بعد قمة ترامب وشي.. تايوان على صفيح ساخن
ملخص :
تتزايد في الأوساط السياسية والأمنية الأمريكية المخاوف من أن تؤدي التفاهمات الأخيرة بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ونظيره الصيني، شي جين بينغ، إلى تغيير خطير في موازين الردع بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وسط تحذيرات من أن بكين قد ترى في مواقف واشنطن الحالية فرصة مواتية لتوسيع نفوذها تجاه تايوان خلال السنوات المقبلة.
وبحسب تقرير نشره موقع "أكسيوس"، فإن عددا من المسؤولين والمستشارين المقربين من ترامب خرجوا من القمة الأخيرة في بكين بانطباعات وصفوها بـ "المقلقة"، معربين عن خشيتهم من أن تفسر الصين رسائل الإدارة الأمريكية الحالية باعتبارها مؤشرا على تراجع الالتزام الأمريكي التقليدي بحماية تايوان، الجزيرة التي تشكل مركزا محوريا لصناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات المتقدمة عالميا.
تايوان في قلب الصراع التكنولوجي العالمي
لا تنبع أهمية تايوان من موقعها الجيوسياسي فحسب، بل من دورها الحاسم في الاقتصاد الرقمي العالمي، إذ تعد المزود الرئيسي لأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، وعلى رأسها تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة والاتصالات الحديثة.
ووفقا للتقرير، حذر مستشارون في الدائرة المقربة من ترامب من أن الولايات المتحدة لا تمتلك حتى الآن الجاهزية الاقتصادية الكافية للتعامل مع أي اضطراب واسع في سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية، الأمر الذي قد ينعكس بصورة مباشرة على شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة، ويهدد مستقبل الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وترى هذه الأوساط أن أي مواجهة عسكرية أو حتى حصار صيني محتمل لتايوان قد يوجه ضربة قاسية للاقتصاد العالمي، في ظل الاعتماد المتزايد على المنتجات التكنولوجية القادمة من الجزيرة.
انطباعات مقلقة بعد قمة بكين
وأشار تقرير "أكسيوس" إلى أن ترامب أبدى إعجابا واضحا بحفاوة الاستقبال التي حظي بها خلال زيارته إلى بكين، غير أن بعض مساعديه اعتبروا أن المشكلة لا تكمن في أجواء القمة بحد ذاتها، بل في الرسائل السياسية التي قد تستخلصها القيادة الصينية من مواقف الرئيس الأمريكي.
ويخشى مسؤولون أمريكيون من أن تعتبر بكين سياسة ترامب الحالية فرصة لإعادة اختبار حدود النفوذ الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خاصة في ظل ما يصفه منتقدون بـ "الغموض المتزايد" تجاه الالتزامات الدفاعية الأمريكية التقليدية.
جون بولتون: ترامب يلعب لعبة خطيرة
وفي السياق ذاته، صعّد جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، من حدة انتقاداته لسياسة ترامب تجاه تايوان، محذرا في مقال نشرته صحيفة "تلغراف" من أن الرئيس الأمريكي "يلعب لعبة خطيرة" عبر تعامله مع ملف تسليح تايوان باعتباره ورقة تفاوضية مع الصين، موضحا أن شي جين بينغ افتتح لقاءاته مع ترامب بالتشديد على أن قضية تايوان تمثل "المسألة الأكثر حساسية" في العلاقات الصينية الأمريكية، محذرا من أن سوء إدارة هذا الملف قد يقود إلى صدام مباشر بين القوتين الأكبر في العالم.
وبعد القمة، أثارت تصريحات ترامب بشأن اعتبار مبيعات السلاح الأمريكية لتايوان "ورقة تفاوض ممتازة" قلقا واسعا داخل الدوائر المحافظة والأمنية الأمريكية، إذ رأى بولتون أن هذه التصريحات تمثل تحولا لافتا عن النهج الأمريكي التقليدي القائم على تعزيز الردع العسكري تجاه الصين.
