تشابه إستراتيجي بين حرب إيران وفيتنام.. هل تعيد واشنطن إنتاج إخفاقاتها التاريخية؟
ملخص :
تتزايد المقارنات داخل الأوساط السياسية والفكرية الأمريكية بين الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران وتجربة الولايات المتحدة المريرة في فيتنام، في ظل تصاعد المؤشرات على تعثر الأهداف السياسية والعسكرية للحملة الحالية، واتساع تداعياتها الإقليمية والدولية.
ويرى المحلل السياسي الأمريكي، جدعون روز، في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز، أن أوجه الشبه بين الحربين لا ترتبط بالعوامل الجغرافية أو بالخلفيات الأيديولوجية، بقدر ما تتعلق بطبيعة المقاربة الإستراتيجية الأمريكية وآليات اتخاذ القرار في واشنطن خلال الأزمات الكبرى.
واعتبر روز، وهو خبير في مجلس العلاقات الخارجية وعمل سابقاً في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مرت خلال فترة قصيرة بالمراحل ذاتها التي شهدتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، ليندون جونسون، أثناء حرب فيتنام، بدءاً من التدخل العسكري، مروراً بالتصعيد، ثم الوصول إلى حالة الجمود، وصولاً إلى البحث عن مخرج تفاوضي.
من التصعيد إلى البحث عن مخرج
وبحسب روز، فإن الإدارة الأمريكية الحالية دخلت عملياً مرحلة شبيهة بتلك التي قادها الرئيس الأمريكي الأسبق، ريتشارد نيكسون، في مطلع سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأت واشنطن البحث عن تسوية تحفظ هيبتها السياسية وتخفف خسائرها بعد حرب استنزاف طويلة فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية.
ويستعيد الكاتب تجربة الولايات المتحدة في فيتنام خلال ستينيات القرن الماضي، حين دفعت المخاوف من سقوط سايغون بيد الشيوعيين إدارة جونسون إلى تعميق تدخلها العسكري تدريجياً، فعلى الرغم من الشكوك المتزايدة داخل المؤسسة الأمريكية بشأن فرص تحقيق انتصار حاسم، فإن واشنطن اعتقدت -آنذاك- أن تكثيف الضغوط العسكرية سيجبر هانوي على التراجع.
وبدأت الولايات المتحدة حينها بتقديم الدعم العسكري والاستشاري، قبل أن تنتقل إلى عمليات القصف الواسعة، ثم إرسال قوات برية بأعداد ضخمة، إلا أن فيتنام الشمالية واصلت تمسكها بأهدافها السياسية والعسكرية، رغم الفارق الهائل في القدرات العسكرية.
حرب استنزاف تستنزف الداخل الأمريكي
ومع حلول عام 1968، تحولت حرب فيتنام إلى عبء ثقيل على الولايات المتحدة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية وارتفاع أعداد القتلى الأمريكيين، ما دفع إدارة جونسون إلى تسليم الملف المعقد إلى إدارة نيكسون.
ويرى روز أن الحرب الحالية ضد إيران تسير وفق المسار ذاته تقريباً، فبعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني عام 2025، برزت مخاوف متزايدة داخل واشنطن من قدرة طهران على إعادة بناء بنيتها العسكرية واستئناف مشروعها النووي.
فشل الرهان على إسقاط النظام
لكن الكاتب يؤكد أن الحملة العسكرية لم تحقق غايتها السياسية الرئيسية، إذ تمكن النظام الإيراني من الحفاظ على تماسكه ومواصلة عمل مؤسساته بقيادة مجتبى خامنئي.
وفي المقابل، ردّت طهران عبر تصعيد الضغوط الاقتصادية والأمنية، من خلال تعطيل الملاحة البحرية في الخليج وإثارة اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، بعدما فرضت قيوداً على حركة المرور في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الإستراتيجية لتجارة النفط العالمية.
ويشير روز إلى أن ترامب انتقل لاحقاً من سياسة التصعيد العسكري التقليدي إلى نهج يقوم على الضغط النفسي والتهديدات المكثفة، في مقاربة تشبه ما عُرف خلال عهد نيكسون بـ "نظرية الرجل المجنون"، وهي الإستراتيجية التي اعتمدها نيكسون، ووزير خارجيته، هنري كيسنجر، لمحاولة إخضاع فيتنام الشمالية عبر إظهار استعداد واشنطن للذهاب إلى أقصى درجات التصعيد، غير أن هذه السياسة أخفقت آنذاك، لأن القيادة الفيتنامية كانت تعتقد أن بإمكانها استنزاف الولايات المتحدة سياسياً ونفسياً حتى تتراجع عن أهدافها.
طهران تراهن على الصمود الطويل
وبحسب الكاتب، تتبنى إيران اليوم المنهج ذاته، إذ لم تنجح التهديدات الأمريكية أو المفاوضات غير المباشرة، التي ترعاها باكستان، في انتزاع تنازلات جوهرية من طهران، التي تبدو مقتنعة بأن إطالة أمد المواجهة قد تدفع واشنطن في النهاية إلى تخفيف مطالبها والبحث عن تسوية أقل كلفة.
ويتوقع روز أن تنتهي الحرب الحالية باتفاق يشبه إلى حد بعيد اتفاق باريس 1973، الذي أنهى التدخل العسكري الأمريكي المباشر في فيتنام، عبر تسوية توقف العمليات العسكرية وتعيد فتح طرق التجارة والملاحة، لكنها تؤجل القضايا الجوهرية المرتبطة بمستقبل البرنامج النووي الإيراني وطبيعة النظام السياسي في طهران.
نمط أمريكي متكرر
ويخلص الكاتب إلى أن التجربة الإيرانية تعيد إظهار نمط متكرر في السياسة الخارجية الأمريكية، يقوم على الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر على فرض تحولات سياسية كبرى بسرعة، قبل أن تتحول التدخلات العسكرية إلى حروب استنزاف طويلة تنتهي غالباً عبر التفاوض والانسحاب، دون تحقيق الأهداف الأصلية التي انطلقت من أجلها الحرب.
ويرى أن هذا المسار يعكس فجوة مزمنة بين القوة العسكرية الأمريكية الهائلة وبين قدرتها على إنتاج نتائج سياسية مستقرة في النزاعات المعقدة، خصوصاً عندما تواجه خصوماً يعتمدون على الصمود طويل الأمد واستنزاف الإرادة السياسية لواشنطن.

