مضيق هرمز.. ساحة لاستنزاف أمريكيا وورقة قوة إيرانية وأزمة لأوروبا
ملخص :
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي أو نقطة اشتباك عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، بل أصبح مركزا لتقاطع الأزمات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية، واختبارا لقدرة القوى الكبرى على إدارة صراعات طويلة الأمد دون استنزاف مواردها، وبينما تسعى واشنطن إلى ضمان حرية الملاحة الدولية وردع التحركات الإيرانية، تعمل طهران على استثمار موقعها الجغرافي لتحويل المضيق إلى ورقة نفوذ دائمة في معادلات الإقليم، في وقت تتحمل فيه أوروبا جانبا كبيرا من التداعيات الاقتصادية والأمنية.
وتشير قراءات نشرتها صحف أمريكية وبريطانية إلى أن الأزمة تجاوزت إطار المواجهة العسكرية المباشرة، لتتحول إلى صراع على موازين القوة والنفوذ، يطال الأمن البحري، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية، ومستقبل التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
واشنطن تعيد تقييم عقيدتها العسكرية بعد حرب الاستنزاف
كشفت التطورات المرتبطة بالمواجهة مع إيران عن تحديات عسكرية دفعت المؤسسة الدفاعية الأمريكية إلى مراجعة مفاهيمها القتالية التقليدية، بعدما أثبتت الحرب أن الاعتماد على منظومات تسليح متطورة وباهظة الكلفة لم يعد كافيا في مواجهة التهديدات الحديثة.
وبحسب ما أوردته صحيفة "واشنطن بوست"، فإن البنتاغون يعيد النظر في عقيدة عسكرية استندت لعقود إلى استخدام عدد محدود من الأسلحة فائقة التطور، بعدما أظهرت المواجهات الأخيرة أن التصدي لأسراب الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الكلفة باستخدام ذخائر تبلغ قيمتها ملايين الدولارات يمثل معادلة غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل.
وترى الصحيفة أن الجيش الأمريكي بات مطالبا بالانتقال إلى نموذج أكثر مرونة، يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والإنتاج الكمي للذخائر الأقل تكلفة، بما يضمن القدرة على خوض نزاعات ممتدة دون استنزاف المخزون العسكري، خاصة في ظل استمرار التحديات التي تفرضها كل من الصين وروسيا إلى جانب إيران.
ترامب بين التصعيد والتفاوض.. معضلة سياسية تتفاقم
لا تقتصر تداعيات أزمة مضيق هرمز على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة، حيث تواجه إدارة الرئيس، دونالد ترامب، ضغوطا متزايدة بشأن كيفية إنهاء المواجهة دون تكبد خسائر سياسية أو استراتيجية.
ووفقا لتحليل نشرته صحيفة "التايمز" البريطانية، فإن استمرار العمليات العسكرية بدأ يثير تساؤلات حتى داخل الأوساط المؤيدة للرئيس الأمريكي، بعدما تحولت المواجهة إلى صراع مفتوح يصعب حسمه عسكريا أو سياسيا.
وترى محررة الشؤون السياسية، كاتي بولز، أن ترامب، الذي رفع منذ بداية ولايته شعار تجنب "الحروب الدائمة" والإبقاء على فرص التسويات السياسية، يجد نفسه أمام خيارات جميعها معقدة؛ فإما مواصلة التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي على إيران، أو العودة إلى طاولة المفاوضات، أو القبول بتسوية أقل طموحا قد تخفف التوتر لكنها تمنح طهران مكاسب سياسية واستراتيجية.
ويزداد هذا الضغط مع اقتراب الانتخابات النصفية، إذ يخشى الجمهوريون من أن يؤدي استمرار الصراع إلى ارتفاع أسعار النفط والطاقة، بما ينعكس سلبا على الاقتصاد الأمريكي وشعبية الإدارة بين الناخبين.
الملاحة في هرمز.. قرارات محفوفة بالمخاطر وتكاليف متصاعدة
في المقابل، تؤكد صحيفة "فايننشال تايمز" أن جوهر الأزمة يتمثل في السيطرة الفعلية على حركة الملاحة داخل المضيق، حيث أصبحت شركات النقل البحري تواجه تحديات غير مسبوقة عند التخطيط لعبور هذا الشريان الحيوي.
وأوضح تقرير أعده أليس هانكوك، وستيفن برنارد أن السفن التجارية أصبحت مضطرة لإجراء تنسيق مسبق مع شركات التأمين والجهات العسكرية الأمريكية لتحديد مسارات الإبحار، وأوقات العبور، وإجراءات الحماية، بعد تعرض عدد من السفن التي استخدمت المسارات القريبة من المياه العمانية لهجمات صاروخية.
كما فرضت المخاطر الأمنية واقعا جديدا على العاملين في القطاع البحري، إذ بات العديد من البحارة يشترطون الحصول على أجور مضاعفة، بل تصل أحيانا إلى ثلاثة أضعاف، مقابل قبول الإبحار عبر المضيق.
