هل تُعيد انتصارات المحافظين رسم خريطة النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية؟
ملخص :
لا يُنظر إلى فوز المحامي ورجل الأعمال اليميني، أبيلاردو دي لاسبيريا، برئاسة كولومبيا باعتباره مجرد انتقال للسلطة داخل واحدة من أبرز دول أمريكا اللاتينية، بل يُعد مؤشرا على تحول سياسي أوسع تشهده القارة، يتمثل في صعود متسارع للتيارات المحافظة المتحالفة مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع عودة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض وسعيه لإعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي في المنطقة.
ويأتي هذا الفوز ضمن سلسلة من الانتصارات التي حققها مرشحون يمينيون في عدد من دول أمريكا اللاتينية، مستفيدين من تنامي السخط الشعبي إزاء تصاعد معدلات الجريمة والفساد وتدهور الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب تراجع الثقة بالحكومات اليسارية التي هيمنت على أجزاء واسعة من القارة خلال العقدين الماضيين.
"النمر" يتعهد بقبضة أمنية صارمة
وحقق دي لاسبيريا، الذي يطلق على نفسه لقب "النمر"، الفوز في انتخابات تنافسية بعد حملة انتخابية ركزت بصورة أساسية على الملف الأمني، متعهدا بتطبيق سياسة "القبضة الحديدية" في مواجهة الجريمة المنظمة وعصابات المخدرات.
وتتضمن أجندته زيادة الإنفاق العسكري، وإنشاء سجون شديدة الحراسة، وتنفيذ عمليات تستهدف كبار قادة شبكات تهريب المخدرات خلال الأشهر الأولى من ولايته، إلى جانب الانضمام إلى تحالف أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة بهدف تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي في مواجهة كارتلات المخدرات، بما يمنح المؤسسة الأمنية دورا أكبر في إدارة هذا الملف.
انتصارات المحافظين تعزز نفوذ ترامب
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "تلغراف" للكاتبة، ليلي شاناغر، فإن ما يحدث في كولومبيا ليس حالة منفردة، بل يمثل امتدادا لاتجاه سياسي يتكرر في أنحاء أمريكا اللاتينية، حيث نجح حلفاء الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في الفوز بجميع الانتخابات الرئاسية التي أُجريت منذ عودته إلى البيت الأبيض.
ويشير التقرير إلى أن هذه النتائج تعكس تحولا في المزاج الشعبي، إذ باتت قطاعات واسعة من الناخبين تمنح الأولوية لاستعادة الأمن ومكافحة الجريمة، حتى وإن جاء ذلك عبر سياسات أكثر تشددا، بعدما تراجعت شعبية الحكومات اليسارية بسبب الإخفاق في معالجة الأزمات الاقتصادية والحد من نفوذ العصابات.
رؤية أمريكية لاستعادة الهيمنة الإقليمية
ويرى التقرير أن إدارة ترامب تنظر إلى هذه المتغيرات باعتبارها فرصة لإعادة بسط النفوذ الأمريكي داخل نصف الكرة الغربي، من خلال بناء شبكة من الحكومات المحافظة التي تتبنى اقتصاد السوق، وتعزز التعاون الأمني مع واشنطن، وتمنح الشركات الأمريكية فرصا أوسع للوصول إلى الموارد الطبيعية الإستراتيجية.
ولا يقتصر هذا التوجه على الاعتبارات الأيديولوجية، بل يمتد إلى أهداف اقتصادية وجيوسياسية أوسع، تشمل تعزيز النفوذ الأمريكي في مواجهة المنافسين الدوليين، وعلى رأسهم الصين، التي عززت حضورها الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة في العديد من دول المنطقة.
الموارد الطبيعية في صلب الحسابات الأمريكية
وينقل التقرير عن السفير الأمريكي السابق لدى بنما، جون فيلي، أن اهتمام ترامب بأمريكا اللاتينية لا تحركه الاعتبارات السياسية فقط، بل يرتبط بصورة مباشرة بالمصالح الاقتصادية الأمريكية، موضحا أن الرئيس الأمريكي يركز على ضمان الوصول إلى احتياطيات النفط والذهب والمعادن الإستراتيجية، باعتبارها عناصر أساسية في المنافسة الاقتصادية العالمية، مشيرا إلى أن ترامب لم يتردد في استخدام منصاته للتأثير العلني في السياسات الداخلية لدول المنطقة، في سلوك وصفه بأنه يمثل تطورا غير مسبوق في نهج السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية.
