تصريحات ترامب المضللة حول المناخ وإعادة قراءة بيانات وزارة الطاقة
علا القارصلي
ملخص :
حسب تحليل استراتيجي ومعمق للمشهد السياسي في واشنطن، يبرز تقرير وزارة الطاقة الأمريكية (DOE) كأداة محورية وظفتها إدارة ترامب لتفكيك الأطر التنظيمية البيئية الراسخة، حيث سعى هذا التقرير المكون من مائة وخمسين صفحة إلى تقديم مسوغات علمية "بديلة" تهدف بالأساس إلى تقويض "قرار الخطر"الصادر في عام 2009م، وهو القرار الذي يمثل حجر الزاوية القانوني الذي يمنح وكالة حماية البيئة سلطة تقييد انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وقد زعم التقرير الحكومي المثير للجدل أن درجات الحرارة في الولايات المتحدة لا تتبع مساراً تصاعدياً ملموساً، كما شكك في حقيقة زيادة وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، مدعياً أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون قد يصب فعلياً في مصلحة الإنتاجية الزراعية، وهو طرح يتجاهل دائماً التعقيدات الفسيولوجية للنباتات التي تعاني من الإجهاد الحراري وتذبذب أنماط الأمطار.
إن الدوافع السياسية خلف هذا التحرك لم تكن خافية على المستشارين الدوليين، إذ استهدف التقرير توفير غطاء معرفي لتشريعات راديكالية مثل "قانون الجمال الكبير"الذي عمل على تجريف الإعفاءات الضريبية للطاقة النظيفة وفتح المحميات الطبيعية الحساسة للتنقيب عن الوقود الأحفوري، فضلاً عن كونه أداة ضغط استراتيجية لدفع المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي للتخلي عن أولويات المناخ، وبناءً على ذلك، فإن هذا الاستخدام المسيس للبيانات العلمية كان يهدف إلى شرعنة الانسحاب من اتفاقية باريس وتعزيز الهيمنة الأمريكية عبر الطاقة التقليدية، مما وضع المصداقية العلمية للمؤسسات الفيدرالية على المحك وأثار عاصفة من الردود التقنية الصارمة.
الرد العلمي الشامل والعميق
أشارت دراسة نقدية، وقع عليها 85 عالماً من كبار المختصين في فيزياء الغلاف الجوي والنمذجة المناخية، إلى أن تقرير وزارة الطاقة لا يمثل سوى "مهزلة علمية" تستهدف تضليل صناع القرار والجمهور على حد سواء، وقد صدرت هذه المراجعة في أربعمائة وأربعين صفحة بقيادة البروفيسور أندرو ديسلر من جامعة تكساس إيه آند إم والبروفيسور روبرت كوب من جامعة روتجرز، حيث فندت بدقة المنهجية الانتقائية التي اتبعتها الوزارة عبر الاعتماد على خمسة من "المخالفين" للتيار العلمي السائد، وهم جون كريستي وجوديث كاري وستيفن كونين وروس ماكيتريك وروي سبنسر، الذين اختيروا شخصياً لدعم استنتاجات محددة سلفاً تتصادم مع الحقائق المختبرية والميدانية.
ويحلل الخبراء في ردهم كيف أن التقرير الحكومي حاكى تكتيكات "تجار الشك" التي استخدمتها صناعة التبغ تاريخياً عبر تضخيم الثغرات البسيطة وتجاهل مراجعة الأقران، بل وصل الأمر إلى تقديم ادعاءات واهية حول تحمض المحيطات بزعم أن الحياة البحرية تطورت في بيئات حمضية قبل مليارات السنين، وهو ما وصفه العلماء بأنه طرح "غير ذي صلة" لأن الحياة المعقدة ومتعددة الخلايا لم تكن موجودة آنذاك، وبالتالي فإن مقارنة الظروف السحيقة بالأنظمة البيئية الحديثة الهشة تعد مغالطة منطقية ومنهجية كبرى، إن هذا الرد العلمي لم يكن مجرد تصحيح للأرقام، بل كان دفاعاً استراتيجياً عن نزاهة البحث العلمي في وجه الضغوط الجيوسياسية، ممهداً الطريق لفهم أعمق للجدل الدائر حول سيناريوهات الانبعاثات التي أصبحت مادة دسمة للاستغلال السياسي.
جدل سيناريوهات الانبعاثات الحادة
أطلق الرئيس ترامب تصريحات حادة عبر منصة "تروث سوشيال" يدعي فيها أن الأمم المتحدة اعترفت أخيراً بأن توقعاتها المناخية كانت "خاطئة تماماً"، مشيراً بالتحديد إلى سيناريو (RCP8.5) الذي طالما وصفه بأنه أداة ترويجية لأجندات سياسية معينة، إلا أن التحليل الفني الرصين يكشف عن خلط متعمد بين "تحديث النماذج" و"الاعتراف بالخطأ"، فسيناريو (RCP8.5) الذي صمم في عام 2011م لم يكن يهدف أبداً لتقديم نبوءة حتمية، بل كان يمثل "الحالة الأسوأ" لاستكشاف حدود المخاطر في حال استمر العالم في الاعتماد الكثيف على الفحم دون أي سياسات مناخية، وبفضل الطفرة التقنية التي خفضت تكاليف الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية، والتحولات الكبيرة في قطاع النقل الكهربائي، أصبح المسار المتطرف لهذا السيناريو أقل احتمالاً من الناحية الواقعية، ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني سقوط العلم، بل يعكس نجاحاً جزئياً للسياسات التي يحاول ترامب تقويضها، حيث أن انحراف الواقع عن السيناريو الأسوأ هو نتيجة لتدخلات بشرية واعية وليس خللاً في النماذج الفيزيائية، ومن الضروري جداً توضيح أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) لا تملك هذه السيناريوهات ولا تتحكم في تصميمها، بل يتم تطويرها عبر مشروع "مقارنة النماذج الموحد" (CMIP)، وهذا التمييز المؤسسي جوهري لفهم كيف يتم توظيف التحديثات العلمية الدورية كذريعة سياسية لإلغاء القوانين البيئية، مما يستدعي الغوص في الحقيقة الهيكلية لبناء هذه السيناريوهات بعيداً عن التشويه الإعلامي.
