كيف أنقذت إستراتيجية "الإكراه الثلاثي" إيران؟.. قراءة تحليلية لسلوك طهران في الحرب
ملخص :
بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب، تشير التطورات الميدانية والسياسية إلى أن النظام الإيراني نجح في تفكيك أحد أبرز الفرضيات التي قامت عليها الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، والمتمثلة في إمكانية حسم المواجهة خلال فترة قصيرة، فبدلًا من انهيار سريع أو رضوخ تحت ضغط الضربات الأولية الموجعة، تمكنت طهران من امتصاص صدمة الاغتيالات والاستهدافات المبكرة، رغم ما تكبدته من خسائر كبيرة، قبل أن تعيد تموضعها ضمن استراتيجية تقوم على "حرب استنزاف طويلة النفس"، وبحسب تقديرات تحليلية متقاطعة، فإن هذا التحول لم يغيّر فقط طبيعة المواجهة، بل أعاد رسم حدود الاشتباك الإقليمي، بحيث بات من الصعب على أي طرف، حتى الأكثر تفوقًا عسكريًا، فرض نهاية حاسمة للصراع.
تصعيد متبادل وتهديدات بتوسيع نطاق الحرب
وفي ظل تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتجديد العمليات العسكرية ضد إيران في حال تعثر المسار التفاوضي، صعّد الحرس الثوري الإيراني لهجته، ملوّحًا بتوسيع نطاق الحرب خارج حدود المنطقة، حيث قال الحرس الثوري في بيان نشر اليوم الأربعاء، إن "تكرار العدوان سيؤدي إلى امتداد الحرب إلى ما وراء المنطقة"، مضيفًا أن "التهديدات الأمريكية والإسرائيلية لن تغيّر من واقع الميدان، والرد سيكون في ساحات القتال لا في البيانات أو الحسابات الافتراضية"، ويعكس هذا الخطاب تصاعدًا في منسوب المواجهة السياسية والعسكرية، بالتوازي مع استمرار حالة الغموض التي تحيط بمسار التهدئة أو التصعيد.
مضيق هرمز: نقطة الارتكاز الاستراتيجية
منذ منتصف مارس/آذار، فرضت التطورات الميدانية واقعًا جديدًا في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، حيث باتت إيران تمارس تأثيرًا مباشرًا على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية.
هذا الواقع، وفق تقديرات خبراء، منح طهران ورقة ضغط اقتصادية واستراتيجية بالغة الحساسية، إذ لم يقتصر تأثيرها على تعطيل الشحن البحري ورفع تكاليف التأمين والطاقة، بل امتد ليقيد أيضًا حرية حركة القوى الغربية في إدارة ملف الطاقة الإيراني، كما ساهم هذا الوضع في إدخال الاعتبارات الخليجية بشكل مباشر في حسابات الردع، وهو ما انعكس على قرارات أمريكية وإسرائيلية مرتبطة بتوسيع نطاق العمليات في ساحات أخرى.
استراتيجية "الإكراه غير المباشر" وتوسيع ساحة الاشتباك
يرى محللون أن إيران اعتمدت خلال هذه الحرب على مقاربة استراتيجية تُعرف في أدبيات نظرية الألعاب بـ "الإكراه الثلاثي"، أي استهداف طرف ثالث أضعف، لكنه شديد الارتباط بالخصم الأقوى اقتصاديًا واستراتيجيًا، وبحسب هذا التصور، فإن طهران لم تركز فقط على المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل وسّعت دائرة الضغط لتشمل دول الخليج، بوصفها الحلقة الأكثر حساسية في منظومة الطاقة العالمية، والأكثر تأثيرًا على استقرار الأسواق الدولية.
هذا التحول، سمح لإيران بتحويل نقاط ضعفها العسكرية النسبية إلى أدوات ضغط غير مباشرة على خصومها، عبر تهديد مصالحهم الاقتصادية الحيوية بدلًا من خوض مواجهة تقليدية غير متكافئة.
هجمات متبادلة وتوازن ردع هش
شهدت الأسابيع الأولى من التصعيد عمليات استهداف متبادلة شملت منشآت مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية الحيوية، فبعد استهداف منشآت في جنوب إيران، جاء الرد الإيراني عبر ضربات طالت منشآت غاز في المنطقة، بينها مواقع في قطر، إلى جانب هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مصافي في السعودية والكويت.