خطاب أمني موحد يجمع قادة اليمين
ويلفت التقرير إلى أن الخطاب الأمني الصارم أصبح السمة المشتركة بين معظم القادة المحافظين الجدد في القارة، ففي بيرو، تمكنت كيكو فوجيموري من الفوز بالرئاسة بعد حملة انتخابية ركزت على مكافحة الجريمة وتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة، بينما وصلت لورا فرنانديز ديلغادو إلى رئاسة كوستاريكا متعهدة بإطلاق "حرب صارمة" ضد الجريمة المنظمة وتعميق الشراكة الأمنية مع واشنطن.
أما في الإكوادور، فيواصل الرئيس دانييل نوبوا توسيع التعاون مع الولايات المتحدة عبر اتفاقيات أمنية لمواجهة ما يصفه بـ "إرهاب المخدرات"، بالتوازي مع فتح المجال أمام استثمارات جديدة في قطاع التعدين، في حين أعادت بوليفيا استقبال عناصر إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية بعد سنوات طويلة من القطيعة.
تعاون عسكري أمريكي مرشح للتوسع
ويشير التقرير إلى أن واشنطن تستعد لاستثمار هذا التحول السياسي من خلال توسيع حضورها الأمني والعسكري في المنطقة، ونقلت "تلغراف" عن مصادر مطلعة أن المرحلة المقبلة قد تشهد تنفيذ عمليات أمريكية داخل كولومبيا تستهدف معاقل إنتاج الكوكايين وقادة كارتلات المخدرات، خاصة في ظل تصريحات سابقة لترامب لوّح فيها باستخدام القوة العسكرية ضد شبكات تهريب المخدرات العابرة للحدود.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات قد تعزز مستوى التنسيق الأمني بين واشنطن والحكومات اليمينية الجديدة، لكنها في الوقت ذاته قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر حساسية من الناحية الأمنية.
"تصويت العقاب".. المزاج الشعبي يدفع اليمين إلى السلطة
وتوضح الكاتبة أن تنامي التأييد الشعبي للأحزاب المحافظة يعود إلى ما وصفه جون فيلي بـ "تصويت العقاب"، حيث لجأ كثير من الناخبين إلى معاقبة الحكومات السابقة بعد فقدان الثقة بقدرتها على احتواء الجريمة المنظمة وتحسين الأوضاع المعيشية.
وأدى هذا المزاج الشعبي إلى منح المرشحين اليمينيين زخما انتخابيا كبيرا، مستفيدين من وعودهم بإعادة فرض الأمن وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، حتى وإن تطلب ذلك تبني سياسات أكثر تشددا.
مخاوف من تصاعد العنف وانتهاكات حقوق الإنسان
ورغم الشعبية التي تحظى بها السياسات الأمنية المتشددة، يحذر التقرير من أن تطبيقها قد يفضي إلى نتائج معقدة، إذ قد يؤدي تشديد الإجراءات العسكرية إلى تصاعد أعمال العنف وارتفاع احتمالات وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، كما يُرجح أن تواجه الحكومات الجديدة ردود فعل عنيفة من الجماعات المسلحة وعصابات المخدرات، لا سيما في دول مثل كولومبيا التي تعاني تاريخيا من نزاعات مسلحة وشبكات إجرامية واسعة النفوذ.
أمريكا اللاتينية.. ساحة جديدة للمنافسة مع الصين
ويخلص تقرير "تلغراف" إلى أن إدارة ترامب تتعامل مع أمريكا اللاتينية باعتبارها إحدى أهم الساحات الإستراتيجية لاستعادة النفوذ الأمريكي، ليس فقط من خلال تعزيز التعاون الأمني، وإنما أيضا عبر توسيع الاستثمارات الأمريكية وضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية الحيوية.
وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى الحد من تنامي النفوذ الصيني في القارة، ضمن رؤية أوسع تعتبر أن تعزيز الهيمنة الأمريكية داخل نصف الكرة الغربي يشكل ركيزة أساسية لحماية المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.

