لبنان على صفيح ساخن: هل تهدئة ام مواجهة جديدة؟
ملخص :
وسط ترحيب دولي، أعلن الرئيس الامريكي عن هدنة مؤقتة بين اسرائيل ولبنان، الا ان بعض الاصوات تعرب عن قلقها من ان تكون هذه الهدنة مجرد ستار لاستمرار الاحتلال وتوسيع نطاق الحرب في المستقبل.
وقد دخل اتفاق وقف اطلاق النار بين لبنان واسرائيل، والذي اعلنه الرئيس الامريكي، حيز التنفيذ في منتصف ليل الخميس، وذلك بعد ايام من المحادثات المباشرة النادرة بين سفيري البلدين في واشنطن.
ومن المتوقع ان يعقد البلدان جولة محادثات ثانية خلال اسبوعين في البيت الابيض، بهدف التوصل الى اتفاق شامل، وفقا لما اعلنته الادارة الامريكية.
تحذيرات من استمرار الاحتلال
وفي حين تصف واشنطن وتل ابيب هذه المحادثات بانها تاريخية ومثمرة، يرى مقال نشر في موقع انترسبت الامريكي ان وقف اطلاق النار قد يكون مجرد وسيلة لادارة الازمة وتمهيد الطريق لاحتلال طويل الامد، على غرار ما حدث في غزة.
وفي المقابل، تركز صحيفة وول ستريت جورنال على دوافع استمرار الصراع والعقيدة الاسرائيلية.
واضافت كاتبة العمود في انترسبت، ناتاشا لينارد، في مقال بعنوان "اسرائيل ستواصل احتلال لبنان رغم وقف اطلاق النار"، ان مصطلح "وقف اطلاق النار" قد فقد معناه في القاموس الاسرائيلي.
"درس الابادة الجماعية"
وبينت ان "درس الابادة الجماعية المستمرة في غزة"، بما في ذلك مقتل اكثر من 765 فلسطينيا منذ وقف اطلاق النار، يشير الى ان "الابادة الجماعية التي تنفذها القوات الاسرائيلية والامريكية في المنطقة" ستستمر.
واكدت لينارد ان اسرائيل لا تخفي نيتها في البقاء في لبنان، مشيرة الى تصريح لمسؤول امني اسرائيلي لوكالة رويترز قال فيه: "اسرائيل ليس لديها خطط لسحب جيشها من جنوب لبنان خلال وقف اطلاق النار المعلن لمدة 10 ايام".
واوضحت المقالة ان وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس ذكر ان اسرائيل تعتزم الحفاظ على سيطرتها على الاراضي حتى نهر الليطاني، وان جميع القرى القريبة من الحدود ستدمر.
جذور تاريخية للاحتلال
ولا ترى الكاتبة ان كلمات المسؤولين صادمة، فقد غزت اسرائيل لبنان 7 مرات خلال نصف القرن الماضي، وفرضت بين عامي 1978 و2000 احتلالا دام 18 عاما على جنوب لبنان، وهو الاحتلال الذي تاسس حزب الله لمحاربته.
وبينما تحاول اسرائيل اضفاء صبغة شرعية على احتلالها تحت ذريعة "انشاء منطقة عازلة" وتامين الحدود الاسرائيلية، فان الكاتبة تؤكد ان سياسة احتلال وضم جنوب لبنان حتى نهر الليطاني تعود الى قادة صهاينة مؤثرين قبل عام 1948.
وشددت وول ستريت جورنال على ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اعلن بوضوح نية بلاده الاحتفاظ بـ "منطقة عازلة" بعمق 6 اميال داخل جنوب لبنان، وهو ما يعكس توجها استراتيجيا طويل الامد، لا يرتبط فقط بظروف الحرب الحالية.
سياسة الارض المحروقة
واكدت لينارد على ان ما يجري ليس حربا ضد حزب الله وحده، بل حرب تستهدف المدنيين ضمن سياسة "الارض المحروقة"، في مشاهد تذكر بالدمار الشامل في غزة.
وقد كشفت الجزيرة في تحقيق لها عن اتباع جيش الاحتلال الاسرائيلي سياسة "الارض المحروقة" في القرى الحدودية بالجنوب اللبناني.
وحذرت الكاتبة من ان هذه السياسة تجعل اي تهدئة شكلية، وانه اذا لم يتم التدخل لمنع اسرائيل من تكرار ما فعلته في غزة، فلن يكون هناك امل بالتوصل الى حل سياسي للازمة.
تحديات داخلية وخارجية
وبحسب وول ستريت جورنال، تظهر المعطيات ان الحكومة اللبنانية تقف امام معادلة شديدة التعقيد، مع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية لتفكيك حزب الله.
وقد اتخذت بالفعل خطوات غير مسبوقة، شملت حظر الانشطة العسكرية للحزب واعلان السفير الايراني شخصا غير مرغوب فيه، في محاولة لتقليص نفوذ طهران، كما تصاعدت الانتقادات الداخلية للحزب، خاصة بعد تحميله مسؤولية اعادة لبنان الى الحرب.
الا ان هذه الخطوات تصطدم بواقع هش، فجيش الدولة ضعيف، وهناك قلق عميق من ان تنزلق البلاد الى حرب اهلية.
فرصة استراتيجية
ووفقا للصحيفة، تفتقر الحكومة الى القدرة الفعلية على تنفيذ قراراتها، مما قد يقوض العمل باي اتفاقات مستقبلية.
بدورها، ترى اسرائيل ان اللحظة الحالية تمثل فرصة استراتيجية، فقد اضعفت ايران وحزب الله خلال السنوات الاخيرة، ورغم حديث بعض المسؤولين عن امكانية "سلام تاريخي" وتعاون اقتصادي، فان المزاج العام داخل اسرائيل يميل الى استمرار الحرب، طبقا لوول ستريت جورنال.
واظهرت استطلاعات راي دعما واسعا لمواصلة العمليات بغض النظر عن مسار التهدئة مع ايران، وفق التقرير.
مخاطر حرب اهلية
وتشير الصحيفة الى ان هناك اعتقادا سائدا داخل اسرائيل بان المخاطر بالنسبة للحكومة اللبنانية كبيرة وان امامها خيارين صعبين للاختيار من بينهما.
وقد قال المسؤول الاسرائيلي السابق افنير غولوف ان مسار تفكيك حزب الله "يمر اما عبر الجيش الاسرائيلي او حرب اهلية في لبنان"، وهو ما يعكس رؤية تصعيدية لا تترك مجالا كبيرا للحلول السياسية.
ونقلت الصحيفة الامريكية تحذير الباحث سام هيلر، وهو باحث مقيم في بيروت يعمل لدى معهد سينشري انترناشونال للسياسات، من ان المسار الحالي للمفاوضات "سيجعل الامور اكثر توترا"، مشيرا الى "مخاطر حقيقية على استقرار لبنان الداخلي وتماسكه".
وفي المحصلة، يبقى مصير جنوب لبنان معلقا بين وعود دبلوماسية يراها البعض شكلية، وواقع احتلال عسكري تبرره اسرائيل لحلفائها الامريكيين على انه "ضرورة امنية"، بينما يظل المدنيون اللبنانيون، كما في غزة، معلقين في صراع يدمر مستقبلهم وكل ممتلكاتهم.

