منفذ "مجزرة التضامن" وقاتل أطفال "العباسي".. ماذا نعرف عن أمجد يوسف؟
ملخص :
أعادت السلطات السورية، بإعلانها القبض على أمجد يوسف في أبريل/نيسان 2026، فتح واحد من أكثر الملفات دموية وإثارة للجدل في تاريخ الصراع السوري، وهو ملف مجزرة "حي التضامن" التي تحولت إلى رمز للانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين خلال سنوات الحرب.
ويُنظر إلى يوسف، الذي خدم في صفوف المخابرات العسكرية التابعة لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، باعتباره أحد أبرز المتهمين بالتورط في عمليات اعتقال وتعذيب وقتل استهدفت معارضين ومدنيين في العاصمة دمشق ومحيطها، ولا سيما في الأحياء الجنوبية التي شهدت مواجهات واسعة خلال سنوات الثورة السورية.
النشأة والمسار العسكري
وُلد أمجد يوسف عام 1986 في قرية نبع الطيب الواقعة بمنطقة الغاب في ريف حماة الشمالي الغربي، ونشأ ضمن أسرة كبيرة تضم عشرة أشقاء.
وفي عام 2004 التحق بأكاديمية الاستخبارات العسكرية في ميسلون، حيث خضع لدورات تدريبية متخصصة قبل أن ينضم رسمياً إلى المؤسسة العسكرية، وبعد تخرجه برتبة رقيب، واصل مساره المهني داخل الأجهزة الأمنية، ليتدرج في الرتب وصولاً إلى رتبة مساعد أول.
وخلال سنوات خدمته، عمل ضمن شعبة المخابرات العسكرية، وتحديداً في "الفرع 227" المعروف بمتابعته للملفات الأمنية الحساسة، قبل أن يتولى مواقع ميدانية في جنوب دمشق خلال فترة الاحتجاجات والصراع المسلح.
دور أمني خلال سنوات الثورة
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، برز اسم أمجد يوسف ضمن العناصر الأمنية التي أوكلت إليها مهام ملاحقة المعارضين والناشطين في العاصمة ومحيطها.
وتتهمه شهادات وتقارير حقوقية بالمشاركة في عمليات اعتقال واسعة، والإشراف على ممارسات تعذيب وانتهاكات بحق مدنيين، إضافة إلى تنفيذ عمليات ميدانية في المناطق الجنوبية من دمشق، حيث ارتبط اسمه بوقائع إعدام وقتل خارج نطاق القانون استهدفت رجالاً ونساءً من مختلف الفئات العمرية.
مجزرة "حي التضامن".. الجريمة التي هزت الرأي العام
في الأول من أبريل/نيسان 2013 شهد حي التضامن، المجاور لمخيم اليرموك جنوب دمشق، واحدة من أبشع المجازر التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب السورية، ورغم وقوع الجريمة في ذلك التاريخ، فإن تفاصيلها بقيت طي الكتمان لسنوات، إلى أن كشفتها صحيفة "الغارديان" البريطانية في أبريل/نيسان 2022 عبر تسجيل مصور سرّب من داخل أجهزة النظام السابق.
وأظهر التسجيل قيام عناصر أمنية وعسكرية باقتياد مجموعات من المدنيين المعتقلين إلى موقع حفرة كبيرة أُعدت مسبقاً، قبل أن تتم تصفيتهم وإلقاء جثامينهم داخلها، ثم إحراقها في محاولة لطمس الأدلة وإخفاء آثار الجريمة.
ووثق المقطع المصور مقتل ما لا يقل عن 41 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، بينما تشير توثيقات محلية وشهادات ناجين وسكان إلى أن عدد الضحايا في الحي تجاوز ذلك بكثير، وسط تقديرات تتحدث عن مئات القتلى الذين سقطوا في عمليات مشابهة خلال الفترة ذاتها.
كيف كُشفت هوية أمجد يوسف؟
مثّل الكشف عن هوية أحد منفذي المجزرة نقطة تحول في مسار القضية، فقد ظهر أمجد يوسف بوضوح في التسجيلات المسربة وهو يشارك في اقتياد الضحايا وتنفيذ عمليات القتل، ما دفع باحثين وناشطين إلى تتبع شخصيته وخلفيته الأمنية.
