بعد ذكرها 158 ألف مرة في التسريبات.. تحقيق يكشف دور "ليزلي غروف" في شبكة إبستين
ملخص :
قدّمت صحيفة "غارديان" البريطانية، في تحقيق موسع أعدّته الصحفية، صوفي إلمهيرست، قراءة معمقة للعالم المغلق الذي أحاط برجل الأعمال الأمريكي الراحل، جيفري إبستين، عبر تتبع الدور الذي لعبته مساعدته التنفيذية ليزلي غروف، التي برز اسمها بوصفه أحد أكثر الأسماء حضوراً في أرشيفه الإلكتروني ووثائقه الداخلية.
وينطلق التحقيق من سؤال محوري ظل يرافق قضية إبستين لسنوات: ماذا كانت تعرف ليزلي غروف؟ وهو سؤال لا يتوقف عند حدود المسؤولية القانونية، بل يمتد إلى أبعاد أخلاقية ومؤسسية أوسع تتعلق بكيفية عمل شبكات النفوذ والسلطة التي تتيح استمرار أنماط من الاستغلال دون أن تواجه اعتراضاً أو مساءلة مباشرة.
اسم يتكرر آلاف المرات في ملفات إبستين
توضح إلمهيرست أن اسم "ليزلي غروف" ورد في ملفات إبستين الإلكترونية ما يقرب من 158 ألف مرة، وهو رقم يجعلها الشخصية الأكثر حضوراً في مراسلاته وسجلاته الإدارية مقارنة بأي شخص آخر في دائرته المقربة.
ورغم هذا الحضور الكثيف، تؤكد غروف، عبر فريقها القانوني، أنها لم تكن على علم بأي من الجرائم أو الانتهاكات التي ارتبطت باسم صاحب عملها. ويشدد محاموها على أن موكلتهم لم تشارك في أي نشاط غير قانوني ولم تمتلك معرفة بطبيعة الأفعال التي كان إبستين متهماً بارتكابها، إلا أن التحقيق لا يتعامل مع القضية من زاوية قانونية بحتة، بل يحاول استكشاف المساحة الفاصلة بين المعرفة المباشرة وعدم المعرفة، وبين تنفيذ المهام الإدارية والانخراط غير المباشر في منظومة أوسع.
18 عاماً داخل دائرة النفوذ
بحسب التحقيق، عملت غروف إلى جانب إبستين بين عامي 2001 و2019، وشغلت موقعاً بالغ الحساسية داخل هيكله الإداري، فقد كانت تتولى إدارة جدول أعماله اليومي، وتنظيم رحلاته واتصالاته واجتماعاته، فضلاً عن متابعة تفاصيله الشخصية والمهنية.
وتصف الكاتبة دورها بأنه تجاوز الوظائف التقليدية للمساعد التنفيذي، ليصبح أقرب إلى امتداد مباشر لآلية اتخاذ القرار لدى إبستين، في ظل إشرافها على شبكة معقدة من المواعيد والترتيبات التي جمعت بين مصالحه المالية وعلاقاته الاجتماعية وشؤونه الخاصة.
وتشير إلمهيرست إلى أن غروف لم تأتِ من خلفية مرتبطة بعوالم المال والنفوذ، بل انتقلت إلى العمل مع إبستين عقب مقابلة أجرتها مع شريكته السابقة غيسلين ماكسويل، قبل أن تصبح تدريجياً جزءاً أساسياً من الدائرة المحيطة به.
رسائل إلكترونية تكشف طبيعة المهام اليومية
استناداً إلى آلاف رسائل البريد الإلكتروني التي راجعتها الصحيفة، يسلط التحقيق الضوء على طبيعة المهام التي كانت تتولاها غروف بشكل يومي، بما في ذلك تنظيم ما كان يُوصف بـ "جلسات التدليك" التي اعتاد إبستين طلبها بصورة متكررة، وتظهر المراسلات، وفق التحقيق، متابعة دقيقة لتنسيق المواعيد والبحث عن بدائل عند تعذر حضور الأشخاص المطلوبين، ضمن نمط متكرر من الترتيبات الإدارية التي ارتبطت بحياة إبستين الخاصة.
وفي المقابل، يؤكد فريق الدفاع عن غروف أنها لم تشهد أي سلوك غير قانوني خلال فترة عملها، ولم تتلقَّ ما يدفعها للاعتقاد بوجود أنشطة مخالفة للقانون.
شهادات ضحايا وأسئلة لم تُحسم
يعرض التحقيق كذلك مضمون شهادات وردت ضمن مقابلات مرتبطة بتحقيقات أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 2021، حيث أفادت بعض الضحايا بأن غروف كانت تضطلع بدور تنظيمي في ترتيبات تلك اللقاءات.
وتقول إحدى الشاهدات، بحسب ما نقلته الصحيفة، إن غروف كانت تشرف على تنسيق المواعيد والمدفوعات والإقامة، معربة عن اعتقادها بأن المساعدة التنفيذية ربما كانت تدرك طبيعة ما يجري، دون أن تؤكد امتلاكها دليلاً مباشراً على ذلك.
وفي الوقت نفسه، يشير التحقيق إلى غياب أي ادعاءات تفيد بأن غروف تعرضت شخصياً لإساءة أو استغلال من جانب إبستين، فيما تتركز الاتهامات التي أثيرت حولها في مزاعم تتعلق بتسهيل أو تنسيق أنشطة يُقال إنها ارتبطت لاحقاً بوقائع اعتداء واستغلال لفتيات، وهي مزاعم تنفيها بشكل قاطع.
