حلم طال انتظاره اكراد سوريا يتطلعون للجنسية
ملخص :
في مشهد يعكس سنوات من الانتظار والأمل، يتدفق سوريون أكراد على مراكز حكومية في شمال شرقي سوريا، حاملين أوراقهم الثبوتية وصورهم الشخصية، ليسجلوا أسماءهم ضمن قوائم الحصول على الجنسية السورية التي حرموا منها لعقود. داخل صالة مكتظة في مدينة القامشلي، يعيش فراس أحمد، البالغ من العمر 49 عاماً، لحظات ترقب ممزوجة بالأمل، منتظراً دوره لتقديم طلبه، وهو الذي عانى طويلاً من تبعات انعدام الجنسية.
ويصف أحمد شعوره قائلاً: «الإنسان بلا جنسية يُعتبر من الموتى»، مبينا أن هذا الوضع حرمه من تسجيل أولاده وممتلكاته باسمه، موضحا أن جذور هذه المشكلة تعود إلى جده الذي لم يحمل الجنسية، واستمرت معاناتهم جيلاً بعد جيل.
على طاولات تتراص أمامها صفوف طويلة، تتوزع استمارات التسجيل، مزينة بشعار الدولة السورية، تترافق مع صور شخصية ووثائق قديمة، وينكب موظفون حكوميون على تسجيل البيانات، قبل أن تضيء شاشة بعبارة «تمت بنجاح»، لتعلن عن نهاية معاناة وبداية حياة جديدة.
خطوة تاريخية نحو الاندماج
ومنذ الأسبوع الماضي، بدأت هذه المراكز باستقبال السوريين الأكراد من «مكتومي القيد» وغير الحاملين لأوراق ثبوتية رسمية، وذلك في مدن القامشلي والحسكة والمالكية، إضافة إلى محافظات حلب ودير الزور والرقة ودمشق، وذلك بناء على توجيهات وزارة الداخلية.
وياتي هذا الإجراء تطبيقاً لمرسوم رئاسي صدر في يناير الماضي، ونص على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، بعد سنوات طويلة من الحرمان.
كما أقر المرسوم حقوقاً ثقافية ولغوية للأكراد، معتبراً لغتهم «لغة وطنية»، في خطوة تعكس تحولاً في نظرة الدولة إلى المكون الكردي.
اتفاق يمهد الطريق
وصدر هذا المرسوم في أعقاب مناوشات بين المقاتلين الأكراد والقوات الحكومية، والتي انتهت بتوقيع اتفاق في أواخر يناير، نص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية وقواتها في مؤسسات الدولة.
وتبعت ذلك خطوات عملية، مثل دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة إدارة مطار القامشلي في فبراير، وتعيين القيادي العسكري الكردي سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية في مارس.
وتقول غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، متحدثة باللغة الكردية: «عانينا كثيراً من الصعوبات»، موضحة أن أولادها لم يتمكنوا من استكمال دراستهم، ولم يكن بمقدورهم السفر، ومؤكدة أن منزلهم لم يكن مسجلاً باسمهم.
تبعات الحرمان
وانعكس الحرمان من الجنسية على جوانب الحياة اليومية، من تعذر تسجيل الولادات وتثبيت الملكيات، إلى صعوبات الدراسة والتنقل والعمل والسفر، مما وضع الكثيرين على هامش الدولة دون اعتراف قانوني.
ويعود حرمان الأكراد من الجنسية إلى إحصاء أجري عام 1962 في محافظة الحسكة، وتم بموجبه سحب الجنسية من 20% من المكون الكردي.
وإثر ذلك، عانى الأكراد من التهميش، وحرموا من تعليم لغتهم والاحتفال بأعيادهم وممارسة تقاليدهم.
مطالب بالتسهيل
وبحسب تقديرات «شبكة ضحايا انعدام الجنسية» الكردية المحلية، يبلغ عدد مكتومي القيد في سوريا حالياً نحو 150 ألف شخص، وفق ما يشرح عضو الشبكة علي موسى.
ويطالب موسى السلطات بإبداء «مرونة في تطبيق القرار وتقديم تسهيلات للمقيمين خارج سوريا»، مع توفير بدائل، مبينا أن الكثيرين يعانون من صعوبة السفر إلى سوريا بسبب القيود المتعلقة بكونهم طالبي لجوء في بلدان أوروبية.
ومن المقرر أن تبقي السلطات السورية مراكز التسجيل مفتوحة لمدة شهر.
ويوضح مسؤول شؤون الأحوال المدنية في الحكومة السورية عبد الله العبد الله أن «المدة المفترضة للتسجيل هي شهر واحد قابل للتمديد»، مؤكدا أن أهم تعويض لهؤلاء الناس هو اكتساب الجنسية بعد حرمان استمر سنوات.
داخل مركز التسجيل، يروي محمد أيو، البالغ من العمر 56 عاماً، كيف لازمه الإحساس بالعجز باعتباره «مكتوم القيد»، مشيراً إلى أنه لم يتمكن بعد إنهاء المرحلة الثانوية من الحصول على وثيقة تتيح له متابعة دراسته الجامعية.
ويضيف أيو أن الحرمان طال أيضاً حقوقاً مدنية أساسية، إذ «لم يكن لدينا الحق في الترشح أو الانتخاب»، موضحا كيف تعذر عليه الحصول على شهادة لقيادة السيارة وحتى الإقامة في فندق في دمشق.