وبحسب التحقيقات التي أجراها باحثون مختصون في قضايا الإبادة الجماعية والعدالة الانتقالية، فإن التواصل المباشر مع يوسف لاحقاً أفضى إلى اعترافات ومعلومات عززت الشبهات حول ضلوعه في عمليات قتل جماعي أخرى جرت في المنطقة ذاتها.
كما أشارت التحقيقات إلى أن التسجيل الذي نُشر لم يكن سوى جزء من أرشيف أوسع يضم عشرات المقاطع التي توثق عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين في حي التضامن خلال عام 2013.
اتهامات بارتكاب مجازر متعددة
لم تتوقف الاتهامات عند حدود المجزرة التي وثقها الفيديو الشهير، إذ تحدثت شهادات من أشخاص خدموا سابقاً ضمن المنظومة الأمنية عن تنفيذ سلسلة من المجازر الجماعية في حي التضامن ومحيطه، ووفق هذه الإفادات، فإن المنطقة شهدت عمليات تصفية متكررة استهدفت مدنيين جرى توقيفهم على الحواجز الأمنية أو اعتقالهم خلال حملات الدهم.
كما تضمنت الشهادات اتهامات بخطف نساء وإخفائهن قسرياً، إضافة إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق السكان المحليين في إطار سياسة هدفت إلى ترهيب المجتمع المحلي وإحكام السيطرة الأمنية على المنطقة.
سقوط النظام وإحياء ملف العدالة
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، عاد ملف المفقودين والمختفين قسراً إلى صدارة المشهد السوري، وأعادت عائلات الضحايا فتح ملفات الانتهاكات القديمة، فيما تصاعدت المطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال سنوات الصراع.
وفي هذا السياق، برز اسم أمجد يوسف مجدداً باعتباره أحد أبرز المطلوبين للعدالة، خاصة بعد أن ظل متوارياً عن الأنظار منذ انكشاف هويته في التحقيقات الدولية.
ملاحقات قضائية للمتورطين
شهدت السنوات الأخيرة تحركات قضائية وأمنية استهدفت عدداً من المشتبه بتورطهم في مجزرة التضامن، وكانت السلطات الألمانية قد ألقت القبض عام 2023 على أحمد الحمروني، أحد المتهمين بالمشاركة في المجزرة، وذلك بعد تحقيقات استمرت عدة سنوات بالتعاون مع منظمات معنية بالعدالة والمساءلة.
ومع تشكيل السلطات السورية الجديدة، توسعت حملات الملاحقة لتشمل عدداً من الشخصيات الأمنية والعسكرية المرتبطة بملفات الانتهاكات وجرائم الحرب.
عملية القبض على أمجد يوسف
في صباح 24 أبريل/نيسان 2026، تداول سوريون صوراً مسربة لرجل داخل مركبة أمنية وسط تكهنات بأنه أمجد يوسف، ولم تمضِ ساعات حتى أكدت وزارة الداخلية السورية تنفيذ عملية أمنية أسفرت عن اعتقاله في ريف حماة، مشيرة إلى أن العملية جاءت بعد أشهر طويلة من الرصد والمتابعة وجمع المعلومات.
ووفق تصريحات رسمية، فإن الأجهزة الأمنية تمكنت من تحديد أماكن تنقله بعد فترة من التخفي بين عدة مناطق سورية، من بينها سهل الغاب وريف القرداحة، قبل أن تنجح في توقيفه وإحالته إلى الجهات المختصة لاستكمال التحقيقات.
ملف رانيا العباسي يعود إلى الواجهة
تزامن اعتقال أمجد يوسف مع تجدد الاهتمام بقضايا الإخفاء القسري التي شهدتها سوريا خلال سنوات الحرب، وعلى رأسها قضية طبيبة الأسنان رانيا العباسي وعائلتها، وتُعد هذه القضية من أكثر القضايا التي أثارت اهتمام الرأي العام السوري، بعدما اختفت الطبيبة وأطفالها الستة في مارس/آذار 2013 عقب اعتقال زوجها عبد الرحمن ياسين.
وكشفت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا عن نتائج تحقيقات وصفتها بالموثوقة والمبنية على مراجعات مهنية دقيقة، ترجح بدرجة عالية من اليقين وفاة أطفال طبيبة الأسنان رانيا العباسي، وتشير نتائج وزارة الداخلية السورية الأولية عن وجود مؤشرات على تورط أمجد يوسف في قتلهم، مؤكدة استمرار التحقيقات لكشف جميع الملابسات وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه.

