قلعة "الشقيف" في جنوب لبنان شاهد تاريخي على العدوان الإسرائيلي
الجيش الإسرائيلي يعلن السيطرة على قلعة "الشقيف" وسط تصعيد متواصل جنوب لبنان
ملخص :
مع إعلان الجيش الإسرائيلي، صباح اليوم الأحد، إحكام سيطرته على قلعة "الشقيف" الاستراتيجية الواقعة على مرتفع جغرافي حاكم في جنوب لبنان، يظهر تطور ميداني جديد يعكس تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة الحدودية، وتحوّلًا لافتًا في ديناميات المواجهة جنوب البلاد.
فبحسب البيان العسكري الإسرائيلي، جاءت السيطرة على الموقع عقب اشتباكات ميدانية، جرى خلالها استخدام غطاء ناري مكثف من القوات البرية والجوية، في إطار عملية عسكرية وصفت بأنها جزء من تحركات أوسع على امتداد الجبهة الشمالية.
كما نشر الجيش الإسرائيلي صورًا لجنوده في محيط القلعة الأثرية، التي تعود إلى الحقبة الصليبية، في خطوة أثارت اهتمامًا لافتًا بالنظر إلى القيمة التاريخية للموقع، لا سيما بعد تحذيرات سابقة أطلقها مسؤولون لبنانيون من احتمال تعرض المعلم الأثري لأضرار نتيجة القصف.
موقع استراتيجي يتحكم بواحد من أهم مسارح الجنوب
تكتسب قلعة "الشقيف" أهمية جغرافية وعسكرية استثنائية، إذ تقع على ارتفاع يتجاوز 700 متر فوق سطح البحر، ما يمنحها قدرة واسعة على الإشراف البصري والميداني على مساحات شاسعة من جنوب لبنان وصولًا إلى الحدود مع شمال فلسطين المحتلة.
وتشرف القلعة بشكل مباشر على نهر الليطاني ووادي السلوقي، وهما من أبرز الممرات الطبيعية في جنوب لبنان، كما تطل على محور النبطية-مرجعيون، إضافة إلى بلدات وقرى تمتد في القطاع الشرقي من الجنوب اللبناني، من بينها أرنون، وكفرتبنيت، ويحمر، وزوطر.
كما تتمتع القلعة بإطلالة مباشرة على مستوطنة المطلة، الواقعة على بعد أقل من أربعة كيلومترات، وهو ما يمنح الموقع قيمة عملياتية مضاعفة في مجالات الرصد والمراقبة والاستطلاع، وتشير التقديرات العسكرية إلى أن السيطرة على هذا المرتفع تمنح الطرف الممسك به قدرة على مراقبة خطوط الحركة والإمداد، والتحكم النسبي بالممرات الميدانية الحيوية في المنطقة.
تصريحات إسرائيلية تؤكد الطابع "الرسائلي" للعملية
وفي تعليق على التطور الميداني، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إن السيطرة على القلعة "تشكل رسالة واضحة لأعداء إسرائيل بأنهم سيخسرون مواقعهم الاستراتيجية واحدًا تلو الآخر"، في إشارة إلى استمرار العمليات العسكرية على امتداد الجبهة الشمالية.
ويعكس هذا التصريح، وفق مراقبين، رغبة إسرائيل في توظيف المكاسب الميدانية ضمن سياق سياسي وعسكري أوسع، يقوم على تثبيت معادلة ردع جديدة في المناطق الحدودية مع لبنان.
تقدم ميداني وتوسع عملياتي جنوب الليطاني
يأتي هذا الإعلان في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية قد تحدثت عن تجاوزها نهر الليطاني، إضافة إلى سيطرتها على عدد من البلدات والمواقع في جنوب لبنان، ضمن عمليات متواصلة تشهدها المنطقة منذ أسابيع، ويرى محللون أن التقدم نحو مرتفعات استراتيجية مثل قلعة الشقيف يندرج ضمن محاولة لتأمين نقاط إشراف ناري متقدمة، تسمح بزيادة القدرة على المراقبة والتحكم الميداني، خصوصًا في القطاع الشرقي من الجنوب اللبناني.
قلعة "الشقيف".. من موقع أثري إلى عقدة عسكرية
لا تُعد قلعة الشقيف مجرد موقع جغرافي مرتفع، بل تحمل تاريخًا طويلًا من الأهمية العسكرية في الصراع اللبناني-الإسرائيلي، إذ تحولت عبر العقود إلى أحد أبرز الرموز المرتبطة بالمواجهات في جنوب لبنان، فخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كانت القلعة مسرحًا لإحدى أعنف المواجهات، حين تحصنت فيها مجموعات من المقاتلين الفلسطينيين، وواجهت قوات إسرائيلية من لواء "غولاني" في معركة استمرت أربعة أيام.
وتشير روايات تلك المرحلة إلى أن المعركة شهدت تفوقًا عسكريًا إسرائيليًا كبيرًا من حيث العدد والتسليح، مقابل مجموعات مقاتلة صغيرة العدد، في واحدة من أكثر المواجهات رمزية في ذلك الاجتياح.
وفي لحظة لاحقة من المعركة، وصل وزير الدفاع الإسرائيلي -آنذاك- أريئيل شارون إلى الموقع بطائرة مروحية، في حدث ظل حاضرًا في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية المرتبطة بتلك الحرب.
"الطريق الدامي" وتحول القلعة إلى رمز للمواجهة
بعد تلك المرحلة، تحولت القلعة إلى موقع عسكري متقدم خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، حيث ارتبط الطريق المؤدي إليها داخل إسرائيل بما عُرف لاحقًا بـ "الطريق الدامي"، نتيجة كثافة العمليات والهجمات التي استهدفت القوات الإسرائيلية في المنطقة.
وأصبحت القلعة خلال تلك الفترة نقطة اشتباك متكررة، وواحدة من أكثر المواقع حساسية على امتداد الجبهة الشمالية، نظرًا لموقعها الذي يسمح بالإشراف على عمق جغرافي واسع.
الانسحاب عام 2000 وتفجير الموقع
في مايو/أيار 2000، ومع قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، سحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، أُخليت قلعة "الشقيف" في عملية وُصفت حينها بأنها تمت بسرية تامة، وبعد الانسحاب، قام الجيش الإسرائيلي بتفجير أجزاء واسعة من القلعة باستخدام كميات كبيرة من المتفجرات، في خطوة أنهت عمليًا استخدامها كموقع عسكري ثابت في ذلك الوقت، لكنها لم تُنهِ رمزيته في الذاكرة العسكرية للطرفين.
عودة القلعة إلى واجهة المشهد العسكري
مع التصعيد الأخير في جنوب لبنان، تعود قلعة الشقيف مجددًا إلى واجهة المشهد العسكري، باعتبارها نقطة ذات أهمية استراتيجية عالية في حسابات الميدان، نظرًا لقدرتها على توفير إشراف واسع على خطوط التماس والمناطق المحيطة.
ويؤكد هذا التطور أن المرتفعات الحاكمة لا تزال تلعب دورًا حاسمًا في بنية الصراع القائم في الجنوب اللبناني، رغم التحولات التي طرأت على طبيعة العمليات العسكرية خلال العقود الماضية، وفي ظل استمرار العمليات الميدانية، يبدو أن القلعة تستعيد موقعها كإحدى أبرز نقاط الارتكاز في ميزان السيطرة جنوب لبنان، سواء من حيث القيمة العسكرية المباشرة أو من حيث البعد الرمزي المرتبط بتاريخ طويل من المواجهات.

