ماذا يوجد وراء الإطار؟ موزاييك سينمائي في عمّان
ملخص :
"ماذا يوجد وراء الإطار؟" — موزاييك سينمائي من قلب مهرجان عمّان السينمائي الدولي، يجمع شهادات مخرجين وممثلين ومنتجين وناشطين حول معنى ما وراء الكاميرا: من أرشيف فلسطين وذاكرة السينمات القديمة، إلى قصص النساء والذكورية، وصولًا إلى تجربة المُشاهدة نفسها.
"نحن داخل الإطار ونحن من وراءه، نحن ما وراء العربي الذي ينتظر من ينقذه، ما وراء الإرهابي، ما وراء المرأة التي تزغرد في الخلفية، لأننا نحن الأصل ومصدر الإلهام للسينما العالمية"
المخرجة المغربية سناء العلاوي حفل ختام مهرجان عمّان السينمائي الدّولي
خلال 7 أيام لمهرجان عمّان السينمائي الدّولي، تستعرض هذه القطعة مجموعة من الشهادات والمقابلات، أجريت مع مخرجين، وممثلين، ومنتجين، وضيوف من دول أخرى، تدور كلها في نفس الفلك: "ماذا يعني لك ما وراء الإطار؟"، كل قرار أُخذ خلف الكاميرا، وإيماءة ممثل تلتقطها العدسة، وأولويات منتج في التمويل، سنسمع من هذه المجموعة المتنوعة كيف تعمل السينما كأداة لحفظ الذاكرة، والأرشيف، والمطالبة بالعدالة، وكيف تحقق هدف الفنون الأسمى من عرض التجارب الشخصية، وهو أنّ الإنسان لا يمر بالألم وحده، نشاهد فيها سؤالًا واحدًا يسفر عن 13 إجابة مختلفة باختلاف الأشخاص والأدوار، في لوحة موزاييك سينمائية في عمّان.
ما وراء المدينة والأرشيف والذاكرة
في قلب وسط البلد عمّان، إن أمعنت النظر قليلاً ما بين لافتات الشوارع والدكاكين تجد لافتة "كواكب" الخشبية، أحد أقدم دور السينما في المدينة، يأخذنا فيها المخرج محمود مسّاد في رحلة توثيقية لأيام السينما الأخيرة قبل الإغلاق بعد جائحة كورونا، متّخذًا من عمّال السينما أبطالًا لفيلمه الوثائقي، ويتخلّل الفيلم مشاهد كواليس تصوير الوثائقي مع مسّاد وطاقمه تجمع بين الفكاهة والألم، يتخللها تسجيلات أرشيفية للقضية الفلسطينية منذ 1948 وحتى السابع من أكتوبر، داخل مبنى السينما المطل درجها على شارع الملك طلال، حيث تحتشد المظاهرات في عمّان مع أي حدث إقليمي مرتبط بالقضية، في صورة تربط العلاقة بين السينما والعالم من حولنا، أرشيفيًّا ومكانيًّا.
قال مدير التصوير حمزة عميرة لسطر إنّ الفيلم جاء لحماية ذكرى سينما كواكب من النسيان، خصوصًا بعد تفشّي دور السينما المستحدثة في المولات الزجاجية المنمّقة، وهدف أيضًا إلى تعليم طلاب السينما كيفية صناعة الوثائقي بشكل خارج عن الإطار، ويرى عميرة أنّ الفيلم قدّم له وللمشاهد خلاصة غاية في الأهمية، وهي أنّ تصوير الفيلم الوثائقي يحتاج إلى كاميرا واحدة، ومصدر إضاءة واحد، وطاقم مكوّن من شخصين لا أكثر.
