3 ملفات تكشف حدود القوة الأمريكية.. من وعود الحسم السريع إلى الأزمات الممتدة
ملخص :
يرى الصحفي، ديفيد سانغر، في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه تحديات متزايدة في إدارة أبرز ملفات السياسة الخارجية التي تعهد بحسمها سريعاً، بعدما اصطدمت رهاناته السياسية والعسكرية بوقائع ميدانية وجيوسياسية أكثر تعقيداً مما توقع، فبدلاً من تحقيق اختراقات حاسمة في ملفات إيران وأوكرانيا وقطاع غزة، تبدو هذه القضايا اليوم عالقة في حالة من الجمود السياسي، وسط غياب تسويات نهائية قادرة على إنهاء الصراعات القائمة.
واعتبر سانغر، وهو المتخصص في شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية، أن التجارب الأخيرة أظهرت محدودية قدرة واشنطن على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستدامة، وهو ما انعكس بوضوح على الملفات الثلاثة التي وضعتها إدارة ترامب في صدارة أجندتها الدولية.
إيران.. الحرب انتهت والملف لم يُحسم
يقدم الملف الإيراني، بحسب الصحيفة، المثال الأكثر وضوحاً على المأزق الذي تواجهه الإدارة الأمريكية، فعلى الرغم من إعلان وقف العمليات العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، فإن الأهداف السياسية التي رافقت تلك العمليات لم تتحقق بصورة كاملة.
وكان ترامب قد ربط إنهاء المواجهة بضمان إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية بشكل آمن ودائم، غير أن هذا الهدف لا يزال عرضة للاختبار في ظل استمرار التوترات الإقليمية، كما أن مستقبل البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين ما زال يشكل محوراً رئيسياً للمفاوضات الجارية، دون ظهور مؤشرات حاسمة على التوصل إلى اتفاق نهائي.
ويلفت سانغر إلى أن القيادة الإيرانية تدرك حجم القيود السياسية التي تواجه الرئيس الأمريكي داخلياً، خاصة في ظل تراجع مستويات التأييد الشعبي لبعض سياساته الخارجية، الأمر الذي يجعل احتمالات العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة أقل ترجيحاً، ومن هذا المنطلق، تمتلك طهران هامشاً أوسع للمناورة السياسية وإطالة أمد المفاوضات سعياً لتحسين شروط أي اتفاق محتمل.
ويشير المقال إلى أن الخطاب الأمريكي انتقل تدريجياً من لغة الضغط القصوى وشعارات "الاستسلام غير المشروط" إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على البحث عن تسوية تفاوضية جديدة، تعيد إحياء المسار الدبلوماسي الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب.
أوكرانيا.. وعود إنهاء الحرب تصطدم بحسابات الميدان
وفي الملف الأوكراني، يرى الكاتب أن الفجوة اتسعت بين الوعود الانتخابية والواقع السياسي، فقد تعهد ترامب خلال حملته الرئاسية بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، إلا أن النزاع ما زال مستمراً بعد مرور أكثر من عام على عودته إلى البيت الأبيض، دون تحقيق اختراق سياسي جوهري.
وتنقل الصحيفة مؤشرات متزايدة على تنامي حالة الإحباط داخل أروقة الإدارة الأمريكية، خصوصاً بعد تصريحات صدرت عن وزير الخارجية، ماركو روبيو، عكست تراجعاً نسبياً في التفاؤل بإمكانية نجاح الجهود الأمريكية في التوصل إلى تسوية سريعة.
كما يلفت التقرير إلى أن موسكو لا تبدو متحمسة للمبادرات الدبلوماسية المؤقتة أو الاتصالات المتقطعة التي يقودها مبعوثون خاصون، بل تفضل مساراً تفاوضياً مؤسسياً أكثر استقراراً واستمرارية، يضمن معالجة القضايا الخلافية ضمن إطار سياسي متكامل.
وبحسب خبراء استطلعت الصحيفة آراءهم، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في انعدام فرص التسوية، بل في غياب عملية تفاوضية منتظمة وقادرة على تحويل التفاهمات السياسية الأولية إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه روسيا ضغوطاً اقتصادية متزايدة، بينما تواصل أوكرانيا تطوير قدرتها على استهداف مواقع داخل العمق الروسي، ما يجعل أياً من الطرفين غير مستعد لتقديم تنازلات جوهرية في المرحلة الحالية.
غزة.. هدنة مؤقتة بلا رؤية مكتملة
أما في قطاع غزة، فيقر المقال بأن إدارة ترامب حققت تقدماً أولياً من خلال المساهمة في التوصل إلى هدنة وإطلاق سراح عدد من الرهائن، غير أن المرحلة التالية واجهت عراقيل كبيرة حالت دون تحويل هذا الإنجاز إلى تسوية سياسية شاملة.
فالمشاريع التي جرى الحديث عنها لإعادة إعمار القطاع، وإنشاء إدارة فلسطينية جديدة تتولى إدارة الشؤون المدنية والأمنية، لم تتجاوز حتى الآن حدود التصورات السياسية والخطط النظرية، وفي المقابل، ما تزال العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة، بينما يواجه سكان القطاع أوضاعاً إنسانية ومعيشية شديدة الصعوبة نتيجة الدمار الواسع الذي خلفته الحرب.
ويشير سانغر إلى أن الرؤية التي روج لها ترامب بشأن تحويل غزة إلى مركز اقتصادي مزدهر لم تجد طريقها إلى التنفيذ العملي، إذ لم تبدأ برامج الإعمار والاستثمار الموعودة بالوتيرة التي تسمح بإحداث تحول حقيقي على الأرض، ما أبقى القطاع غارقاً في تداعيات الحرب وتحديات مرحلة ما بعدها.
حدود النفوذ الأمريكي في عالم أكثر تعقيداً
ويخلص الكاتب إلى أن القاسم المشترك بين الملفات الثلاثة يتمثل في وجود تقدير مبالغ فيه لقدرة القوة الأمريكية على إعادة تشكيل الوقائع السياسية في مناطق النزاع، فبينما تستطيع الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية مؤثرة أو استهداف بنى تحتية ومنشآت استراتيجية خلال فترات زمنية قصيرة، فإن قدرتها على هندسة النتائج السياسية النهائية تبقى أكثر محدودية وتعقيداً.
ويؤكد التحليل أن إدارة الصراعات الدولية لا تعتمد على التفوق العسكري وحده، بل تتطلب عملاً دبلوماسياً طويل الأمد، ومتابعة سياسية مستمرة، وقدرة على بناء توافقات تدريجية بين الأطراف المتنازعة، إلا أن نهج ترامب، القائم على البحث عن الإنجازات السريعة والإعلانات الكبرى، اصطدم بواقع جيوسياسي معقد لا يستجيب للحلول الفورية.
وفي ضوء ذلك، تحولت الملفات التي كانت تُطرح باعتبارها فرصاً لتحقيق انتصارات سياسية سريعة إلى أزمات مفتوحة ما زالت تبحث عن مخارج دبلوماسية مستدامة، الأمر الذي يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على تحويل النفوذ العسكري والسياسي إلى نتائج استراتيجية طويلة الأمد.

