عقيدة العطاء رغم ضيق الحال
من غزة إلى سوريا ولبنان وفنزويلا.. كيف بنى الأردن منظومة إنسانية تتجاوز حدوده؟
ملخص :
في صباح 19 آب 2026، بينما يحيي العالم اليوم العالمي للعمل الإنساني، لم تكن مساهمة الأردن في المناسبة بيانًا أو فعالية رمزية. في اليوم نفسه، تحركت من الأردن القافلة الإغاثية الثانية عشرة باتجاه لبنان: 24 شاحنة محملة بالغذاء والأدوية والمستلزمات الطبية والصحية، سيّرتها الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية بالتنسيق مع القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي.
قد تبدو القافلة خبرًا عابرًا في منطقة اعتادت الأزمات، لكنها تختصر قصة أكبر بكثير: كيف تحول بلد محدود الموارد، يعيش أزماته الاقتصادية والمائية ويستضيف منذ عقود موجات متتالية من اللجوء، إلى نقطة انطلاق لعمليات إغاثة تمتد من غزة والضفة الغربية إلى سوريا ولبنان، ووصولًا إلى فنزويلا في أميركا اللاتينية.
القصة هنا ليست فقط عن حجم ما يقدمه الأردن، بل عن منظومة أصبحت قادرة على تحويل الموقف السياسي والتضامن الشعبي والشراكات الدولية إلى شاحنات وطائرات ومستشفيات ومساعدات تصل إلى الناس.
من التوجيه الملكي إلى عمل على الأرض
في قلب هذه المنظومة حضور واضح لجلالة الملك عبدالله الثاني، ليس فقط في الموقف السياسي تجاه الأزمات الإنسانية، بل في متابعة وبناء القدرة المؤسسية الأردنية للاستجابة لها.
في كانون الثاني 2025، زار الملك مستودعات الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية وتابع تجهيز أكبر قافلة مساعدات أردنية إلى غزة حتى ذلك الوقت، وضمت 120 شاحنة من المواد الغذائية والطبية والإغاثية. وخلال الزيارة، أكد أهمية البناء على خبرة الهيئة وتعزيز دور الأردن في الاستجابة الإنسانية الإقليمية.
هذا التوجه يظهر مرة أخرى خارج المنطقة العربية. ففي تموز 2026، وبعد الزلزال المزدوج الذي ضرب فنزويلا، أرسل الأردن بتوجيهات ملكية وبالشراكة مع قطر جسرًا جويًا للمساعدات. غادرت طائرتان إلى كاراكاس، حملت كل واحدة منهما 26 طنًا من المواد الطبية والغذائية والإغاثية، إلى جانب معدات لدعم فريق البحث والإنقاذ الأردني الذي شارك ميدانيًا في عمليات الاستجابة للكارثة.
هنا تتضح الفكرة: المساعدات ليست رد فعل على أزمة واحدة، بل امتداد لنهج تحاول الدولة تحويله إلى قدرة مؤسسية دائمة.
الهيئة الخيرية الهاشمية.. غرفة العمليات الإنسانية للأردن
إذا كانت القيادة تحدد الاتجاه، فإن الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية هي إحدى أهم المؤسسات التي تحول هذا الاتجاه إلى حركة على الأرض.
وتصف المصادر الرسمية الهيئة بأنها الذراع الإنسانية للمملكة، لكن حجم دورها يظهر بوضوح أكبر عندما تتحول القصة إلى أرقام.
في حصيلة نشرتها الهيئة في تشرين الأول 2025 عن عامين من الاستجابة لغزة، كانت قد سيّرت 201 قافلة برية تضم 8,664 شاحنة محملة بالغذاء والدواء ومواد الإيواء.
ولم تقتصر العملية على الطريق البري. خلال الفترة نفسها، تم تسيير 53 طائرة إغاثة عبر مطار العريش حملت أكثر من 530 طنًا من المواد الأساسية، إضافة إلى تنفيذ 564 عملية إنزال جوي مباشر بالتعاون مع القوات المسلحة وسلاح الجو الملكي ودول شريكة.
وبحسب الحصيلة ذاتها، تجاوز إجمالي المساعدات التي أدخلتها الهيئة إلى غزة 123 ألف طن، فيما وقعت 177 اتفاقية وتعهدا مع شركاء محليين ودوليين لتنفيذ المساعدات. كما قدم مشروع الوجبات الساخنة نحو 1.5 مليون وجبة، ووصل عدد الأطراف الصناعية التي تم تركيبها ضمن مبادرة "استعادة الأمل" حينها إلى 637 طرفًا صناعيًا.
هذه الأرقام لا تقدم صورة عن مؤسسة تجمع التبرعات فقط، بل عن مركز لوجستي يستقبل المساعدات وينسقها ويخزنها ويجهزها ويربط الجهات الأردنية بالمنظمات الدولية والدول المانحة ومناطق الاحتياج.
وهذا ربما هو التحول الأهم في التجربة الأردنية: من تقديم المساعدة إلى بناء بنية تحتية للعمل الإنساني.
عندما تصبح غزة اختبارًا للمنظومة
قطاع غزة كان الاختبار الأصعب والأكثر وضوحًا لهذه القدرة.
حين تعقدت حركة المعابر، تحركت المساعدات من الجو. وحين انهارت أجزاء واسعة من القطاع الصحي، استمرت المستشفيات الميدانية الأردنية في العمل.
