يترأسها ترامب..قمة دفاعية في بنسلفانيا وسط مخاوف من نفاد الترسانة الصاروخية الأمريكية
ملخص :
تعقد قمة دفاعية رفيعة المستوى في كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي، اليوم الأربعاء، بمدينة كارلايل الواقعة في ولاية بنسلفانيا، يترأسها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في خطوة يسعى من خلالها إلى الترويج لضخ استثمارات هائلة في التقنيات العسكرية الميدانية، ويأتي هذا الحدث في توقيت بالغ الحساسية، إذ تكشف التطورات الأخيرة أن المواجهة العسكرية مع إيران قد أفضت إلى استنزاف ملحوظ في مخزونات الولايات المتحدة من الأسلحة الدقيقة، وعلى رأسها صواريخ "توماهوك" الجوالة، ومنظومات "باتريوت" للدفاع الجوي، إضافة إلى منظومة "ثاد" الاعتراضية المتقدمة.
تنظيم رفيع وحضور مكثف لصناع القرار العسكري
يتولى تنظيم هذه القمة السيناتور الجمهوري، ديفيد ماكورميك، فيما يشارك في فعالياتها عدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، من بينهم وزير الحرب، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال، دان كين، ووزير الجيش، دان دريسكول، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون راتكليف، وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، وقد أوضح البيت الأبيض أن هذا التجمع يهدف إلى الجمع بين قيادات بارزة في القطاع الدفاعي وكبار المستثمرين الدوليين، بغرض تسليط الضوء على محورية الأمن القومي وفتح آفاق استثمارية جديدة في هذا المجال الحيوي.
نخبة المال والصناعة تحت سقف واحد
ولم يقتصر حضور القمة، التي انطلقت فعاليتها أمس الثلاثاء، على الدوائر الرسمية فحسب، بل شهدت مشاركة نخبة من أبرز قادة المال والأعمال في الولايات المتحدة، فقد حضر جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لمصرف "جي بي مورغان"، إلى جانب جون غراي رئيس مجموعة "بلاكستون" الاستثمارية، كما شارك جيم تايكليت الرئيس التنفيذي لشركة "لوكهيد مارتن" العملاقة للصناعات الدفاعية، وفيبي نوفاكوفيتش الرئيسة التنفيذية لشركة "جنرال دايناميكس"، وكيلي أورتبرغ الرئيسة التنفيذية لشركة "بوينغ"، وحضر أيضا أنطونيو غراسياس، أحد مديري شركة "سبيس إكس"، وشيام سانكار، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة "بالانتير" المتخصصة في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، وذلك بحسب ما أفاد به مكتب السيناتور ماكورميك.
سابقة بيتسبرغ.. نموذج يعاد استنساخه
لم تكن هذه القمة هي التجربة الأولى من نوعها لماكورميك، إذ سبق للرئيس ترامب أن ألقى كلمة في تجمع مماثل نظمه السيناتور العام الماضي في مدينة بيتسبرغ، والذي سعى من خلاله إلى ترسيخ مكانة المدينة كمركز رائد في مجالي تكنولوجيا الطاقة والروبوتات، وقد أثمر ذلك اللقاء عن إعلان استثمارات مخصصة بلغت قيمتها 90 مليار دولار، وُجهت لدعم هذين القطاعين في مختلف أنحاء ولاية بنسلفانيا، ما جعل من هذه القمة الجديدة استمرارا لنهج استثماري متصاعد يتبناه ماكورميك بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية.
إعلانات استثمارية تسبق وصول الرئيس
وانطلقت فعاليات القمة هذا العام منذ أمس الثلاثاء، أي قبل وصول الرئيس ترامب رسميا، وشهدت الجلسات الافتتاحية إعلان شركة "زيرو آيز" (ZeroEyes)، الرائدة في مجال رصد التهديدات عبر تقنيات التحليل المتعدد، والتي يقع مقرها في بلدة كونشوهوكن القريبة من فيلادلفيا، عن استثمار مخطط بقيمة 10 ملايين دولار موجه لأبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم الآلي.
وفي السياق ذاته، كشفت شركة "جيكو روبوتيكس" (Gecko Robotics)، ومقرها مدينة بيتسبرغ، عن خططها لإنشاء منشأة تصنيع جديدة تمتد على مساحة 930 مترا مربعا، صُممت خصيصا لتعزيز دمج تقنيات الروبوتات في خطوط الإنتاج الدفاعي، بما يسهم في توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية وتحديثها بشكل أكثر فاعلية.
