إعادة إمداد روسية إلى "حميميم".. موسكو تتمسك بموطئ قدمها الإستراتيجي في سوريا
ملخص :
كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، استنادا إلى إفادات مسؤولين أمريكيين وصور أقمار صناعية، عن تنفيذ روسيا عملية إعادة إمداد عسكرية لقاعدتها الجوية في حميميم غربي سوريا، في مؤشر جديد على سعي الكرملين إلى ترسيخ وجوده العسكري في البلاد والحفاظ على نفوذه الإستراتيجي في شرق البحر المتوسط، رغم التحولات السياسية العميقة التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد أواخر عام 2024.
رحلة بحرية تحت حماية عسكرية
وبحسب التقرير، غادرت سفينة الشحن الروسية "سبارتا" ميناء سانت بطرسبرغ خلال شهر مارس/آذار الماضي، متجهة نحو السواحل السورية في رحلة حظيت بحماية ومرافقة من قطع بحرية روسية على امتداد جزء كبير من مسارها.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية، إلى جانب معلومات جمعها مسؤولون أمريكيون تابعوا تحركات السفينة، أنها وصلت إلى ميناء طرطوس في 11 مايو/أيار، حيث باشرت عمليات تفريغ حمولتها وسط وجود مكثف لسفن دعم تابعة للبحرية الروسية.
كما أشارت المعطيات إلى أن فرقاطة "الأدميرال كاساتونوف" الروسية وسفينة حربية أخرى وفرتا الحماية للسفينة خلال عبورها البحر المتوسط، في دلالة على الأهمية التي أولتها موسكو لهذه المهمة اللوجستية.
أول عملية إمداد منذ سقوط الأسد
ووفقا لمسؤولين أمريكيين، فإن الشحنة التي نقلتها "سبارتا" كانت مخصصة للقاعدة الجوية الروسية في حميميم بمحافظة اللاذقية، ما يجعل هذه المهمة أول عملية إعادة إمداد معروفة من نوعها منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا عقب الإطاحة بنظام الأسد.
وأشار المسؤولون إلى أن السفينة تخضع لعقوبات أمريكية، وترتبط بشبكة شركات لوجستية تعمل لصالح وزارة الدفاع الروسية، وهو ما يضفي بعدا إضافيا على أهمية العملية بالنسبة لموسكو التي تسعى إلى تأمين خطوط الإمداد لقواتها المنتشرة خارج حدودها.
واشنطن تراقب دون قلق
ورغم متابعة الولايات المتحدة لتحركات السفينة والعملية اللوجستية المرتبطة بها، فإن مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم الصحيفة أكدوا أن المهمة لم تثر مخاوف مباشرة لدى واشنطن، وأرجع المسؤولون ذلك إلى أن العلاقات القائمة بين السلطات السورية الجديدة وموسكو ليست أمرا مفاجئا، فضلا عن أن طبيعة المعدات المنقولة وموقع استخدامها لا يمسان المصالح الأمريكية المباشرة في المنطقة، وفق تقديراتهم.
فيما امتنع متحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية عن الإدلاء بتفاصيل إضافية تتعلق بالشحنة أو طبيعة المواد التي تم نقلها إلى القاعدة الروسية.
قواعد روسية صمدت أمام التحولات
وتشير التقديرات الأمريكية إلى أن مئات العسكريين الروس ما زالوا متمركزين داخل الأراضي السورية، رغم التغيرات السياسية التي أعقبت سقوط النظام السابق وتشكيل إدارة جديدة في دمشق.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن استمرار تشغيل روسيا لقاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية يعكس تمسك الكرملين بأحد أهم أصوله الجيوسياسية خارج الفضاء السوفيتي السابق، إذ توفر القاعدتان منفذا مباشرا إلى البحر المتوسط، وتمنحان موسكو قدرة على دعم عملياتها العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقارة الأفريقية.
وتعد القاعدتان من أبرز مراكز الانتشار العسكري الروسي خارج الأراضي الروسية، وقد لعبتا دورا محوريا خلال سنوات الحرب السورية في دعم قوات النظام السابق وتوسيع نطاق النفوذ الروسي في المنطقة.
مزيج من المصالح والضغوط
وفي قراءة لأسباب نجاح موسكو في الحفاظ على مواقعها العسكرية، قال الباحث المتخصص في الشأن السوري آرون لوند، من وكالة الأبحاث الدفاعية السويدية، إن روسيا تمكنت إلى حد كبير من تأمين استمرار وجودها العسكري في سوريا رغم المتغيرات السياسية، موضحا أن موسكو اعتمدت مقاربة جمعت بين الحوافز السياسية والاقتصادية من جهة، وأدوات الضغط والنفوذ من جهة أخرى، مع تركيز أكبر على إقناع الجانب السوري بأن استمرار القواعد الروسية يمكن أن يحقق مكاسب متبادلة ويخدم مصالح الطرفين في المرحلة الجديدة.
فراغ أمريكي وحضور روسي متواصل
وتأتي هذه التطورات في وقت قلصت فيه الولايات المتحدة وجودها العسكري في سوريا، بعدما انسحبت قواتها من عدد من القواعد خلال العام الجاري، منهية بذلك التزاما عسكريا استمر أكثر من عقد، ارتبط أساسا بعمليات مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية.
ويعزز هذا التباين بين الانكفاء الأمريكي النسبي واستمرار النشاط الروسي من المؤشرات التي توحي بأن موسكو تسعى إلى استثمار المتغيرات الإقليمية للحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي في سوريا، وضمان بقاء قواعدها الحيوية كركيزة أساسية في إستراتيجيتها الخاصة بالشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط.
أهمية إستراتيجية تتجاوز الساحة السورية
وتعكس عملية إعادة الإمداد الأخيرة أن الوجود الروسي في سوريا لم يعد مرتبطا فقط بالمعادلات الداخلية السورية، بل أصبح جزءا من رؤية جيوسياسية أوسع تسعى من خلالها موسكو إلى حماية مصالحها البحرية والعسكرية، وتأمين نقاط ارتكاز متقدمة تسمح لها بالتأثير في ملفات إقليمية متعددة.
وبينما لم تصدر دمشق أو وزارة الدفاع الروسية أي تعليق رسمي بشأن العملية، فإن المؤشرات المتوافرة توحي بأن الكرملين ماضٍ في تثبيت حضوره العسكري في سوريا، باعتبارها إحدى أهم بوابات النفوذ الروسي نحو الشرق الأوسط والبحر المتوسط، رغم التحولات التي أعادت رسم المشهد السياسي في البلاد.