وقبل يوم واحد فقط من اليوم العالمي للعمل الإنساني هذا العام، وصلت تسع شاحنات من التعزيزات والمستلزمات الطبية إلى المستشفى الميداني الأردني في خان يونس لضمان استمرار قدرته على تقديم الخدمات العلاجية والإسعافية.
وفي شمال غزة، واصل المستشفى الميداني الأردني في تل الهوى العمل بطواقم وتخصصات طبية موسعة، بينما دعمت القوات المسلحة عيادة الأطراف الصناعية في جنوب القطاع بأكثر من ألف طرف صناعي متطور، ضمن منظومة تسمح في بعض الحالات بقياس وتصنيع وتجهيز الطرف للمصاب خلال ساعات.
هنا يصبح معنى الإغاثة مختلفًا. ليس فقط صندوقًا يعبر الحدود، بل طبيبًا يبقى، ومستشفى يستمر، وطرفًا صناعيًا يعيد لمصاب جزءًا من استقلاليته.
من غزة إلى سوريا ولبنان
لكن اختزال العمل الإنساني الأردني في غزة وحدها يترك جزءًا مهمًا من الصورة خارج الإطار.
حتى 3 آب 2026، كان الأردن قد أرسل إلى سوريا، منذ كانون الأول 2024، نحو 23 قافلة إنسانية تضم 1,072 شاحنة، حملت مواد غذائية وطبية وأدوية وطحينًا وسيارات إسعاف ومواد إغاثة، وصولًا إلى البيوت المتنقلة المخصصة لدعم عمليات التعافي.
وفي لبنان، استمرت الاستجابة بالتوازي. وفي يوم العمل الإنساني نفسه، 19 آب 2026، تحركت القافلة الأردنية الثانية عشرة، حاملة 24 شاحنة جديدة من المساعدات الإنسانية والطبية.
وفي نيسان من العام نفسه، لم يكن الأردن مجرد مشارك في قافلة إلى لبنان، بل قاد جهدًا دوليًا شاركت فيه 10 دول والاتحاد الأوروبي ضمن قافلة مشتركة انطلقت من الأراضي الأردنية.
وهنا تظهر وظيفة أخرى للأردن: ليس فقط دولة تقدم مساعدات من مواردها، وإنما منصة تجمع الشركاء وتوفر المسار والقدرة اللوجستية لإيصال مساعدات الآخرين أيضًا.
وفنزويلا تكسر حدود الجغرافيا
ربما تكون فنزويلا المثال الأوضح على أن هذه الرسالة تجاوزت حدود الجوار التقليدي.
بعد الزلزال المزدوج الذي ضرب البلاد في حزيران 2026، شارك فريق أردني متخصص في البحث والإنقاذ في الاستجابة الميدانية، وتبع ذلك الجسر الجوي الأردني–القطري بمجموع يقارب 52 طنًا من المساعدات عبر طائرتين، شملت أدوية ومستلزمات طبية ومواد غذائية ومعدات مرتبطة بعمليات الإنقاذ. كما ساهمت شركة أدوية الحكمة الأردنية بشحنة أدوية طارئة بقيمة مليون دولار جرى نقلها بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية.
المسافة بين عمّان وكاراكاس آلاف الكيلومترات. لا جوار جغرافي هنا، ولا ملف سياسي أردني مباشر.
الموجود ببساطة هو كارثة.. واستجابة.
دولة صغيرة.. لكن منظومة أكبر من حجمها
ربما لهذا السبب لا تكفي قراءة التجربة الأردنية من خلال حجم المساعدات فقط.
ما تشكل خلال السنوات الماضية هو توزيع واضح للأدوار: قيادة سياسية تدفع باتجاه الاستجابة، هيئة خيرية تبني الجسر اللوجستي، قوات مسلحة توفر القدرة التشغيلية والوصول، كوادر طبية تبقى في الميدان، قطاع خاص ومجتمع يتبرعان، وشركاء دوليون يستخدمون الأردن كنقطة عبور للعمل الإنساني.
ليست كل دولة تملك إمكانات الأردن ستختار أن تضع جزءًا منها في خدمة أزمات خارج حدودها. وليست كل دولة تستطيع تحويل هذا الاختيار إلى مؤسسة ومستودع وقافلة وممر جوي ومستشفى ميداني.
وهنا يمكن فهم عبارة "العطاء رغم ضيق الحال" بصورة أعمق.
القيمة ليست في أن الأردن يملك فائضًا كبيرًا فيقرر أن يعطي منه. القيمة أن بلدًا محدود الموارد اختار أن يبني، على مدى سنوات، قدرة تسمح له بأن يكون حاضرًا عندما يحتاج الآخرون للمساعدة.
من شاحنات تتحرك صباح اليوم العالمي للعمل الإنساني باتجاه لبنان، إلى أكثر من ألف شاحنة وصلت سوريا، وآلاف الشاحنات التي مرت باتجاه غزة، وطائرات قطعت الطريق إلى فنزويلا..
لا يعود العطاء هنا حادثة موسمية أو خطابًا سياسيًا.
بل يصبح جزءًا من طريقة الدولة في رؤية دورها خارج حدودها.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأردنية الأهم في اليوم العالمي للعمل الإنساني: أن حجم الدولة لا يحدد بالضرورة حجم أثرها، وأن القوة لا تظهر دائمًا في ما تستطيع الدول فرضه على الآخرين، بل أحيانًا في ما تستطيع الوصول به إليهم عندما يكونون في أشد الحاجة.