الحقيقة العلمية خلف الادعاءات
وحسب تحليل روجر بيلكي جونيور وعدد من الباحثين المتخصصين في تحليل السياسات العلمية فإن بناء السيناريوهات المناخية داخل دورات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ قد شابته عيوب هيكلية منذ البداية، تتعلق بمدى واقعية الافتراضات الاقتصادية والجيولوجية إذ اعتمد سيناريو (RCP8.5) على فرضية مفرطة في التفاؤل بشأن احتياطيات الفحم القابلة للاستخراج تقنياً واقتصادياً مفترضاً زيادة استهلاكه بمعدل خمسة أضعاف بحلول نهاية القرن، وهو ما يتصادم مع الواقع الميداني لاحتياطيات الطاقة العالمية والتحولات الجيوسياسية نحو بدائل أقل كربوناً كما أن هذا السيناريو تطلب افتراضات مستبعدة بشأن تباطؤ التحسينات التكنولوجية في مجالي الرياح والطاقة الشمسية لضمان هيمنة الفحم على مزيج الطاقة العالمي.
وبناء عليه فإن اعتبار هذا المسار هو "العمل المعتاد" كان خطأً منهجياً ساهم في خلق فجوة بين التوقعات الأكاديمية والواقع التجاري والطاقي، ومع ذلك فإن تراجع احتمالية هذا السيناريو الكارثي لا يعني بأي حال من الأحوال أن الكوكب قد أصبح في أمان تام لأن البيانات المحدثة تشير بوضوح إلى أن العالم لا يزال يتجه نحو احترار يتراوح بين درجتين ونصف وثلاث درجات مئوية وهو مستوى تصفه الأمم المتحدة بأنه كارثي بامتياز، ويؤدي إلى اضطرابات حادة في النظم البيئية والمناخية العالمية تجعل من الكوارث الطبيعية واقعاً متكرراً وصعب المراس، ومما يزيد من تعقيد المشهد أن النماذج الحديثة تظهر أن الحساسية المناخية لبعض الغازات قد تكون أعلى مما كان يعتقد سابقاً مما يعني أن الوصول إلى درجات حرارة مرتفعة قد يحدث حتى مع مستويات انبعاثات متوسطة نتيجة التفاعلات الارتدادية في نظام الأرض وهذا الواقع العلمي الصارم يفرض علينا تجاوز الجدل السياسي حول دقة السيناريوهات المتطرفة والتركيز على التهديدات الوشيكة التي ترسمها التوقعات القريبة المدى لعام ألفين وستة وعشرين وما يليه.
توقعات المناخ
أشارت دراسة استشرافية لخبراء الأرصاد الجوية والمناخ إلى أن عام 2026م يمتلك احتمالية عالية جداً ليصبح العام الأشد سخونة في تاريخ السجلات المناخية، أو على الأقل ثاني أشد الأعوام حرارة، نتيجة التزامن النادر والمقلق بين ظاهرة "النينيو" القوية المتطورة في المحيط الهادئ والاتجاه التصاعدي للاحتباس الحراري الناتج عن النشاط البشري، ولم تعد هذه التوقعات مجرد أرقام في نماذج حاسوبية، بل بدأت تترجم ميدانياً إلى كوارث ملموسة، حيث شهدنا بالفعل حرائق غابات في كندا التهمت مساحات قياسية وفيضانات مدمرة في باكستان وكولومبيا أدت إلى نزوح مئات الآلاف وفقدان أرواح بريئة.
إن هذا التداخل الخطير يعني أن الظواهر الطبيعية التي كانت تحدث مرة كل قرن أصبحت الآن حقائق يومية تهدد استقرار سلاسل إمداد الغذاء العالمية وتضغط بعنف على اقتصادات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، ويحلل المستشارون الدوليون هذا الوضع بوصفه "الواقع الجديد" الذي يتطلب استراتيجيات تكيف جذرية، فارتفاع حرارة سطح البحر الذي سجل مستويات قياسية في أبريل من هذا العام ينذر بمواسم أعاصير أكثر عنفاً وتدميراً، مما يضع البنية التحتية الساحلية في مواجهة اختبار وجودي، إن العلم لا يتحدث هنا عن احتمالات بعيدة، بل عن مسارات شبه مؤكدة في ظل استمرار حرق الوقود الأحفوري الذي يجعل من "النينيو" محفزاً لانفجارات حرارية غير مسبوقة، وهذه المؤشرات المقلقة تظهر بوضوح تام عند مراقبة الحالة الحرجة للأقطاب التي تمثل صمام الأمان الأخير لكوكبنا.