على بعد عدة شوارع من رحلة مسّاد، قدّمت المخرجة ياسمينا كراجة تجربة بصرية مختلفة لوسط البلد خلال ليلة واحدة من السرد، جمعت فيها بين طبقات اقتصادية واجتماعية مختلفة، بدون لهجة مصطنعة لسكّان غرب المدينة، أو تكرار ألفاظ نابية في الأحياء المتواضعة، في فيلم "كمين" تظهر المدينة نفسها كبطلة القصة، بتناقضاتها الإنسانية، والطبقية، والاقتصادية، وكلّما تعتقد أنّك توصّلت إلى خلاصة واضحة، تُفاجأ بـ"كمين" جديد، ترفض فيه عمّان أن تُختزل في إطار واحد، تقول كراجة إنّها اعتمدت أسلوب الكتابة المشتركة مع الممثلين لخلق تجربة تعبر عن المجتمع بشكل حقيقي، ويتفق معها الممثل يزن عيد: "أردنا أن نصنع فيلمًا يشبهنا، وهذا الأسلوب في الكتابة ساعدنا كثيرًا".
بينما ركّزت كراجة على عرض الحاضر من عدسة مختلفة، اختار المخرج عمر رمّال أن يوثّق الماضي القريب قبل أن يضيع بين الرّكام، في "كنتاكي غزّة" لا نرى القطاع تحت الإبادة كما نراه اليوم، بل نستعرض واقعه ما قبل 7 أكتوبر، يقول رمّال إنّه كتب الفيلم قبل بداية الحرب، ومع اندلاعها وجد نفسه أمام خيار صعب بين تغيير الفيلم أو الاستمرار فيه، وبسبب تركيز المواد على توثيق واقع الحرب في غزة، اختار رمّال أن يستمر في سرد قصة مختلفة، نرى فيها واقع غزة تحت الحصار، وكيف يتحوّل دجاج كنتاكي إلى سلعة أشبه بالذهب، بينما لا يحمل هذه القيمة في أي رقعة أخرى في العالم، يرينا رمّال أسعار الأدوية الباهظة ورعب القصف على المعابر، ولكن نرى أيضًا دفء العائلة، والصداقة، والأمل، في لوحة تخرج الغزي من إطار الخبر على شريط العواجل، وتقدّمه كإنسان داخل قصّة، يضيف رمّال أنّه استعان بذاكرة أصدقائه الغزيين لتصميم موقع التصوير في عمّان، بسبب تعذّر التصوير في غزّة مع ظروف الحرب، وبذلك قدّم الفيلم حماية بصرية لشراذم الذاكرة حول مدينة غزة، محفوظة على الشّاشة للأبد.
ما وراء السينما كسلاح ومنصة حقوقيّة
من الجهة الأخرى من العالم، تطل علينا أفريقيا بتجربة سينمائية استثنائية، تقدّم فيها المخرجة سناء العلاوي في تجربتها الإخراجية الأولى فيلم "عائشة"، تدور الأحداث حول حادثة اغتصاب مؤلمة، تقدّم فيه المخرجة جسد المرأة رمزًا للوطن، والانتهاك مرآة للاستعمار على أفريقيا، ويتفق مع هذا النهج الناشط والممثل المصري خالد عبد الله خلال حديثه مع سطر حول قدرة السينما على التأثير في الواقع السياسي، يقول خالد إنّ السينما قد تسرد أحداثًا انتهت منذ زمن بعيد، لكنها تنجح في تغيير عقول الناس حول الماضي والحاضر، تعتبر العلاوي الكاميرا أول سلاح استخدمه المستعمرون لرصد ودراسة سلوك مجتمعات الجنوب العالمي، وترى في عائشة فرصة لقلب هذا السلاح واستخدامه لسرد قصصنا، خارج الصور النمطية للعربي في السينما: "نحن داخل الإطار ونحن ما وراءه، نحن ما وراء العربي الذي ينتظر من ينقذه، ما وراء الإرهابي، ما وراء المرأة التي تزغرد في الخلفية، لأننا نحن الأصل ومصدر الإلهام للسينما العالمية"
