السودان على حافة الانهيار.. حرب مزّقت المجتمع ودفعت الملايين إلى الجوع والنزوح والمرض
علا القارصلي
ملخص :
لم يقتصر اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 على كونه مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحول إلى أزمة وطنية عميقة هزّت أسس الدولة وأدخلت المجتمع في دوامة من الانهيار المؤسسي والإنساني، ووفق تقارير صحفية، أدى تدمير البنية التحتية وتعطل الخدمات الأساسية إلى تفاقم معاناة المواطنين، لتتحول الأزمة إلى واقع يهدد الأمن والصحة والتعليم وسبل المعيشة في آن واحد.
ويرى خبراء أن ما يجري يتجاوز صراع السلطة إلى تفكك واسع للبنى التي قامت عليها الدولة السودانية، في ظل استهداف مستمر للمرافق المدنية وانهيار شبكات الحماية الاجتماعية، ما جعل ملايين السودانيين يواجهون تداعيات الحرب الاقتصادية والنفسية والإنسانية دون غطاء يحميهم.
كما تؤكد التقارير أن السودان بات من أكثر الأزمات الإنسانية إهمالاً رغم حجم الخسائر البشرية والمادية، فيما تتشابك أزمات الصحة والاقتصاد والنزوح والتفكك الأسري لتشكل مشهداً معقداً يهدد مستقبل البلاد، وتشير التحليلات إلى أن استعادة الاستقرار تتطلب أكثر من وقف إطلاق النار، إذ تستوجب إعادة بناء مؤسسات الدولة وترميم النسيج المجتمعي المتضرر، خاصة مع تآكل رأس المال الاجتماعي والانقسامات التي أصابت الهوية الوطنية المشتركة.
انهيار القطاع الصحي
أدت الحرب إلى شلل واسع في المنظومة الصحية، حيث أغلقت أعداد كبيرة من المستشفيات والمراكز الطبية وتراجعت قدرة القطاع على توفير الخدمات الأساسية، وبحسب التوثيق الصحفي، تعاني مناطق النزاع نقصاً حاداً في أدوية الطوارئ ومستلزمات نقل الدم وعلاجات الأمراض المزمنة، بينما ازدهرت تجارة الأدوية الفاسدة ومنتهية الصلاحية نتيجة ضعف الرقابة.
كما ارتفعت معدلات الوفيات بين كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة بسبب انقطاع العلاج، في حين يواجه مرضى السرطان أوضاعاً مأساوية بعد توقف خدمات مستشفى "الذرة" ونفاد الأدوية الكيماوية وارتفاع أسعارها.
وتحتاج المنظومة الصحية إلى تدخل عاجل لإنقاذ ما تبقى منها، فيما أكدت منظمة الصحة العالمية، عبر مديرتها الإقليمية حنان بلخي، وجود صعوبات كبيرة في إيصال الإمدادات الطبية للمناطق المتضررة، وتشير التقارير إلى أن تهريب الأدوية المجهولة المصدر وتراجع الرقابة الصحية زادا من المخاطر على حياة المرضى، بينما تكشف التحليلات أن هشاشة القطاع تعود أيضاً إلى سنوات من ضعف الاستثمار في البنية التحتية الطبية قبل اندلاع الحرب.
نقص الدواء القاتل
تسببت الحرب في تعطيل سلاسل الإمداد الدوائي ورفع معدلات الوفيات المرتبطة بنقص العلاج، وأوضح وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم أن الوزارة اتخذت إجراءات احترازية بالتنسيق مع مجلس التنسيق الصيدلي لتفادي حدوث نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة، خاصة مع المخاوف المرتبطة باضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
ووفق رئيس شعبة مستوردي الأدوية وليد محمد أحمد، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بنسبة تتراوح بين 100 و120 بالمائة، ما انعكس على الأسعار وتوافر الأدوية، وأكد الأمين العام للمجلس القومي للأدوية والسموم محمد بشير أن الحكومة تعمل على توسيع التصنيع المحلي والتعاون مع دول أخرى لضمان استمرار الإمدادات.
ورغم ذلك، لا تزال المصانع تواجه تحديات تتعلق بالكهرباء والتمويل وارتفاع تكاليف التشغيل، بينما تعاني الصيدليات من نقص واسع في الأدوية الأساسية، ما دفع المرضى إلى اللجوء للسوق السوداء، كما حذرت منظمة "إنقاذ الطفل" من تأثير الأزمة على الخدمات الصحية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من المرضى، مؤكدة أن استمرار الحرب ينذر بكارثة صحية ووبائية واسعة النطاق.
تفكك الروابط الأسرية
ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على الأسرة السودانية، حيث أظهرت بيانات السلطة القضائية تسجيل نحو 35 ألف حالة طلاق وخلع منذ اندلاع النزاع، مع تصدر ولاية الخرطوم لهذه الحالات.
