ترامب بين الهيمنة الحزبية والتراجع الوطني
ملخص :
أظهرت سلسلة تقارير وتحليلات نشرتها صحف ومواقع أمريكية بارزة، بينها صحيفة "نيويورك تايمز"، و"واشنطن بوست" وموقع "بوليتيكو"، عن تصاعد حالة الارتباك داخل المشهد السياسي الأمريكي، في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعزيز قبضته على الحزب الجمهوري، مقابل تراجع متزايد في مكانته على المستوى الوطني نتيجة تداعيات الحرب على إيران، وتنامي اتهامات الفساد، واتساع فجوة الانقسام داخل معسكره السياسي.
وتشير تلك التقارير إلى أن ترامب نجح في تحويل الحزب الجمهوري إلى كيان سياسي يقوم بدرجة كبيرة على الولاء الشخصي، إلا أن هذا النفوذ الداخلي المتنامي بات يقابله تصاعد في القلق الشعبي والسياسي من توجهاته، خاصة مع تفاقم الأزمات الاقتصادية واستمرار التوترات الخارجية.
اتهامات بترسيخ "الفساد السياسي"
في افتتاحية شديدة اللهجة، وصفت "نيويورك تايمز" ما اعتبرته واحدة من أخطر وقائع "الفساد الرئاسي" في التاريخ الأمريكي الحديث، مركزة على صندوق تعويضات بقيمة 1.8 مليار دولار أنشأته وزارة العدل الأمريكية عقب تسوية قانونية مرتبطة بتسريب السجلات الضريبية الخاصة بترامب.
الإدارة الأمريكية قدمت الصندوق باعتباره آلية لتعويض متضررين من "التسييس القضائي"، مؤكدة أن الهدف منه حماية الأفراد الذين تعرضوا -وفق وصفها- لملاحقات ذات دوافع سياسية، إلا أن منتقدين اعتبروا الخطوة محاولة لتوظيف المال العام في خدمة شبكة الولاءات السياسية المحيطة بالرئيس الأمريكي.
ورأت الصحيفة أن هذه القضية تعكس بوضوح السمات الأساسية لنهج ترامب السياسي، وفي مقدمتها السعي لتحقيق مكاسب شخصية، وتسييس مؤسسات إنفاذ القانون الفيدرالية، إضافة إلى مواصلة إعادة تشكيل الرواية السياسية المرتبطة بانتخابات عام 2020 وأحداث اقتحام الكونغرس في السادس من يناير/كانون الثاني 2021.
وأضافت الافتتاحية أن الإدارة الحالية باتت -بحسب وصفها- تكافئ شخصيات وحلفاء أظهروا استعدادًا لتحدي القانون أو ممارسة العنف السياسي دفاعًا عن الرئيس.
تسوية مثيرة للجدل وحصانة ضريبية
وتصاعد الجدل السياسي والإعلامي بعدما كشفت تقارير أمريكية أن التسوية القانونية الجديدة تمنح ترامب وعائلته حماية فعلية من مراجعات ضريبية كانت قد تكلّفه أكثر من 100 مليون دولار، وفق تقديرات خبراء ماليين وقانونيين، وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن المفاوضات الخاصة بالتسوية جرت في ظروف غير اعتيادية، إذ إن ممثلي الحكومة كانوا عمليًا يتفاوضون مع مسؤولين موالين للرئيس نفسه، ما أثار تساؤلات واسعة حول تضارب المصالح واستقلالية مؤسسات الدولة.
وزاد ترامب من حدة الجدل عندما علّق ساخرًا على القضية بالقول: "من المفترض أن أتفاوض على تسوية مع نفسي"، في تصريح اعتبره منتقدوه دليلاً على إدراكه لطبيعة الإشكالية القانونية والسياسية المحيطة بالقضية.
كما أعادت الصحيفة التذكير بتسويات سابقة وافقت عليها وزارة العدل لصالح شخصيات مقربة من ترامب، من بينها مستشاره السابق للأمن القومي مايكل فلين، معتبرة أن آلية التعويضات الجديدة قد تؤسس لمرحلة يتم فيها إضفاء غطاء قانوني رسمي على ممارسات المحاباة السياسية.
هيمنة كاملة على الحزب الجمهوري
في المقابل، رأت "واشنطن بوست" أن ترامب يعيش ما وصفته بـ "المفارقة السياسية"، إذ يتزامن تعاظم نفوذه داخل الحزب الجمهوري مع تراجع شعبيته لدى الناخبين المستقلين وقطاعات أوسع من الرأي العام الأمريكي، ووفق تحليل للكاتبة كارين تومولتي، فإن ترامب أعاد تشكيل الحزب الجمهوري بصورة غير مسبوقة، بحيث أصبح الولاء الشخصي للرئيس معيارًا أساسيًا داخل الحزب، متقدمًا على الاعتبارات الأيديولوجية أو البرامج التشريعية التقليدية.
