سؤال الحرب المؤجل: لماذا بقي الرئيس الأوكراني خارج دائرة الاغتيال؟
ملخص :
بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، يبرز سؤال جوهري في أوساط المراقبين وصناع القرار: لماذا لم تلجأ موسكو إلى تصفية الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أو استهداف الدائرة السياسية والعسكرية الضيقة المحيطة به، رغم أن هذا الخيار طُرح مراراً داخل الأوساط الروسية باعتباره وسيلة قد تُضعف تماسك الدولة الأوكرانية وتسرّع إنهاء الحرب؟
بالنسبة لكثير من النخب السياسية والأمنية في روسيا، كان استهداف رأس السلطة في كييف قادراً على إرباك منظومة القيادة الأوكرانية، وتعميق الانقسامات الداخلية، وفرض معادلة سياسية جديدة على المجتمع الدولي، غير أن الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يقود روسيا منذ أكثر من ربع قرن، امتنع عن اتخاذ مثل هذا القرار رغم امتلاكه الأدوات العسكرية والاستخباراتية اللازمة لذلك.
سجل طويل من المواجهات مع الخصوم
خلال سنوات حكمه، ارتبط اسم بوتين بسلسلة من الأحداث التي طالت شخصيات معارضة أو مناوئة للكرملين، فمن الرئيس الشيشاني السابق، أصلان مسخادوف، الذي قُتل خلال الحرب الشيشانية الثانية عام 2005، إلى الضابط السابق، ألكسندر ليتفينينكو، ورجل الأعمال، بوريس بيريزوفسكي، والسياسي المعارض، بوريس نيمتسوف، وصولاً إلى قائد مجموعة "فاغنر"، يفغيني بريغوجين، ثم المعارض البارز، ألكسندر نافالني.
ورغم نفي الكرملين المستمر أي صلة له بمصير معظم هذه الشخصيات، فإن صورة روسيا في الخارج ارتبطت دائماً بقدرتها على ملاحقة خصومها وإسكات الأصوات التي تشكل تحدياً مباشراً للسلطة، من هنا، تبدو المفارقة واضحة: إذا كانت موسكو قادرة على التعامل بحزم مع خصومها، فلماذا لم تتخذ موقفاً مماثلاً تجاه الرجل الذي يقود الحرب ضدها منذ سنوات؟
دعوات مبكرة لتصفية القيادة الأوكرانية
منذ الأشهر الأولى للحرب، برز تيار داخل المؤسسات السياسية والعسكرية الروسية يدعو إلى توجيه ضربة مباشرة للقيادة الأوكرانية، معتبراً أن إطالة أمد الحرب ناتجة عن الإحجام عن اتخاذ هذا القرار.
وتزايدت هذه الدعوات بعد محطات اعتُبرت محرجة لموسكو، خصوصاً عقب الهجوم بالطائرات المسيّرة على الكرملين عام 2023، وكذلك بعد التوغل الأوكراني المفاجئ داخل منطقة كورسك الروسية، والذي استغرق إنهاؤه أشهراً طويلة وكلف روسيا جهوداً عسكرية كبيرة.
وفي ذروة تلك الضغوط، دعا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، إلى التصفية الجسدية لزيلينسكي وطاقمه السياسي، معتبراً أن ذلك يمثل الخيار الوحيد المتبقي أمام روسيا بعد استهداف الكرملين، كما وصف رئيس مجلس الدوما، فياتشيسلاف فولودين، الرئيس الأوكراني بأنه "إرهابي دولي"، مطالباً باستخدام وسائل قادرة على إنهاء ما وصفه بـ "النظام الإرهابي" في كييف.
لماذا تردد الكرملين؟
رغم تصاعد الأصوات المطالبة بالحسم، فإن القيادة الروسية فضّلت اعتماد مقاربة مختلفة، استندت إلى حسابات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز ساحة المعركة الأوكرانية، ويرى خبراء أن موسكو استخلصت دروساً مهمة من تجاربها السابقة، وعلى رأسها الحرب الشيشانية، فاغتيال مسخادوف لم يؤدِ إلى إنهاء التمرد، بل ساهم في صعود قيادات أكثر تشدداً وأقل استعداداً للتفاوض، ما أطال أمد الصراع وأدخل المنطقة في مرحلة أكثر تعقيداً.
