السودان: صراع مستمر وأزمة إنسانية متفاقمة
ملخص :
بينما تتواصل الجهود الإقليمية والدولية الحثيثة من أجل وضع حد للحرب الدائرة في السودان، والتي دخلت عامها الرابع، لا تظهر في الأفق القريب أي بوادر حقيقية لرغبة جادة لدى الأطراف المتنازعة في التوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه، يوقف نزيف الدم وينهي القتال الدائر، في ظل أزمة إنسانية تزداد تفاقما وتعقيدا يوما بعد يوم.
ومنذ أن اندلعت شرارة الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخامس عشر من أبريل، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة وخاطفة للطرف الآخر، بحيث لا تتجاوز في أقصى تقدير بضعة أسابيع، بهدف حسم المعركة والقضاء على الطرف الآخر، لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين، بعد مرور عام على إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع في غرب البلاد.
ووُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى السنوات الثلاث الماضية بأنها الأكثر عنفا ودموية في تاريخ حروب المدن، وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون الضحية الأكبر لهذا النزاع، إذ دفعوا أثمانا باهظة جراء هذه الحرب.
مساعي الوساطة الإقليمية والدولية
وبعد مرور أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية أميركية، محادثات مباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في شهر مايو، وأفضت تلك المحادثات إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، الذي نص صراحة على حماية المدنيين والمرافق الخاصة والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بشكل كامل بما اتفق عليه.
كما فشلت لاحقا جولة ثانية من المفاوضات عقدت في جدة في شهر أكتوبر من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتا واضحا من طرفي الصراع، وانسحب على إثرها الجيش السوداني من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية الأميركية إلى تعليقها، ولاحقت الجيش اتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.
ولم يتوقف القتال عند حدود العاصمة الخرطوم، بل تمدد ليشمل ولايات جديدة لم تكن جزءا من الحرب، وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت قوات الدعم السريع ولايتي الجزيرة والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكريا قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير.
تدهور الأوضاع الإنسانية
واسفرت الحرب عن سقوط عشرات الآلاف من القتلى، وفي حين لم تتضح الحصيلة الفعلية للصراع حتى الآن، تفيد بعض التقديرات بأنها قد تصل إلى نحو 150 ألف قتيل، كما أدت الحرب إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام صادرة عن الأمم المتحدة.
وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعا إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وفي العام الماضي، تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.
واظهرت الحرب أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف جدية من تحولها إلى حرب أهلية شاملة.
وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيدا لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.
ورغم الضغوط الكبيرة التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين ومؤسسات تابعة للجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات جادة ومثمرة.
دعوات لوقف الحرب
ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقا (تحالف «صمود» حاليا)، للتواصل المباشر مع قيادات الجيش والدعم السريع من أجل الوصول إلى وقف فوري للحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.
وفي الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصارا بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إن إصرار قيادات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين، خلف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم.
واكد التحالف، في بيان نشر على حسابه الرسمي على موقع فيسبوك، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب والأعمال العدائية دون قيد أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصا حادا في الغذاء.
وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشددا على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.