وأظهرت الانتخابات التمهيدية الجمهورية الأخيرة حجم هذا النفوذ، خاصة في ولاية كنتاكي، حيث تمكن المرشح المدعوم من ترامب، الضابط السابق في القوات الخاصة البحرية، إد غالرين، من التفوق على النائب الجمهوري توماس ماسي، الذي يعد من أبرز الأصوات الجمهورية المنتقدة للرئيس داخل الكونغرس.
وترى الصحيفة أن هذه الانتصارات الحزبية قد تمنح ترامب نفوذًا أوسع داخل الحزب على المدى القصير، لكنها في الوقت ذاته قد تُضعف فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، خصوصًا مع تنامي الاستياء الشعبي من الأوضاع الاقتصادية والحرب على إيران.
تراجع بين المستقلين وتقدم للديمقراطيين
وأشارت استطلاعات رأي نقلتها وسائل إعلام أمريكية إلى تراجع واضح في شعبية ترامب بين الناخبين المستقلين، بالتزامن مع تصاعد القلق الشعبي من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، كما أظهر استطلاع أجرته "نيويورك تايمز" بالتعاون مع جامعة "سيينا" تفوقًا ملحوظًا للديمقراطيين من حيث الحماس للمشاركة الانتخابية، وهو مؤشر يثير قلق الجمهوريين مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتحدثت الصحيفة أيضًا عن تنامي الانزعاج داخل الحزب الجمهوري نفسه من بعض تحركات ترامب الأخيرة، لا سيما ما يتعلق بصندوق التعويضات وسياسة تصفية الحسابات السياسية التي يواصل اتباعها تجاه خصومه داخل الحزب وخارجه.
تمرد جمهوري بسبب الحرب على إيران
وفي السياق ذاته، كشف موقع "بوليتيكو" عن مؤشرات متزايدة على تصاعد التمرد داخل الحزب الجمهوري ضد سياسة ترامب تجاه إيران، خاصة مع استمرار الجدل حول الانخراط العسكري الأمريكي وتداعياته السياسية والاقتصادية، وذكر الموقع أن مجلسي النواب والشيوخ يشهدان تحركات تشريعية تهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس العسكرية، فيما قد يمثل أول انتكاسة سياسية كبيرة لترمب على خلفية الحرب.
وبحسب التقرير، انضم عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم قرارات تستند إلى "قانون صلاحيات الحرب"، الذي يفرض على الرئيس الحصول على موافقة الكونغرس للاستمرار في العمليات العسكرية الخارجية.
ويرى مراقبون أن هذا التطور يعكس اتساع الهوة داخل الحزب الجمهوري، خاصة بين التيار التقليدي المحافظ والجناح الشعبوي المرتبط بترامب.
سياسة الانتقام تهدد الأجندة الجمهورية
وأشار "بوليتيكو" إلى أن حملة ترامب المستمرة ضد خصومه السياسيين بدأت تلقي بظلالها على قدرة الحزب الجمهوري على تمرير أجندته التشريعية، خصوصًا بعد خسارة عدد من الجمهوريين المعارضين لترامب في الانتخابات التمهيدية.
وبحسب الموقع، فإن بعض هؤلاء السياسيين أصبحوا أكثر استعدادًا لمواجهة الرئيس علنًا خلال ما تبقى من ولاياتهم، في ظل تزايد القناعة داخل أوساط جمهورية بأن تركيز ترامب على تصفية الحسابات السياسية يأتي على حساب الملفات المعيشية والاقتصادية التي تشغل الناخب الأمريكي.
ونقل التقرير عن أحد الإستراتيجيين الجمهوريين وصفه انتصارات ترامب الأخيرة بأنها "هزائم ذاتية"، معتبرًا أن الرئيس بات مهووسًا بالانتقام السياسي أكثر من اهتمامه بمعالجة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة أو كسر الجمود التشريعي في واشنطن.
كما أشار التقرير إلى تصاعد التوتر بين البيت الأبيض والجمهوريين في الكونغرس حول ملفات عدة، من بينها قوانين الهجرة، والخلافات المتعلقة بالتمويل الحكومي، إضافة إلى مشاريع مثيرة للجدل تدفع بها الإدارة الأمريكية.
رئيس قوي حزبيًا.. ومتراجع وطنيًا
وفي المحصلة، ترسم التقارير الأمريكية صورة معقدة لرئيس يملك نفوذًا واسعًا داخل الحزب الجمهوري، لكنه يواجه في المقابل تراجعًا سياسيًا متناميًا على المستوى الوطني، فبينما يواصل ترامب إحكام سيطرته على المؤسسة الجمهورية وإقصاء الأصوات المعارضة داخلها، تتزايد الضغوط عليه بسبب تداعيات الحرب على إيران، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، والاتهامات المتصاعدة باستغلال مؤسسات الدولة لتحقيق مصالح سياسية وشخصية.
ويبدو أن هذه المعادلة تضع الحزب الجمهوري أمام اختبار بالغ الحساسية، بين الحفاظ على وحدة الحزب خلف ترامب، أو مواجهة مخاطر خسارة قطاعات أوسع من الناخبين الأمريكيين في الاستحقاقات المقبلة.

