كارثة وشيكة في ولاية كردفان والمحكمة الجنائية تدعو إلى تحرك عاجل لمنع تكرار مأساة دارفور
ملخص :
أطلقت المحكمة الجنائية الدولية تحذيرا شديد اللهجة من احتمال انزلاق مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى موجة جديدة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية واتساع رقعة المواجهات في السودان، وجاء هذا التحذير بالتزامن مع اتهامات رسمية لقوات الدعم السريع باستهداف منشأة كهربائية حيوية في مدينة الدبة بالولاية الشمالية، في مؤشر جديد على اتساع دائرة الصراع واستهداف البنية التحتية المدنية.
وخلال إحاطة قدمتها أمام مجلس الأمن الدولي، أكدت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، أن المؤشرات الميدانية تثير مخاوف جدية من اقتراب وقوع أخطر الجرائم التي يجرمها القانون الدولي في مدينة الأُبيّض، محذرة من أن المجتمع الدولي قد يجد نفسه أمام مأساة جديدة كان بالإمكان منعها.
وأضافت أن مكتب الادعاء في المحكمة يتبنى التقييم ذاته الذي أصدرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن خطورة التطورات في المدينة، مؤكدة أن حجم المؤشرات المتوافرة لم يعد يسمح للمجتمع الدولي بادعاء الجهل بما يجري على الأرض.
شهادات اللاجئين تعيد إلى الأذهان جرائم دارفور
وكشفت خان أنها زارت خلال الفترة الماضية مخيمات اللاجئين في شرق تشاد، حيث التقت عشرات الفارين من إقليم دارفور، واستمعت إلى روايات وصفتها بالصادمة، تضمنت شهادات عن عمليات قتل جماعي واغتصاب واسع النطاق وانتهاكات ممنهجة بحق المدنيين، موضحة أن الشهادات التي وثقها مكتب الادعاء تعكس الأساليب ذاتها التي ميزت الجرائم المرتكبة في دارفور قبل عقدين، والتي دفعت مجلس الأمن الدولي عام 2005 إلى إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، مشيرة إلى أن السكان يعيشون حالة من الخوف العميق ويعتقدون أن الأسوأ لم يحدث بعد.
وأشارت إلى أن عددا كبيرا من اللاجئين تحدثوا عن مشاهد مأساوية، تضمنت مقتل أفراد من عائلاتهم أمام أعينهم، ووقائع اغتصاب طالت النساء والأطفال، فضلا عن تعرض قاصرين لاعتداءات متكررة تركت آثارا نفسية عميقة لا تزال مستمرة.
دعوات عاجلة لتحرك مجلس الأمن
وحملت نائبة المدعي العام مجلس الأمن والدول الأعضاء مسؤولية التحرك الفوري للحيلولة دون وقوع مزيد من الجرائم، مؤكدة أن منع الكارثة المقبلة أصبح مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل، قائلة إن مكتب الادعاء يواصل عمله بوتيرة متسارعة لملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في مدينة الفاشر خلال عام 2025، إلى جانب مواصلة التحقيق في الجرائم التاريخية التي تعود إلى أكثر من عشرين عاما، والتي لا تزال تداعياتها تغذي دوامة العنف في السودان.
وأكدت أن التحقيقات شهدت خلال الأشهر الماضية تقدما ملموسا، تمثل في إجراء مقابلات مع شهود رئيسيين، أسهمت في توثيق العلاقة المباشرة بين الجرائم والأشخاص المسؤولين عنها، وهو ما اعتبرته تطورا نوعيا في مسار العدالة الدولية، مشددة على أن هذا التقدم يبعث برسالة واضحة إلى جميع من يخططون للهجمات أو يشرفون عليها أو يقدمون الدعم لمرتكبيها، مفادها أن الإفلات من العقاب لن يستمر، وأن العدالة الدولية تواصل ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات.
تصاعد الهجمات على الأُبيّض وتفاقم المخاوف الإنسانية
ويتزامن التحذير الدولي مع تصاعد العمليات العسكرية في مدينة الأُبيّض، التي تعرضت خلال الأسابيع الأخيرة لسلسلة من الهجمات بواسطة الطائرات المسيّرة، استهدفت منشآت مدنية وخدمية، من بينها محطة الكهرباء الرئيسية ومحطات الوقود، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، فضلا عن أضرار واسعة في البنية التحتية.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في مايو/أيار الماضي من التدهور المتسارع للأوضاع الأمنية في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن أعمال العنف بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2026 أودت بحياة ما لا يقل عن 880 مدنيا، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة الاشتباكات.
اتهامات للدعم السريع باستهداف منشأة كهربائية في الدبة
وفي تطور ميداني متزامن، أعلنت لجنة أمن مدينة الدبة بالولاية الشمالية أن قوات الدعم السريع شنت هجوما بطائرات مسيّرة استهدف محطة الكهرباء التحويلية في المدينة، ما أدى إلى اندلاع حريق داخل المنشأة وإصابة أحد عناصر الحراسة بجروح طفيفة نقل على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وأكدت اللجنة، في بيان رسمي، أن استهداف المحطة يأتي ضمن ما وصفته بسياسة ممنهجة تستهدف المرافق المدنية والخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين، مشددة على أن مثل هذه الهجمات لن تؤثر في استمرار العمليات العسكرية التي يخوضها الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع.
وفي السياق ذاته، أظهرت مقاطع فيديو تداولها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي تصاعد ألسنة اللهب من محطة الكهرباء عقب الهجوم، بينما أفادت وسائل إعلام محلية بأن الضربة تسببت في انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء من المدينة، كما طالت مواقع عسكرية مجاورة.
تبادل الاتهامات واستمرار الحرب
وتواصل السلطات السودانية ومنظمات حقوقية توجيه اتهامات لقوات الدعم السريع باستهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية، بينما تنفي الأخيرة هذه الاتهامات، وتؤكد أنها تنفذ عملياتها العسكرية مع الحرص على حماية المدنيين.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، دخل السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، إذ أسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف، فيما اضطر نحو 13 مليون شخص إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى الدول المجاورة، وسط انهيار متواصل للخدمات الأساسية وتصاعد التحذيرات الدولية من اتساع رقعة الكارثة الإنسانية والأمنية.

