تحولات مقلقة داخل حلف الناتو.. أوروبا تبحث عن "خطة بديلة" وسط تراجع الثقة بواشنطن
ملخص :
سلطت مجلة "الإيكونوميست" الضوء على تصاعد القلق الأوروبي من التحولات المتسارعة في السياسة العسكرية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه القارة الأوروبية، معتبرة أن القرارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض بدأت تهز إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها المنظومة الأمنية الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والمتمثلة في الضمانة الأمريكية لأمن حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي تقرير حمل عنوان "خطة أوروبا السرية البديلة عن الناتو"، كشفت المجلة أن عدداً من الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف بدأ بالفعل مناقشات مكثفة لصياغة ترتيبات دفاعية بديلة تحسباً لاحتمال تراجع الالتزام العسكري الأمريكي تجاه أوروبا، أو حتى شلل آليات الحلف في حال قررت واشنطن تعطيل أي تحرك جماعي ضد روسيا.
قلق أوروبي من تغيّر العقيدة الأمنية الأمريكية
وبحسب التقرير، فإن المخاوف الأوروبية لم تعد مجرد هواجس سياسية، بل تحولت إلى نقاشات استراتيجية جدية داخل المؤسسات العسكرية والدفاعية في القارة، خصوصاً بعد قرارات إدارة ترامب المتعلقة بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وإلغاء بعض عمليات الانتشار، إلى جانب تصريحاته المتكررة التي شككت في جدوى المادة الخامسة من ميثاق الناتو الخاصة بالدفاع المشترك.
وترى المجلة أن هذه التطورات دفعت عدداً من العواصم الأوروبية إلى التفكير، للمرة الأولى منذ عقود، في سيناريوهات مواجهة عسكرية محتملة من دون الولايات المتحدة، بل وحتى خارج البنية القيادية التقليدية للحلف التي ظلت تعتمد بصورة شبه كاملة على القيادة الأمريكية منذ تأسيس الناتو.
شمال وشرق أوروبا في صدارة التحرك
وأشار التقرير إلى أن دول شمال وشرق أوروبا تتصدر الجهود الرامية لبناء إطار دفاعي بديل، في ظل شعورها بأنها الأكثر عرضة للتهديدات الروسية المباشرة، والأكثر حاجة إلى ردع سريع وفعّال.
وتتمحور التصورات المطروحة حول تحالف يضم دول البلطيق والدول الإسكندنافية إلى جانب بولندا، باعتبارها ترى أن أي تراجع أمريكي في الالتزامات الأمنية قد يفتح الباب أمام اختلال خطير في ميزان القوى داخل القارة الأوروبية، وتعتقد هذه الدول أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد خياراً مضموناً في ظل التغيرات السياسية داخل واشنطن، ما يدفعها إلى البحث عن ترتيبات دفاعية أكثر استقلالية ومرونة.
"القوة الاستكشافية المشتركة" كنواة لتحالف جديد
ومن بين أبرز الهياكل المطروحة، يبرز تحالف عسكري تقوده المملكة المتحدة تحت اسم "القوة الاستكشافية المشتركة"، ويضم عشر دول معظمها من شمال أوروبا ومنطقة البلطيق.
وتوضح "الإيكونوميست" أن أهمية هذا التحالف تكمن في امتلاكه بنية عملياتية مستقلة نسبياً عن الناتو، تشمل مقر قيادة دائماً، وشبكات اتصالات خاصة، إضافة إلى قدرات استخباراتية ولوجستية تمنحه هامش تحرك سريع في حالات الطوارئ، حتى في حال غياب توافق كامل داخل الحلف الأطلسي.
وترى المجلة أن هذا النموذج قد يشكل بديلاً عملياً لتجاوز إحدى أبرز نقاط ضعف الناتو، والمتمثلة في قدرة أي دولة عضو على تعطيل تفعيل آلية الدفاع الجماعي، بينما يتمتع هذا التحالف بمرونة أكبر تسمح له بالتحرك وفق ترتيبات أقل تعقيداً وأسرع استجابة.