أكثر من مجرد موظفة
يرسم التحقيق صورة أكثر تعقيداً لموقع غروف داخل مؤسسة إبستين، إذ تظهر الوثائق أنها لم تكن موظفة ثانوية أو منفذة لتعليمات محدودة النطاق، بل كانت تدير منظومة واسعة من التفاصيل المتعلقة بالسفر والإقامة والمدفوعات النقدية وتنظيم اللقاءات.
كما تشير الوثائق إلى أن بعض الأسماء التي وردت في تلك الترتيبات كانت لفتيات اعتُبر عدد منهن قاصرات وفق ما كشفت عنه ملفات قضائية لاحقة، وهو ما يضيف مزيداً من الجدل إلى النقاش الدائر حول حدود المعرفة والمسؤولية داخل الدائرة المقربة من إبستين.
الدفاع القانوني: لا اتهامات ولا إدانات
يعتمد محامو غروف في دفاعهم على حقيقة أن السلطات الفيدرالية الأمريكية لم توجه إليها أي اتهام جنائي رغم سنوات من التحقيقات المكثفة المرتبطة بقضية إبستين، كما يشير فريقها القانوني إلى أن الدعاوى المدنية التي ورد اسمها فيها جرى إسقاطها، معتبرين أن غياب الملاحقات القضائية يشكل مؤشراً واضحاً على عدم وجود أدلة تثبت تورطها أو معرفتها بأي أنشطة إجرامية.
ومن هذا المنطلق، يتمسك الدفاع برواية أن غروف أدت مهامها الوظيفية ضمن حدود دورها الإداري دون اطلاع على أي مخالفات أو ممارسات غير قانونية.
التواطؤ الإداري.. البعد الأخلاقي للقضية
غير أن التحقيق يتجاوز النقاش القانوني التقليدي ليتناول مفهوماً أكثر تعقيداً يتمثل فيما تصفه الكاتبة بـ "التواطؤ الإداري"، أي مساهمة أفراد داخل مؤسسة أو شبكة نفوذ في استمرار منظومة استغلالية من خلال أداء وظائفهم الاعتيادية، حتى وإن لم يكونوا على دراية كاملة بكل تفاصيل تلك المنظومة.
وتطرح إلمهيرست تساؤلات حول ما إذا كان تنفيذ المهام الإدارية وتسهيل العمليات اليومية قد يتحول، في بعض الحالات، إلى عنصر أساسي في بقاء أنظمة غير أخلاقية أو ضارة، حتى من دون وجود نية مباشرة للمشاركة فيها.
ثقافة الطاعة داخل منظومة النفوذ
ويصف التحقيق بيئة العمل المحيطة بإبستين بأنها اعتمدت على وتيرة عمل سريعة وثقافة قائمة على تنفيذ التعليمات وتجاوز الحدود التقليدية بين المهام المهنية والشؤون الشخصية، فالعاملون في دائرته كانوا يتعاملون مع شبكة متشعبة من الطلبات التي تجمع بين إدارة الأعمال الخاصة والعلاقات الاجتماعية والترتيبات اللوجستية المعقدة، بما في ذلك تنسيق لقاءات مع شخصيات نافذة وترتيب رحلات ومتابعة تفاصيل دقيقة للغاية.
وترى الكاتبة أن مثل هذه البيئات قد تخلق لدى الموظفين حالة من الاعتياد المهني تجعل بعض الممارسات غير المألوفة تبدو جزءاً طبيعياً من متطلبات العمل اليومية.
حياة خاصة مستقرة وعالم مهني مثير للجدل
في موازاة ذلك، يعرض التحقيق جانباً مختلفاً من حياة ليزلي غروف الشخصية، مشيراً إلى أنها كانت تعيش حياة أسرية مستقرة نسبياً وتهتم بشؤون أسرتها وابنها، ما يبرز التناقض الحاد بين حياتها الخاصة والعالم المثير للجدل الذي كانت تعمل داخله.
وتعتبر إلمهيرست أن هذا الفصل بين المجالين الشخصي والمهني ليس أمراً نادراً في مؤسسات النفوذ الكبرى، حيث ينجح كثير من الأفراد في عزل حياتهم الخاصة عن طبيعة الأعمال التي يديرونها يومياً، حتى عندما تثير تلك الأعمال تساؤلات أخلاقية معقدة.
أسئلة مستمرة رغم غياب الاتهامات
وفي ختام تحقيقها، تؤكد إلمهيرست أن ليزلي غروف، رغم عدم توجيه أي تهم جنائية إليها، ستظل شخصية محورية في السردية المرتبطة بقضية جيفري إبستين، خاصة مع استمرار ظهور اسمها في الوثائق والتحقيقات وجلسات الاستماع الرسمية.
وترى الصحيفة أن القضية لم تعد مقتصرة على تحديد ما إذا كانت غروف تعلم أو لا تعلم، بل أصبحت نموذجاً للنقاش الأوسع حول المسؤولية داخل دوائر السلطة والنفوذ، وحول الحدود الفاصلة بين الجهل الحقيقي، والتغاضي المتعمد، واختيار عدم طرح الأسئلة بشأن سلوكيات تبدو غير اعتيادية.
وبذلك، يبقى ملف غروف، وفق قراءة "غارديان"، جزءاً من المنطقة الرمادية التي يصعب فيها الفصل بشكل قاطع بين البراءة القانونية والمسؤولية الأخلاقية، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة.

