصيني انزعاجًا واضحًا عند طرح ملف التوتر بين الصين واليابان، وخلال النقاش، حمّل شي اليابان المسؤولية الكاملة عن التصعيد، في أعقاب تصريحات من رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، بشأن احتمال الرد عسكريًا إذا تعرضت تايوان لهجوم صيني، ويرى التقرير أن هذا النمط يعكس حساسية الصين الشديدة تجاه ملف تايوان، ورفضها أي خطاب دولي تعتبره تدخلا أو تصعيديًا.
البعد الفلسفي في التفكير السياسي الصيني
وجاء في التقرير أيضا، أن هذا السلوك لا يمكن فصله عن تقاليد سياسية وثقافية عميقة في الصين، حيث يُنظر إلى الزعيم الأعلى بوصفه أكثر من مجرد مسؤول إداري، بل كرمز فلسفي يمثل امتدادًا لحضارة ممتدة عبر قرون، ونقلت الصحيفة عن الباحثة، زوي ليو، من مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك قولها إن القائد الصيني يُنظر إليه في بعض الأوساط باعتباره "ابن السماء"، وهو توصيف تاريخي يحمل دلالات روحية وسياسية في آن واحد، ويعكس فكرة الحاكم الحكيم المنشغل بالقضايا الكبرى.
نقاشات أعمق: الفرد والمجتمع في الرؤية الصينية
وتعود الصحيفة إلى زيارة أوباما لبكين عام 2014، حيث كشفت عن طبيعة النقاشات التي دارت بينه وبين شي خلف الأبواب المغلقة، فبدلًا من التركيز على ملفات أمنية تقليدية مثل بحر الصين الجنوبي أو التوازن العسكري في آسيا، اتجه الحوار إلى نقاشات فكرية حول العلاقة بين الفرد والمجتمع، والمقارنة بين النموذج الغربي القائم على الفردانية، والنموذج الكونفوشيوسي القائم على الجماعية، ويشير التقرير إلى أن هذا النوع من النقاشات يعكس اهتمام شي بالبعد النظري والفلسفي للسياسة، وليس فقط بآليات الحكم اليومية.
رؤية للنظام الدولي: تشكيك في الديمقراطيات
يبرز موقف شي من مستقبل الديمقراطيات الغربية، حيث نقل الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، عنه قوله إن "الديمقراطيات لا يمكن أن تستمر في القرن الحادي والعشرين"، لأنها تواجه صعوبة في بناء توافق وطني مستقر، وتُظهر هذه الرؤية، وفقًا للتقرير، قناعة لدى القيادة الصينية بتفوق النماذج السلطوية في تحقيق الاستقرار واتخاذ القرار، مقارنة بما تعتبره بطء الديمقراطيات وتناقضاتها الداخلية.
الصين وروسيا: تحالف الرؤية الكبرى
كما يتناول التقرير جانبًا من النقاشات بين شي والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والتي تعكس تقاربًا في الرؤية الجيوسياسية بين البلدين، ففي موسكو عام 2023، قال شي إن الصين وروسيا تقودان تغييرات لم يشهدها العالم منذ مئة عام، في إشارة إلى تحولات عميقة في النظام الدولي، وأشار التقرير إلى أحاديث غير رسمية بين الزعيمين تناولت موضوعات غير تقليدية، من بينها التطور في مجال التكنولوجيا الحيوية وإمكانية إطالة عمر الإنسان، حيث طرح شي تصورًا بأن البشرية قد تصل يومًا إلى متوسط عمر يبلغ 150 عامًا.
بين السياسة والفلسفة
يقدّم التقرير في مجمله صورة لزعيم صيني يتجاوز الدور التقليدي لرئيس دولة، ليظهر باعتباره شخصية تمزج بين السياسة والفلسفة، وبين إدارة الدولة ورؤية النظام العالمي، وبينما تعكس هذه الصورة وجهة نظر صحفية غربية، فإنها تفتح في الوقت نفسه نقاشًا أوسع حول طبيعة القيادة الصينية الحديثة، وحدود التداخل بين الأيديولوجيا والسياسة في رسم ملامح القرن الحادي والعشرين.