وترتبط هذه الظاهرة بالأوضاع الاقتصادية الصعبة وفقدان مصادر الدخل وتعطل الأنظمة المصرفية وشح السيولة، ما تسبب في ضغوط معيشية انعكست على الاستقرار الأسري.
وأشارت الباحثة الاجتماعية مها عبد الهادي إلى أن النزوح القسري ساهم في إضعاف شبكات الدعم الاجتماعي وتوسيع الفجوة بين أفراد الأسرة، كما أصبحت نحو مليون امرأة نازحة مسؤولة عن إعالة أسرها نتيجة فقدان الأزواج أو تشتتهم، الأمر الذي أدى إلى تحولات اجتماعية عميقة وصراعات داخل بعض الأسر.
وحذرت الناشطة الحقوقية نهى حيدر من أن تفكك الأسرة يزيد من تعرض النساء والأطفال للعنف والاستغلال في ظل ضعف أنظمة الحماية، وترى التحليلات أن استمرار هذه الأزمة سيترك آثاراً بعيدة المدى على المجتمع السوداني والأجيال القادمة، ما يجعل إعادة بناء الروابط الأسرية جزءاً أساسياً من مرحلة التعافي الوطني.
معاناة النزوح القسري
دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى ترك منازلهم بحثاً عن الأمان، ووفق منظمة الهجرة الدولية، شهد إقليم النيل الأزرق نزوح نحو 60 ألف شخص من مناطق الكرمك وباو وقيسان نحو مناطق أخرى تعاني أصلاً من محدودية الموارد، وتشكل النساء والفتيات 53 بالمائة من إجمالي النازحين، ما يعكس حجم الأعباء الإنسانية الواقعة عليهن.
كما حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من تراجع منظومات الحماية وارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في مراكز الإيواء، وتواجه الأسر النازحة أوضاعاً صعبة تتسم بنقص الخدمات الصحية وسوء البيئة السكنية وانتشار الأمراض.
ولم يقتصر النزوح على الداخل، بل امتد إلى دول الجوار مثل مصر وتشاد وليبيا، حيث يواجه اللاجئون تحديات قانونية ومعيشية جديدة، كما أكدت منظمة "أطباء بلا حدود" أن المرافق الصحية الحدودية تتعرض لضغوط كبيرة نتيجة تدفق الجرحى والنازحين، وتشير التحليلات إلى أن أزمة النزوح ستظل من أكثر تداعيات الحرب تعقيداً، مع ما تحمله من آثار على الاستقرار الاجتماعي والإقليمي.
تدهور الوضع المعيشي
رسم برنامج الأغذية العالمي صورة قاتمة للأوضاع الاقتصادية والمعيشية في السودان، حيث بات نحو 19 مليون شخص مهددين بانعدام الأمن الغذائي، وتسعى مشاريع زراعية مدعومة من بنك التنمية الأفريقي إلى دعم الإنتاج الزراعي وتعزيز صمود الأسر، إلا أن الظروف الأمنية واللوجستية تعيق تحقيق نتائج واسعة.
كما ساهمت أزمة السيولة وتعطل الخدمات المصرفية في شلل النشاط التجاري وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة، وأدى توقف الدراسة في عدد كبير من الجامعات والمدارس إلى تعقيد مستقبل ملايين الطلاب، رغم قرارات وزارة التعليم العالي بإعادة المؤسسات التعليمية إلى مقارها الأصلية في المناطق الآمنة.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد عبد اللطيف أن فقدان الوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة أسهما في زيادة التوترات الاجتماعية والنزوح الداخلي، كما تنبه التقارير إلى نمو اقتصاد موازٍ قائم على التهريب وتجارة السلاح والغذاء، ما يهدد فرص التعافي الاقتصادي مستقبلاً.
آفاق الحل المفقودة
ترى الآلية الخماسية الدولية، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة "إيغاد"، أن التسوية السياسية الشاملة تمثل الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة، وتشير تقاريرها إلى أن اجتماعات أديس أبابا مهدت لحوار أوسع بين القوى المدنية والسياسية رغم تعقيد الخلافات وتشابك المصالح.
وتؤكد التحليلات الصحفية أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يمنح الأولوية للقضايا الإنسانية، بما يشمل إيصال المساعدات وإعادة تأهيل القطاع الصحي وضمان عودة النازحين، كما أعلن قائد القوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان استعداد المؤسسة العسكرية لفتح الباب أمام من يختار ترك السلاح والانخراط في عملية البناء الوطني. ومع ذلك، لا تزال التحديات الميدانية قائمة، بينما يتطلب ترميم النسيج الاجتماعي سنوات من العمل والعدالة الانتقالية وجبر الضرر للضحايا.
ورغم حجم المأساة، ما زال السودانيون يتمسكون بالأمل في استعادة الاستقرار وبناء دولة قادرة على تجاوز آثار الحرب وفتح صفحة جديدة نحو التنمية والتعافي.