وانطلاقاً من هذه التجربة، خشي الكرملين من أن يؤدي اغتيال زيلينسكي إلى نتائج معاكسة، عبر إنتاج قيادة أكثر تطرفاً أو فتح الباب أمام فوضى سياسية يصعب احتواؤها.
خطر صناعة "بطل قومي"
ومن أحد أبرز الاعتبارات التي دفعت موسكو إلى تجنب هذا الخيار يتمثل في الخشية من تحويل زيلينسكي إلى رمز وطني خالد في الذاكرة الأوكرانية، فمقتله خلال الحرب كان سيمنحه مكانة تاريخية استثنائية، ويجعله رمزاً للمقاومة ضد روسيا لعقود طويلة، كما كان سيعزز وحدة المجتمع الأوكراني ويمنح الغرب مادة سياسية وأخلاقية قوية لتوسيع دعمه لكييف.
لذلك، بدا بالنسبة إلى بعض دوائر القرار الروسية أن الإبقاء على زيلينسكي في موقعه، مع تعريضه لضغوط سياسية واقتصادية متواصلة، أكثر فائدة من تحويله إلى "شهيد وطني" يصعب منافسة رمزيته.
استراتيجية الاستنزاف بدل الاغتيال
اعتمدت موسكو، وفق هذا المنطق، سياسة تقوم على استنزاف زيلينسكي سياسياً وإضعاف صورته الداخلية بدلاً من تصفيته جسدياً، وتراهن روسيا على أن استمرار الأزمات الاقتصادية والعسكرية، وتفاقم الاتهامات المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة، إضافة إلى الجدل المتواصل بشأن تأجيل الانتخابات الرئاسية بعد انتهاء الولاية الدستورية للرئيس الأوكراني في مايو 2024، كلها عوامل تؤدي تدريجياً إلى تآكل شعبيته.
وبالنسبة للكرملين، فإن رئيس يواجه انتقادات داخلية ويعتمد بصورة متزايدة على الدعم الغربي، يبقى خياراً أفضل من قائد يتحول إلى رمز تاريخي يوحّد المجتمع الأوكراني ضد روسيا.
تغير المزاج الغربي تجاه زيلينسكي
كما ساهم عامل آخر في تعزيز هذا التوجه يتمثل في التحولات التي شهدتها بعض العواصم الغربية في نظرتها إلى الرئيس الأوكراني، فالعلاقة بين زيلينسكي والإدارة الأميركية الحالية لا تبدو مشابهة لتلك التي كانت قائمة مع الإدارة السابقة، وقد صدرت عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تصريحات متكررة اعتبر فيها أن الرئيس الأوكراني أصبح عقبة أمام جهود التسوية، داعياً إلى إجراء انتخابات جديدة تمنح الشعب الأوكراني فرصة اختيار قيادته المقبلة.
وفي الوقت ذاته، تزايد الحديث في أوساط دبلوماسية عن ترتيبات محتملة لمرحلة ما بعد الحرب، تتضمن إعادة تشكيل المشهد السياسي الأوكراني عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة.
حسابات الجوار السوفياتي السابق
لا تقتصر حسابات موسكو على أوكرانيا وحدها، بل تمتد إلى مجمل الفضاء السوفياتي السابق، فاستهداف القيادة الأوكرانية بشكل مباشر كان قد يُفسر في جمهوريات الجوار باعتباره رسالة تهديد للدول التي تسعى إلى اتباع سياسات مستقلة عن روسيا، ما قد يدفعها إلى مزيد من الابتعاد عن موسكو والارتماء في أحضان الغرب.
وتدرك القيادة الروسية أن نماذج مثل أذربيجان وأرمينيا وجورجيا وبعض دول آسيا الوسطى تراقب تطورات الحرب الأوكرانية عن كثب، وتبني سياساتها المستقبلية على أساس نتائجها وتداعياتها.