التزامات أمريكية تاريخية تحت الاختبار
ويستند منتقدو سياسة ترامب إلى "قانون العلاقات مع تايوان" الذي أقره الكونغرس الأمريكي عام 1979، والذي يلزم واشنطن بتوفير الوسائل الدفاعية اللازمة للجزيرة بما يضمن قدرتها على حماية نفسها في مواجهة أي تهديدات خارجية.
ويرى بولتون أن أي تراجع عن هذه الالتزامات، أو حتى التلميح بإمكانية استخدامها كورقة مساومة سياسية، قد يُفسَّر داخل بكين باعتباره مؤشرا على ضعف الإرادة الأمريكية، ما قد يشجع القيادة الصينية على تصعيد ضغوطها العسكرية والسياسية ضد تايوان، معيدا التذكير بما يعرف بـ "الضمانات الست" التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، لتايوان عام 1982، والتي تضمنت تعهدا بعدم تحديد موعد لإنهاء مبيعات السلاح الأمريكية للجزيرة، وعدم الدخول في مفاوضات مع الصين بشأن تلك المبيعات.
غير أن بولتون اعتبر أن ترامب تعامل مع هذه التفاهمات التاريخية بخفة عندما أشار إلى أن "الثمانينيات أصبحت بعيدة جدا"، في تصريح أثار تساؤلات حول مدى التزام الإدارة الحالية بالثوابت الاستراتيجية الأمريكية في شرق آسيا.
تآكل الردع الأمريكي
ويرى مراقبون أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالتصريحات السياسية، بل بما قد تتركه من أثر على معادلة الردع الإقليمي، فالإدارات الجمهورية السابقة لطالما تبنت مبدأ "السلام عبر القوة" باعتباره أساسا لاحتواء الخصوم ومنع اندلاع النزاعات الكبرى.
لكنّ منتقدي ترامب يحذرون من أن تحويل ملف تسليح تايوان إلى أداة تفاوضية قد يبعث برسائل معاكسة تماما، مفادها أن واشنطن ربما لا تكون مستعدة لخوض مواجهة حقيقية دفاعا عن الجزيرة، الأمر الذي قد يدفع الصين إلى اختبار الموقف الأمريكي عبر فرض حصار بحري أو تنفيذ خطوات عسكرية تدريجية ضد تايوان.
قلق يتجاوز حدود الجزيرة
ولا تقتصر المخاوف الأمريكية على مستقبل تايوان وحدها، بل تمتد إلى تداعيات أوسع على شبكة التحالفات الدولية التي بنتها واشنطن طوال العقود الماضية.
فبحسب المقالين، بدأت دول حليفة للولايات المتحدة في آسيا وأفريقيا تطرح تساؤلات متزايدة بشأن مدى موثوقية الالتزامات الأمريكية، وما إذا كانت واشنطن ما تزال مستعدة للدفاع عن شركائها التقليديين، أم أن تلك الالتزامات أصبحت خاضعة لحسابات سياسية ومفاوضات آنية، ويرى محللون أن أي تراجع في صورة الردع الأمريكي قد يمنح الصين مساحة أوسع لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي، ليس فقط في مضيق تايوان، بل في مجمل منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
أزمة قد تعيد تشكيل النظام العالمي
ورغم أن ترامب لم يعلن رسميا أي تغيير في السياسة الأمريكية تجاه تايوان، فإن تصاعد الغموض حول طبيعة التفاهمات مع بكين يثير قلقا متناميا داخل واشنطن، خصوصا في ظل التنافس الاستراتيجي الحاد بين القوتين العظميين.
قد تكشف الأسابيع والأشهر المقبلة مزيدا من تفاصيل العلاقة بين ترامب وشي جين بينغ، إلا أن المخاوف الأساسية داخل الدوائر الأمريكية تتمثل في أن أي إشارات ضعف أو مساومة بشأن تايوان قد لا تبقى محصورة في حدود الجزيرة، بل قد تتطور إلى أزمة دولية واسعة تمس مستقبل التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية بأسرها.