تحديات بنيوية أمام "الخطة البديلة"
ورغم تنامي الحديث الأوروبي عن بناء مظلة دفاعية بديلة، تؤكد المجلة أن هذه الخطط لا تزال تواجه عقبات جوهرية قد تحد من فعاليتها على المدى القريب، ويأتي في مقدمة هذه التحديات محدودية القدرات العسكرية البريطانية مقارنة بحجم التهديدات الأمنية المحتملة، إضافة إلى غياب قوى أوروبية رئيسية مثل فرنسا وألمانيا وبولندا عن الهيكل المركزي للتحالف المقترح، ما يضعف قدرته على التحول إلى بديل استراتيجي متكامل للناتو.
كما تشير المجلة إلى أن أوروبا ما تزال تعاني من فجوات كبيرة في مجالات التسليح والقيادة الموحدة والدعم اللوجستي، وهي عناصر ظلت لعقود مرتبطة بصورة أساسية بالبنية العسكرية الأمريكية.
ترامب والناتو.. رؤية تجارية للأمن الجماعي
ويربط التقرير التحول الأوروبي المتسارع بنظرة دونالد ترامب التقليدية إلى حلف الناتو، إذ يرى الرئيس الأمريكي منذ سنوات أن بلاده تتحمل أعباء مالية وعسكرية غير متوازنة مقارنة بما يقدمه الحلفاء الأوروبيون، وتوضح "الإيكونوميست" أن ترامب يتعامل مع الحلف بمنطق "المعاملات التجارية"، معتبراً أن استمرار الحماية الأمريكية لأوروبا يجب أن يقابله رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي وتقاسم أكبر للأعباء العسكرية.
لكن المجلة ترى أن توقيت هذه السياسات يثير قلقاً واسعاً داخل أوروبا، خاصة في ظل البيئة الأمنية المعقدة التي تعيشها القارة حالياً، مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية.
سحب القوات الأمريكية يفاقم المخاوف الأوروبية
وكان ترامب قد أعلن في وقت سابق سحب نحو خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، مع تلميحات بإمكانية تقليص إضافي للوجود العسكري الأمريكي في دول أوروبية أخرى، ويربط مراقبون هذه الخطوات بحالة الاستياء داخل الإدارة الأمريكية من محدودية الدعم الأوروبي في بعض الملفات الدولية، إلى جانب الخلافات المتكررة بين واشنطن وعدد من الحلفاء الأوروبيين حول الإنفاق الدفاعي.
وترى المجلة أن هذه الإجراءات عززت القناعة داخل أوروبا بأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية بات ينطوي على مخاطر استراتيجية متزايدة، خصوصاً في حال تزامن أي تراجع أمريكي مع تصعيد روسي محتمل في شرق أوروبا.
أوروبا أمام مرحلة أمنية جديدة
ويخلص التقرير إلى أن النقاشات الأوروبية الحالية تعكس تحولاً عميقاً في التفكير الاستراتيجي داخل القارة، حيث باتت فكرة بناء إطار دفاعي أوروبي أكثر استقلالاً تحظى بقبول متزايد داخل الدوائر السياسية والعسكرية، وتشير المجلة إلى قناعة متنامية لدى صناع القرار الأوروبيين بأن “الردع القائم على حليف قد لا يحضر وقت الحرب، لا يمكن اعتباره ردعاً حقيقياً”، في إشارة إلى تراجع الثقة المطلقة بالدور الأمريكي التقليدي في ضمان أمن أوروبا.
وبحسب "الإيكونوميست"، فإن القارة الأوروبية قد تكون مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل شاملة لبنيتها الأمنية، في ظل عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب وتراجع اليقين بشأن استمرار الدور الأمريكي بوصفه الضامن الأول لأمن الغرب.