وأدت هذه التطورات إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين البحري، حيث بلغت أقساط التأمين خلال ذروة الأزمة ما بين 7 و8% من قيمة السفينة، قبل أن تنخفض مؤقتا مع مؤشرات التهدئة، ثم تعاود الارتفاع مع تجدد الهجمات، الأمر الذي دفع عددا متزايدا من ملاك السفن إلى تأجيل رحلاتهم تفاديا للمخاطر.
صراع على إدارة المضيق.. أوروبا تبحث عن تسوية وسط
وفي موازاة التصعيد الأمني، تتواصل المناقشات بشأن مستقبل إدارة الملاحة في مضيق هرمز، وسط تباين واضح بين الرؤى الإيرانية والغربية والخليجية.
وأشارت صحيفة "الغارديان" إلى أن عددا من الدول الأوروبية يدرس مقترحات تقضي بفرض رسوم على بعض خدمات الملاحة، على أن تكون اختيارية ومتوافقة مع قواعد المنظمة البحرية الدولية، في محاولة للتوصل إلى صيغة تحقق توازنا بين المطالب الإيرانية ومتطلبات حرية الملاحة.
وبحسب التقرير الذي أعده باتريك وينتور، وويليام كريستو، فإن إيران تسعى إلى ترتيبات تمنحها دورا محوريا في تنظيم حركة السفن داخل المضيق، بينما تتمسك سلطنة عُمان بموقفها الرافض لأي رسوم إلزامية، مؤكدة أن القانون الدولي يكفل حرية المرور في الممرات البحرية الدولية.
كما نقلت الصحيفة تحذيرات خليجية من أن منح إيران نفوذا مباشرا على إدارة المضيق قد يحول أحد أهم شرايين التجارة العالمية إلى أداة ضغط سياسي تستخدمها طهران كلما تصاعدت الأزمات الإقليمية.
إيران تراهن على الجغرافيا لتعزيز نفوذها الإقليمي
من جانبها، ترى "وول ستريت جورنال" أن القيادة الإيرانية تنظر إلى أزمة مضيق هرمز باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة رسم مكانتها الإقليمية، وليس مجرد أزمة عابرة مرتبطة بالمواجهة مع الولايات المتحدة.
وأشار الكاتب ياروسلاف تروفيموف إلى أن طهران تعتقد أنها خرجت من المواجهة الأخيرة في موقع أكثر قوة، وأن امتلاكها القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق يمنحها نفوذا يتجاوز بكثير أي مكاسب قد تحققها من تخفيف العقوبات الأمريكية.
وبحسب الصحيفة، تدرك إيران أن المضيق يمثل شريانا حيويا تعتمد عليه اقتصادات الخليج لتصدير النفط والغاز واستيراد السلع، وهو ما يمنحها قدرة مؤثرة على أسواق الطاقة العالمية ويجبر القوى الدولية على أخذ مصالحها في الاعتبار عند إدارة أي أزمة مستقبلية.
أوروبا أمام تحديات أمنية واقتصادية مزدوجة
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الشرق الأوسط أو الولايات المتحدة، بل تمتد إلى أوروبا التي تواجه تحديات متراكمة نتيجة استمرار الحرب في أوكرانيا وتراجع قدراتها الدفاعية.
وأوضحت مجلة "نيوزويك"، في تقرير أعده توم أوكونور، أن أي مواجهة أمريكية طويلة مع إيران قد تؤدي إلى تقليص قدرة واشنطن على تزويد حلفائها الأوروبيين بالأسلحة والمعدات العسكرية، في وقت تسعى فيه القارة إلى تسريع برامج إعادة التسلح وتعزيز جاهزيتها الدفاعية.
ونقل التقرير عن خبراء أوروبيين أن الإشكالية لا ترتبط بحجم الإنفاق العسكري فحسب، بل بضعف القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، التي ظلت لسنوات تعتمد بصورة كبيرة على القدرات والإمدادات الأمريكية، ما يجعلها أكثر عرضة للمخاطر إذا انشغلت واشنطن بصراعات أخرى.
هرمز.. معادلة جديدة للصراع الدولي
وتكشف أزمة مضيق هرمز عن تحول عميق في طبيعة الصراعات الدولية، إذ لم تعد المواجهة تقاس فقط بالتفوق العسكري، وإنما بقدرة الدول على تحمل كلفة النزاعات الممتدة وإدارة تداعياتها السياسية والاقتصادية.
فالولايات المتحدة، رغم امتلاكها أقوى ترسانة عسكرية في العالم، تواجه تحديات متزايدة تتعلق باستنزاف الذخائر وارتفاع الكلفة السياسية للحرب، بينما تسعى إيران إلى توظيف موقعها الجغرافي لتحويل المضيق إلى مصدر نفوذ استراتيجي دائم.
وفي المقابل، تجد أوروبا نفسها الطرف الأكثر تأثرا بالنتائج، مع ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة والتأمين، وتزايد المخاوف من تراجع قدرة الحليف الأمريكي على تلبية احتياجاتها الأمنية، بما يجعل مضيق هرمز أحد أبرز مفاتيح إعادة تشكيل موازين القوى في النظام الدولي.