تتقاطع تجربة خالد عبد الله بين التمثيل والعمل الحقوقي، ويضيف زاوية مختلفة من التحليل حول دور الفنان في التضامن والحياة السّياسية، حيث يرى أنّ الفنّان إنسان بالمقام الأوّل، وهذا يحتّم عليه التفاعل مع الظلم من حوله، لا بالضرورة بشكل مباشر، بل من خلال القصة، والموسيقى، والسرد، خصوصًا في اللحظة التاريخيّة الحالية مع استمرار الإبادة في الأراضي المحتلّة: "علينا أن نخاطر ونعمل لكي نوسّع نطاق التضامن، إمّا أن نستغل اللحظة السياسية التي فتحت لنا، وإمّا ننسى، وأنا لا أقدر أن أنسى"
سينما الذكورية والتضامن والهويّة
برزت عدسة التفاصيل في مجموعة من الأفلام القصيرة لهذه الدورة، تحركت الكاميرا فيها إلى الداخل لترينا ما وراء التجارب الشخصية، والمرض، والتعاطف، نرى ذلك في تجربة الممثلة الأردنية جوانا عريضة في عملها الإخراجي الأوّل (Is it still me)، نختبر فيه العالم من منظور مريض الزهايمر نفسه، ونشعر معه بفقدان أجزاء من هويته بالتدريج، تقول عريضة في حوارها مع سطر إنّ مفهوم ما وراء الإطار بالنسبة لها أن نرى العالم بعين المريض، لا بعين العائلة ومقدمي الرعاية من حوله: "الزهايمر مرعب للغاية، ومن السهل علينا أن نتجاهل منظور المريض للعالم كونه الخيار الأكثر راحة بالنسبة لنا."
ومن متاهة الزهايمر إلى خذلان المجتمع، تعرّفنا على زهرة، امرأة على وشك الولادة لا تمتلك تكاليف عمليتها، تضيع أيامها بين البحث عن زوجها الغائب، وطلبات السلفة من مديرها الاستغلالي، الذي يفصلها عن العمل بحجة "الراحة حتى الولادة"، يقود الواقع زهرة إلى الاعتراف بجريمة سرقة لم تقم بها، لتحصل على رعاية طبية مجانية أثناء الولادة وما بعدها، وعندما سئل فريق عمل الفيلم: "لماذا لم تأتِ الشرطة النسائية لاصحابها إلى المخفر؟ ما وراء هذا الاختيار؟"، كانت الإجابة: "تتعرض زهرة للخذلان من الرجال طوال الفيلم، من الزوج إلى المدير وما بينهما، لذا أردنا أن يكون أفراد الشرطة ذكورًا كانعكاس للمجتمع الذكوري".
ومع اختتام أيام عمّان لصنّاع الأفلام، حصد الفيلم السعودي "ذكّرني أن أنسى" جائزةً عينية للاستشارة القصصية لاستكمال العمل عليه، يتحدث الفيلم الوثائقي عن أهمية مساحات التضامن بين النساء المطلقات والأرامل، نتابع فيه امرأة سعودية تكوّن عائلة داخل الدار، ليذكّرن النساء بعضهنّ أن ينسين، تقول المخرجة السعودية لمى جمجوم لسطر، إنّها عندما تقف وراء العدسة تريد أن تنقل شعورًا بالرفقة للمرأة التي تشاهدها، أنّ هناك من يمثّلها ويشبهها، خصوصًا في التجارب المرتبطة بوصمة اجتماعيّة: "أريد أن أنقل شعورًا بالتضامن، بالذات حول المعاناة التي لا نتحدث عنها".
ما وراء الكواليس للصّناع من الداخل والخارج
تقول الممثلة سجى كيلاني إنّ ما وراء الإطار، بالنسبة لها كممثلة كان خلال تصوير فيلم "صوت هند رجب"، حيث سمعت كيلاني تسجيلات الطفلة هند للمرة الأولى أثناء تصوير المشهد، فخرج ردّ فعلها صادقًا وحقيقيًا، كما أشادت الممثلة بانطلاق حاضنة الأفلام القصيرة في المهرجان بنسختها الأولى: "لا يوجد هذا النموذج في العالم العربي بكثرة، وكنت أتمنى عندما بدأت بالكتابة في بداياتي أن أرى هذه النماذج".