هذه الضربات أسست لمعادلة ردع جديدة، مفادها أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية سيقابله رد مماثل في دول الخليج، ما أدى إلى رفع كلفة التصعيد على جميع الأطراف.
من التصعيد العسكري إلى "ردع داخل الحرب"
أدت الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ بدء الحرب، ما أضاف بعدًا اقتصاديًا ضاغطًا على الدول الغربية، وأسس هذا التطور لما يُعرف بـ "الردع داخل الحرب"، أي خلق قواعد اشتباك غير معلنة تُجبر الأطراف على ضبط سقف التصعيد، حتى في ظل استمرار العمليات العسكرية، وبعد هذه المرحلة، شهدت الساحة تحركات دبلوماسية مفاجئة، حيث دخلت الأطراف في مسار تفاوضي، تخلله إعلان عن وقف لإطلاق النار في 8 أبريل، رغم استمرار التوتر حول ملف الممرات البحرية.
أزمة مضيق هرمز بين الإغلاق الجزئي والضغط الدولي
منذ وقف إطلاق النار، بقيت قضية إعادة فتح مضيق هرمز محورًا رئيسيًا في المشهد السياسي والعسكري، ورغم محاولات أمريكية للضغط باتجاه استئناف الملاحة الطبيعية، بما في ذلك فرض قيود مؤقتة على حركة الشحن، فإن هذه الإجراءات لم تحقق اختراقًا حقيقيًا.
وفي تطور لافت، أعلنت واشنطن لاحقًا عن عملية بحرية محدودة لمرافقة السفن، قبل أن يتم تقليصها سريعًا، ما ترك أكثر من ألف سفينة في حالة انتظار أو تعليق جزئي للحركة، ويشير مراقبون إلى أن هذا الوضع يعكس استمرار قدرة إيران على استخدام الموقع الجغرافي الحساس كأداة ضغط فعالة في مواجهة القوى الكبرى.
توازن جديد في الإقليم ورسائل تتجاوز الخليج
مع استمرار الأزمة، تسعى إيران إلى تثبيت معادلة تقوم على الاحتفاظ بسيطرة جزئية على الممر البحري، بما يضمن لها موقعًا تفاوضيًا دائمًا في أي تسوية مستقبلية، وبحسب تحليل صادر عن مراكز بحثية في لندن، فإن إطالة أمد السيطرة أو التأثير على الملاحة قد تمنح طهران دورًا "شرعيًا" في أي ترتيبات لإعادة فتح المضيق، بما يحولها من طرف مُستهدف إلى طرف مُشارك في إدارة الأزمة، وإن استمر هذا التحول فإنه قد يمنح إيران ما يشبه "بوليصة تأمين استراتيجية"، تقوم على القدرة على إعادة تفعيل ورقة المضيق في أي مواجهة مستقبلية.
انعكاسات على السياسة الأمريكية والردع العالمي
تطرح هذه التطورات تساؤلات أوسع حول فعالية أدوات الردع الأمريكية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، فبينما تحتفظ واشنطن بتفوق عسكري عالمي واضح، تكشف هذه الأزمة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضبط سلوك الخصوم، خاصة عندما يتمكنون من استهداف مصالح اقتصادية حيوية عبر أطراف ثالثة.
ولعل هذه التجربة قد تشجع أطرافًا دولية أخرى على اختبار استراتيجيات مشابهة، تقوم على الضغط غير المباشر بدل المواجهة المباشرة، وهو ما قد يعيد تشكيل مفهوم الردع في العلاقات الدولية خلال السنوات المقبلة.
حرب مفتوحة على قواعد جديدة
في المحصلة، لا تبدو الحرب الحالية مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل اختبارًا واسعًا لإعادة تعريف قواعد الصراع الإقليمي والدولي، فبينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فرض معادلة تفوق تقليدية، تعمل إيران على تحويل الجغرافيا الاقتصادية، خصوصًا مضيق هرمز، إلى أداة ضغط استراتيجية تعيد توزيع موازين القوة، ومع استمرار حالة التوتر، يبقى السؤال الأبرز مفتوحًا: هل تتجه المنطقة نحو تسوية مستدامة، أم نحو تثبيت نموذج جديد من "الردع المتبادل غير المباشر" الذي يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؟

