كيف تعصف سياسات ترامب بطموحات الهند ومودي؟
ملخص :
كشفت صحيفة "التلغراف البريطانية"، في تحليل اقتصادي وسياسي، عن تراجع ملحوظ في الطموحات الجيوسياسية والاقتصادية للهند، نتيجة ما وصفته بتأثيرات مباشرة للسياسات غير المتوقعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا سيما تداعيات تصعيده العسكري والتجاري في أكثر من ساحة دولية.
ويذهب التحليل، الذي أعدّه محرر الاقتصاد الدولي، هانس فان ليوين، إلى أن التحولات التي فرضتها إدارة ترامب، خصوصًا في ملف الحرب المتسعة في إيران واضطرابات أسواق الطاقة، شكّلت ضربة قوية لرؤية رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الذي كان يعوّل على عودة ترامب إلى البيت الأبيض كعامل داعم لتعزيز مكانة الهند الدولية، قبل أن تتحول هذه العودة إلى مصدر ضغط اقتصادي واستراتيجي على نيودلهي.
من ذروة سياسية إلى ضغوط اقتصادية متصاعدة
يشير التقرير إلى أن مودي كان قبل أسابيع قليلة يعيش واحدة من أقوى لحظاته السياسية، عقب انتصار انتخابي واسع عزز هيمنة حزبه "بهاراتيا جاناتا" على المشهد الداخلي، ما بدا وكأنه تمهيد لتسريع مشروعه الاستراتيجي "فيكست بهارات، ويعني "الهند المتقدمة"، هو رؤية وطنية أطلقتها الحكومة الهندية بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، ويهدف إلى تحويل الهند إلى دولة متقدمة وقوة اقتصادية عظمى بحلول عام 2047، وهو العام الذي يتزامن مع الذكرى المئوية لاستقلال.
غير أن التطورات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب في إيران وما رافقها من اضطرابات في مضيق هرمز، قلبت هذه التوقعات، بعدما انعكست بشكل مباشر على الاقتصاد الهندي الذي يعتمد بنسبة تقارب 87% على واردات الطاقة.
أزمة طاقة تضرب قلب الاقتصاد الهندي
بحسب التحليل، فإن تداعيات التوترات في الخليج أدت إلى اضطراب في تدفقات الطاقة العالمية، ما انعكس على الهند في صورة هروب رؤوس الأموال الأجنبية، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، كما دفعت هذه الضغوط وكالة "موديز" إلى خفض توقعات نمو الاقتصاد الهندي إلى نحو 6%، وهي نسبة، رغم إيجابيتها مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى، إلا أنها تبقى دون المستوى المطلوب لتحقيق طموح التحول إلى قوة اقتصادية عالمية خلال عقدين.
وفي هذا السياق، نقل التقرير عن تشيتيج باجباي، الباحث في معهد تشاتام هاوس، تأكيده أن تحقيق هدف "فيكست بهارات" يتطلب نموًا سنويًا مستدامًا لا يقل عن 8%، وهو معدل لم تتمكن الهند من بلوغه حتى في ظروف مستقرة نسبيًا.
تراجع الرهان على التحالف مع واشنطن
ويرى التقرير أن مودي كان يعوّل على ولاية ترامب الثانية لتعزيز موقع الهند في مواجهة الصين، إلا أن الواقع جاء معاكسًا، مع تصاعد الخلافات التجارية وفرض ضغوط جمركية متبادلة بين الجانبين.
والأكثر حساسية، بحسب التحليل، هو ما وصفه بتقارب مفاجئ بين واشنطن وكل من باكستان والصين، في وقت تلعب فيه إسلام آباد دورًا وسيطًا في بعض الملفات الإقليمية المرتبطة بإيران، بينما تمكنت بكين من إعادة صياغة علاقتها مع الإدارة الأمريكية نحو مستوى أقل عدائية.
تآكل الثقة بين واشنطن ونيودلهي
في السياق ذاته، اعتبر الدكتور والتر لادويغ، الباحث في "كينغز كوليدج لندن"، أن هذه التحولات أضعفت رصيد الثقة المتراكم بين الولايات المتحدة والهند خلال العقدين الماضيين، مشيرًا إلى أن الهند لا تزال في موقع المتأثر أكثر من كونها فاعلًا رئيسيًا في النظام الدولي.
تحديات بنيوية تعرقل مشروع "صنع في الهند"
يتناول التقرير أيضًا التحديات الداخلية التي تواجهها نيودلهي، حيث يشير إلى أن مبادرة "صنع في الهند" لم تحقق النتائج المرجوة، في ظل بقاء مساهمة القطاع الصناعي أقل بكثير من نظيره الصيني، لافتا إلى وجود فجوات هيكلية تتعلق بضعف الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والتعليم والبنية التحتية البشرية، إلى جانب القيود التي يفرضها النظام الفيدرالي الديمقراطي، والذي يحد من سرعة اتخاذ القرار الاقتصادي مقارنة بالنموذج الصيني المركزي.
سياسات تقشفية وضغوط على الداخل
أمام هذه التحديات، لجأت الحكومة الهندية إلى إجراءات تقشفية، شملت تقليص الإنفاق الرأسمالي، وفرض قيود على استيراد الذهب، الذي يُعد من أكبر واردات البلاد، إضافة إلى دعوات لتقليل الاستهلاك، كما رفعت نيودلهي الرسوم الجمركية على الذهب إلى 15%، في محاولة للحد من عجز ميزان المدفوعات وتعزيز احتياطي النقد الأجنبي، وفي موازاة ذلك، بدأت الحكومة تدريجيًا بتقليص الدعم المرتبط بأسعار الوقود، تحت ضغط ارتفاع فاتورة الدعم وتزايد العجز المالي.
نمو اقتصادي مهدد وطموح مؤجل
ورغم أن الهند ما تزال تسجل معدلات نمو إيجابية، فإن استمرار هذه الضغوط قد يفرض إعادة تقييم واسعة لأولويات الإنفاق، خصوصًا في قطاع البنية التحتية الذي يشكل ركيزة أساسية في رؤية مودي للنمو طويل الأمد، ويحذر التقرير من أن أي تقليص في هذا المجال قد ينعكس سلبًا على قدرة الهند في الحفاظ على زخمها الاقتصادي، وبالتالي تأخير مسارها نحو موقع القوة العالمية.
طموح كبير في بيئة دولية مضطربة
يخلص التحليل إلى أن ناريندرا مودي لا يزال يحتفظ بقبضة سياسية قوية داخليًا، إلا أن مشروعه لتحويل الهند إلى قوة عظمى يواجه اليوم قيودًا خارجية متزايدة، فرضتها التحولات في السياسة الأمريكية وحروبها المتشابكة وتحالفاتها المتغيرة، وفي ظل هذا المشهد الدولي شديد الاضطراب، تبدو طريق الهند نحو مصاف القوى الكبرى أكثر تعقيدًا وطولًا، مع بقاء العوامل الخارجية عنصرًا حاسمًا في رسم حدود طموحاتها المستقبلية.