أما المنتجة رولا ناصر التي أنتجت ثلاثة من أبرز أفلام هذا العام: "كمين"، و"كنتاكي غزّة"، و"كايوتيز"، فترى أنّ ما وراء الإطار بالنسبة لها هو كسر النمطية، وصناعة قصص قادرة على السفر عالميًا دون أن تُقدّم داخل القوالب المعتادة، وتقول إنّ الأفلام القصيرة غالبًا ما تختارها عبر فعاليات المهرجان والتعرف على الكُتّاب الجدد، ثمّ تطوّرها معهم إلى أفلام طويلة.
يقول مدير أيام عمّان لصناعة الأفلام بسّام الأسعد، إنّ ما وراء الإطار يقدّم للمشاهد فرصة التحاور مع صنّاع الأعمال ومشاركة الآراء والمشاعر الإنسانية، بصورة غير متاحة عند مشاهدة السينما في المنزل أو في دور العرض العادية، كما يفتح أمام الجمهور مساحة تعلّم حول صناعة السينما ومراحلها من قبل الخبراء.
يصف المخرج المصري القدير يسري نصر الله المهرجان بأنّه مهرجان إنساني وضروري، مواكبًا لرغبة السينما الأردنية بالتواجد، ويضيف أثناء حواره مع سطر أنّ مشاريع أيام الصّناع تحمل جرأة كبيرة في المواضيع والطّرح، مشيدًا خصوصًا باستخدام لغة الإشارة خلال العروض، وهو ما اعتبره كسرًا لحاجز حقيقي مع مجتمع الصم: "أسئلة جمهور الصم والبكم كانت غاية في الذكاء والحساسية، كانت من اللحظات الكبيرة جدًّا في المهرجان بالنسبة لي".
ما وراء الإطار للمُشاهد
ما قبل العمل الصحفي وجمع المقابلات من الميدان، لطالما كنت ومازلت محبّة للسينما، وعندما ينتهي المشهد الأخير من الفيلم وتظهر قائمة الأسماء على الشّاشة، تبقى الأسئلة تدور في رأسي دائمًا: ماذا قصد المخرج بهذه النهاية؟ يا تُرى كيف استطاعت الممثلة تجسيد هذا الألم؟ لماذا يُذكّرني هذا المشهد بطفولتي؟ ولا أجد لها إجابة سوى أن أغلق شاشة التلفزيون وأمضي في يومي، ولكن أثناء عروض المهرجان، مع نهاية كل عمل أرى المخرج يجلس أمامي، يحدثني عن مشاعره أثناء التصوير، ويجيب عن أسئلتي أنا وأصدقائي، الذين تعرفت عليهم مع بداية الفيلم وأودعهم مع نهايته عندما يغادرون المقعد، بعضهم لم أعرف أسماءهم حتى، ولكن السينما منحتنا فرصة لنتقاسم الشعور نفسه معًا، في لحظة مقتطعة من الزمن لا نكون فيها غرباء.
اختتمت هذه الدورة أعمالها في جبل القلعة تحت الأضواء البنفسجية للمهرجان، وكلّما التفتُّ حولي أرى وجهًا مألوفًا من الأيام السبعة الماضية، مخرج يضع طفولته على الشاشة، ومنتج ينتشل الكتاب الهواة من القاع إلى القمة، وممثل ينسلخ عن نفسه ليعطي الشخصيّة حقّها، أراقبهم جميعًا وأتمعّن في القصص الّتي قدّموها خارج الأطر، في لحظة مقتطعة من هذا العام، وسأبقى أنتظر ما بعدها لكلّ عامٍ قادم.

