إسرائيل تخشى من النفوذ التركي في سوريا وتباين مع واشنطن بشأن الوجود العسكري
ملخص :
تسود أوساط المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حالة من القلق المتزايد إزاء اتساع النفوذ التركي داخل سوريا، في ظل التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد، وسط تقديرات إسرائيلية تعتبر أن تعاظم الحضور التركي قد يفرض معادلات أمنية جديدة على حدودها الشمالية.
وذكرت "هيئة البث الإسرائيلية" أن دوائر صنع القرار الأمني في تل أبيب تنظر بجدية إلى ما وصفته بترسيخ أنقرة وجودها داخل الأراضي السورية، ناقلة عن مصدر أمني قوله إن "التوغل التركي في العمق السوري بات مسألة وقت"، في إشارة إلى توقعات بتوسيع الدور التركي خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف المصدر أن الوجود التركي يمثل تحديا أمنيا معقدا بالنسبة لإسرائيل، موضحا أن أنقرة تمتلك مصالح متعددة في الساحة السورية، وأن وجود دولة تمتلك قدرات عسكرية وأسلحة استراتيجية على الحدود الشمالية لإسرائيل يفرض على المؤسسة الأمنية متابعة التطورات عن كثب والاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة.
تركيز إسرائيلي على ملامح سوريا الجديدة
وبحسب الهيئة، فإن التقييمات الأمنية الإسرائيلية لم تعد تقتصر على متابعة التطورات الميدانية اليومية داخل سوريا، بل باتت تركز بصورة أكبر على طبيعة الدولة السورية التي تتشكل بعد إسقاط نظام الأسد، والاتجاهات السياسية والعسكرية التي ستحدد مستقبلها.
وترى المصادر الأمنية الإسرائيلية أن القضية الأساسية لا تتمثل في الأحداث الحالية بقدر ما ترتبط بالمسار الذي ستسلكه "سوريا الجديدة"، وما إذا كانت ستتحول إلى دولة تمتلك جيشا قويا وتحالفات إقليمية قد تؤثر في ميزان القوى على الحدود مع إسرائيل.
تقديرات إسرائيلية بشأن إدارة الشرع للمرحلة الانتقالية
وفي سياق متصل، نقلت "هيئة البث الإسرائيلية" عن مصادر أمنية تقديراتها بأن الرئيس السوري أحمد الشرع يدرك أن أي هجمات إضافية ضد الأقليات قد تستدعي ردود فعل دولية واسعة، الأمر الذي يدفعه، بحسب هذه المصادر، إلى انتهاج سياسة أكثر حذرا في إدارة المرحلة الحالية.
كما أشارت المصادر إلى أن الشرع يركز في المرحلة الراهنة على إعادة بناء المؤسسة العسكرية قبل استكمال بناء مؤسسات الدولة، معتبرة أن السؤال الأكثر إلحاحا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يتمثل في طبيعة الدولة التي ستنشأ على حدود إسرائيل الشمالية، وشكل النظام السياسي والعسكري الذي ستتبناه دمشق مستقبلا.
مخاوف من صعود دولة ذات طابع إسلامي
وتشير التقديرات الأمنية الإسرائيلية، وفقا لما أوردته هيئة البث، إلى وجود مخاوف من أن تتحول سوريا مستقبلا إلى دولة ذات توجه إسلامي تمتلك جيشا منظما وإمكانات عسكرية متطورة، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديدا استراتيجيا قد ينعكس على أمنها في المدى البعيد.
كما ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الاهتمام الدولي ينصب حاليا على توحيد سوريا وإعادة إعمارها بعد سنوات الحرب، في حين لا يحظى شكل النظام الجديد أو سياساته تجاه المكونات السورية المختلفة، بما فيها الدروز والمسيحيون والعلويون والأكراد، بالقدر نفسه من الاهتمام الدولي.
وأضافت المصادر أن الصورة التي تُقدَّم للمجتمع الدولي تتحدث عن قيام دولة سورية موحدة لجميع مواطنيها، إلا أن الواقع، بحسب التقديرات الإسرائيلية، أكثر تعقيدا مما يتم الترويج له.
واشنطن تضغط لتقليص الوجود العسكري الإسرائيلي
وتتزامن هذه المخاوف مع مؤشرات على وجود تباين في الرؤية بين واشنطن وتل أبيب بشأن الانتشار العسكري الإسرائيلي في سوريا ولبنان، فقد أفاد موقع "أكسيوس" الأمريكي بأن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، البدء في سحب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، إلى جانب اتخاذ خطوة مماثلة في لبنان.
ونقل الموقع عن مسؤول أمريكي أن ترامب أبلغ نتنياهو بأن الولايات المتحدة لا ترغب في استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل تلك المناطق، داعيا إلى إعادة نشر القوات، مع إبداء الموقف ذاته تجاه الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.
في المقابل، أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في بيان، أن نتنياهو شدد خلال الاتصال مع ترامب على ضرورة إقامة مناطق أمنية بمحاذاة الحدود الإسرائيلية، باعتبارها جزءا من الرؤية الأمنية الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.
تحركات تركية تعزز الحضور العسكري في سوريا
ولا تنفصل المخاوف الإسرائيلية عن التحركات التركية الأخيرة التي تعكس تصاعد الانخراط العسكري لأنقرة في سوريا، وهو ما يفسر المتابعة الدقيقة التي تبديها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لمسار العلاقات بين دمشق وأنقرة.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن سفنا تابعة لقيادة القوات البحرية التركية زارت ميناء اللاذقية شمال غربي سوريا، في أول زيارة بحرية من نوعها منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011.
وأوضحت الوزارة، في بيان، أن قائد القوات البحرية التركية، الأدميرال، أرجومنت تاتلي أوغلو، كان على متن السفينة الحربية "تي جي غي إسطنبول" خلال الزيارة، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن طبيعة المهمة أو أهدافها.
التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري مستمر
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية داخل جنوب سوريا، من خلال تنفيذ توغلات متكررة وفرض وقائع ميدانية جديدة في المنطقة الحدودية، مستفيدة من المتغيرات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وتحتل إسرائيل معظم مساحة هضبة الجولان السورية منذ حرب عام 1967، فيما أعلنت، عقب سقوط نظام الأسد، انتهاء العمل باتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، قبل أن توسع سيطرتها لتشمل المنطقة السورية العازلة.
وكانت فصائل الثورة السورية قد دخلت العاصمة دمشق في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، معلنة إسقاط نظام بشار الأسد الذي حكم البلاد بين عامي 2000 و2024، بعدما خلف والده حافظ الأسد، الذي تولى السلطة منذ عام 1971 وحتى وفاته عام 2000، في حدث شكّل نقطة تحول مفصلية في المشهدين السوري والإقليمي، وأعاد رسم موازين القوى والتحالفات في المنطقة.