أزمة الترسانة الصاروخية.. 3 سنوات لسد الفجوة
في مؤشر مقلق يلقي بظلاله على مجريات القمة، خلص تحليل نُشر في مايو/أيار الماضي إلى أن مقاولي الجيش الأمريكي بحاجة إلى ما لا يقل عن 3 سنوات كاملة لإعادة بناء مخزوناتهم من صواريخ "توماهوك"، فضلا عن صواريخ "باتريوت"، ومنظومة "ثاد" الاعتراضية المخصصة لصد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقد تراجعت هذه المخزونات بشكل ملموس عقب سلسلة الضربات المتكررة التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، الأمر الذي أثار مخاوف جدية من أن تجد القوات الأمريكية نفسها بقوة نيران محدودة، في حال اندلاع أي مواجهة مستقبلية محتملة مع الصين.
شبح تايوان يخيم على الحسابات الإستراتيجية
وتكمن جذور هذا القلق في الأهداف المعلنة للصين، التي تسعى إلى تجهيز جيشها بما يضمن قدرته على استعادة تايوان بالقوة عند الضرورة، بحلول عام 2027، وهو ما يصفه خبراء إستراتيجيون بأنه سقف طموح أكثر من كونه موعدا نهائيا قاطعا، غير أن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، لم يتوانَ، خلال زيارة قام بها ترامب مؤخرا إلى بكين، عن التحذير من أن أي سوء تقدير أمريكي في إدارة العلاقة مع تايوان قد يفضي إلى تصادم مباشر بين واشنطن وبكين، بل وربما إلى اندلاع صراع مفتوح بين القوتين العظميين.
أوكرانيا.. وعد بترخيص إنتاج "باتريوت"
وعلى صعيد متصل بالساحة الأوروبية، جدد ترامب مؤخرا تعهده بمنح أوكرانيا ترخيصا لإنتاج منظومات "باتريوت" للدفاع الجوي محليا، وهي خطوة قد تشكل نقلة نوعية في مسار الحرب الدائرة بين كييف وموسكو، إلا أن المراقبين يشيرون إلى أن تحويل هذا التعهد من مجرد فكرة سياسية إلى منظومات تسليحية فعلية جاهزة للاستخدام قد يستغرق سنوات، نظرا لتعقيد سلاسل الإنتاج ومتطلبات النقل التكنولوجي.
ميزانية تريليونية تصطدم بعقبات الكونغرس
وفي مواجهة هذا العجز المتنامي، سعى ترامب إلى معالجة الأزمة من جذورها عبر اقتراح ميزانية دفاعية غير مسبوقة تبلغ 1.5 تريليون دولار للعام المالي 2027، في خطوة تعد الأضخم من نوعها في تاريخ الإنفاق العسكري الأمريكي، غير أن حزمة التشريعات التي من شأنها إجازة هذا المستوى الهائل من الإنفاق ما تزال متعثرة داخل أروقة الكونغرس، ولم تلقَ بعد الموافقة النهائية، والأخطر من ذلك أنه حتى في حال إقرار هذه الميزانية لاحقا، فإن الأمر سيتطلب وقتا إضافيا طويلا لتوسيع الطاقات الإنتاجية اللازمة لاستيعاب تصنيع هذه المنظومات التسليحية المعقدة.
دعوات لتسريع سلاسل التوريد الدفاعية
في هذا الإطار، شدد جيك لوساريان، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة "جيكو روبوتيكس"، على أن شركات الدفاع الأمريكية مطالبة اليوم بتعزيز سلاسل توريدها، بما يتيح تقليص الفترة الزمنية اللازمة لتحويل التقنيات الجديدة من مرحلة التطوير إلى الإنتاج على نطاق واسع، مضيفا أن الرئيس ترامب "يدرك بشكل فريد أهمية التأثير العملي الملموس في الوقت الراهن"، ومشيرا في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأمريكي "يتطلع كذلك إلى تحقيق إنجازات إستراتيجية أكبر على المدى البعيد".
تعكس هذه القمة، بما تحمله من إعلانات استثمارية وحضور نوعي لكبرى الشركات الدفاعية والمالية، محاولة أمريكية جادة لمعالجة اختلال متصاعد بين حجم الالتزامات العسكرية الخارجية واستنزاف المخزونات الصاروخية الحيوية، وبينما تراهن واشنطن على ضخ استثمارات ضخمة وميزانيات قياسية لسد هذه الفجوة، تبقى عوامل الزمن والتعقيد الصناعي والعراقيل التشريعية عقبات جوهرية قد تحد من قدرة الولايات المتحدة على استعادة توازنها الإستراتيجي بالسرعة التي تتطلبها التحديات المتصاعدة في تايوان وأوكرانيا على حد سواء.