هل تقترب موسكو من تغيير قواعد اللعبة؟
رغم كل هذه الاعتبارات، عاد الحديث أخيراً عن احتمال انتقال روسيا إلى مرحلة أكثر تصعيداً، بعد رسائل روسية متكررة تحدثت عن إمكانية استهداف مراكز صنع القرار الأوكرانية، بالتزامن مع تحذيرات غربية ومؤشرات على ارتفاع مستوى التوتر، ويعتقد محللون أن موسكو تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة تدفعها نحو خيارات أكثر حدة: أولى هذه الضغوط تتعلق بالمخاوف من استعداد أوكرانيا لشن هجمات جديدة قد تُحسن موقعها التفاوضي، خصوصاً بعد تطوير قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية واستهداف البنية التحتية داخل العمق الروسي.
أما العامل الثاني، فيتمثل في تنامي القلق الروسي من التحول العسكري المتسارع في أوروبا، وارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، واستمرار الدعم العسكري الغربي لكييف، ما يدفع بعض أوساط النخبة الروسية إلى اعتبار القارة الأوروبية تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
دروس إسرائيلية في إدارة الصراعات
أعادت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وإيران إحياء النقاش داخل بعض الأوساط الروسية حول جدوى استراتيجية "قطع الرأس"، القائمة على استهداف القيادات السياسية والعسكرية للخصم بهدف إضعاف بنيته التنظيمية وشل قدرته على إدارة المواجهة، ويرى عدد من المحللين أن هذه المقاربة قد تغري بعض دوائر القرار في موسكو، خصوصاً إذا شعرت بأن ميزان القوى يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة أو أن الحرب تتجه إلى جولة تصعيد جديدة.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
في ضوء التطورات الحالية، يطرح مراقبون ثلاثة مسارات رئيسية قد تتجه إليها السياسة الروسية خلال المرحلة المقبلة.
- السيناريو الأول يتمثل في تنفيذ تهديدات مباشرة تستهدف مراكز القيادة والسيطرة الأوكرانية إذا رأت موسكو أن موازين الحرب بدأت تميل بصورة خطيرة لصالح كييف وحلفائها.
- أما السيناريو الثاني، والأكثر ترجيحاً وفق تقديرات عديدة، فيقوم على مواصلة سياسة الردع والتلويح بالتصعيد، بما في ذلك استخدام لغة القوة النووية التكتيكية ورفع مستوى الاستعداد العسكري، بهدف الضغط على الغرب ودفع الولايات المتحدة إلى تسريع جهود التسوية.
- أما السيناريو الثالث يبقى الأكثر حساسية، ويتمثل في تنفيذ عملية استخباراتية معقدة تستهدف زيلينسكي أو بعض أركان حكمه بطريقة تبدو وكأنها نتيجة صراع داخلي أو ترتيبات خارجية لا علاقة مباشرة لروسيا بها، غير أن هذا الخيار، حتى لو تحقق، سيحمل معه تحديات كبيرة تتعلق بإدارة تداعيات "اليوم التالي" وما قد يرافقه من ردود فعل دولية وإقليمية واسعة.
بين الحسم العسكري والحسابات السياسية
حتى الآن، يبدو أن الكرملين ما زال يفضل إدارة الحرب عبر أدوات الاستنزاف والضغط السياسي والعسكري التدريجي، بدلاً من اللجوء إلى خيار الاغتيال المباشر، لكن استمرار الحرب، وتبدل موازين القوى، وتصاعد المخاوف الروسية من البيئة الأمنية الأوروبية، كلها عوامل قد تدفع موسكو إلى إعادة تقييم حساباتها.. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سيظل زيلينسكي بالنسبة إلى روسيا خصماً يُستنزف سياسياً، أم أن تطورات الميدان قد تدفع الكرملين في مرحلة ما إلى تبني خيارات أكثر حدة وحسماً؟

