كيف تحول المدرج الروماني في عمّان إلى أيقونة مونديالية؟
ملخص :
لم تكن المباراة التي جمعت المنتخب الأردني بنظيره النمساوي، في السابع عشر من يونيو 2026، ضمن منافسات الدور الأول من كأس العالم، مجرد استحقاق رياضي عابر في سجلات الكرة الأردنية؛ بل ارتقت إلى مرتبة الحدث الوطني والتاريخي الذي نقل اسم الأردن إلى صدارة الاهتمام الإعلامي الدولي، وفي حين انصبّت التغطيات الرياضية على رصد الظهور الأول لـ "النشامى" في المونديال، فإن المدرج الروماني الشامخ في قلب عمّان اختطف الأضواء من زاوية مغايرة، إذ تحوّل إلى مسرح جماهيري استثنائي احتشد فيه الآلاف لمتابعة اللقاء على شاشات عملاقة، في مشهد جمع بين عراقة الحجر وحيوية الحاضر بصورة لم تُتَح لكثير من شعوب العالم.
النشامى يكتبون التاريخ.. أول صفحة في سجلّ المونديال
رسم المنتخب الأردني ملامح حضوره الأول في عالم كأس العالم حين واجه المنتخب النمساوي ضمن المجموعة العاشرة، في منافسة كشفت عن جيل أردني ناضج يُدرك ثقل اللحظة التاريخية، وانتهى اللقاء بفوز النمسا بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد، وشهد اللقاء تسجيل اللاعب عليّ علوان أول هدف أردني في تاريخ نهائيات كأس العالم على الإطلاق، هدف سيظل محفوراً في ذاكرة الكرة الأردنية إلى أجل غير مسمى.
وعلى الرغم من الخسارة، فإن الأداء الذي قدّمه "النشامى" نال إشادة واسعة من المنابر الإعلامية الدولية؛ إذ أشارت وكالة رويترز إلى أن الأردن خاض مواجهةً بروح المقاتل، وأبدى قدرةً لافتة على مجاراة الفريق الأوروبي في مراحل متعددة من المباراة، فيما أجمعت تقارير صحفية متعددة على أن النتيجة النهائية لم تُعبّر بدقة عن المستوى الذي أبداه الفريق الأردني في باكورة مشاركاته المونديالية.
المدرج الروماني.. حين يُعيد التاريخُ تموضعه
بالتوازي مع انطلاق صافرة المباراة على أرض الملعب، كانت عمّان تعيش على وقع احتفال شعبي من نوع آخر؛ إذ نظّمت الجهات الرسمية فعالية جماهيرية كبرى في رحاب المدرج الروماني العريق وسط العاصمة، حيث نُصبت شاشات بانورامية ضخمة لبث المباراة أمام جمهور غفير بدأ التوافد منذ ساعات الفجر الأولى، في مشهد لم تشهده عمّان من قبل بهذا الزخم وهذا الحجم.
بيد أن ما منح هذا الحدث بُعداً استثنائياً لم يكن حجم الجمهور وحده، بل الموقع الذي احتضنه؛ ذلك المعلم الأثري الذي يتجاوز عمره ألفي عام، والذي بُني أصلاً ليكون فضاءً عاماً للتجمع والعروض الجماهيرية في عهد الإمبراطورية الرومانية، فحين مُلئت المدرّجات الحجرية بآلاف الأردنيين المتشحين بألوان العلم الوطني، وحين ارتفع الهتاف وتصاعد الدعاء، لم يكن المشهد مجرد تجمّع رياضي، بل كان استعادةً رمزية عميقة لوظيفة المكان الأصيلة: أن يكون ملتقى الناس وصدى أصواتهم وذاكرتهم الجماعية الحيّة.
وقد أثمر النجاح الكبير لهذه الفعالية عن قرار باستمرار تنظيم عروض جماهيرية مماثلة لمتابعة مباريات المنتخب الأردني طوال فترة البطولة، مما رسّخ حضور المدرج الروماني بوصفه مركزاً وطنياً للاحتفاء والانتماء خلال الموسم المونديالي.

الإعلام الدولي يُعيد اكتشاف عمّان.. قصة تتجاوز كرة القدم
لم يمرّ هذا المشهد المدهش دون أن يستوقف كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية، التي وجدت في المدرج الروماني قصةً أعمق من مجرد خبر رياضي؛ قصةً تختزل في إطار واحد عراقةَ الحضارة ورهانات الرياضة ووهج الهوية الوطنية.
- وكالة أسوشيتد برس (AP): رصدت الوكالة الأمريكية الحدثَ بعدسة مصوّرها رعد العدايلة، الذي وثّق مشاهد الجماهير الأردنية وهي تتابع مباراة كأس العالم أمام النمسا على شاشة عملاقة داخل المدرج الروماني، في لقطات إنسانية حماس اللحظة وعمقها في آنٍ واحد.
- شبكة ABC News الأمريكية: أفردت الشبكة الأمريكية الكبرى مساحةً مرئيةً بارزةً لهذا الحدث في نشراتها الإخبارية، موثّقةً حشود الأردنيين وهم يملؤون المسرح الروماني الأثري في قلب العاصمة، في إشارة إلى أن الحدث لم يعد يستوقف جمهور الرياضة وحسب، بل تخطّى ذلك إلى الجمهور العام المعني بالشأن الثقافي والإنساني.
- منصة Brut America: ركّزت على البُعد الإنساني للمشهد، معتبرةً أن تجمّع آلاف الأردنيين داخل معلم أثري عمره قرابة ألفي عام يعكس حجم الفخر الوطني الذي رافق هذه المشاركة التاريخية غير المسبوقة، وأبرزت الأجواء الاحتفالية المشحونة بالعاطفة التي غمرت الموقع طوال ساعات المباراة.
- وكالة Storyful، ومنصة Yahoo News: نشرت الوكالة المتخصصة بالمحتوى المرئي تقريراً مصوّراً لافتاً بعنوان "جماهير تحتشد في مسرح روماني قديم لمشاهدة الظهور الأول للأردن في كأس العالم"، وأبرز التقرير ما يُميّز عمّان عن سائر مدن الكأس من فرادة في اختيار أماكن المشاهدة الجماعية، مشيراً إلى أن الجماهير الأردنية فضّلت التجمّع في مسرح يعود إلى القرن الثاني الميلادي بدلاً من مناطق المشجعين الاعتيادية، مُقدِّماً بذلك نموذجاً فريداً في العلاقة الحيّة بين الإرث الحضاري والفعل الرياضي.
- شبكة NDTV Sports الهندية: رصدت الشبكة الهندية الكبرى الحدثَ بتقرير مصوّر موسّع، مؤكّدةً أن ما جرى في عمّان قد تجاوز البُعد الرياضي الصرف ليغدو احتفالاً وطنياً شاملاً، يُجسّد المكانة المرموقة التي باتت تحتلّها الكرة الأردنية بعد بلوغ المنتخب نهائيات المونديال للمرة الأولى في تاريخه.
- وكالة Adnkronos الإيطالية: أضافت الوكالة الأوروبية منظوراً تاريخياً ثقافياً إلى تغطية الحدث، إذ نشرت تقريراً بعنوان "الأردن يُسجّل ظهوره التاريخي في كأس العالم داخل مدرج روماني"، مؤكّدةً أن المشهد الآتي من عمّان يُجسّد بامتياز التقاء الماضي بالحاضر؛ فبينما كان "النشامى" يخوضون معركتهم المونديالية الأولى على أرض الملعب، كان آلاف المواطنين يتابعونها من داخل منشأة رومانية أُقيمت قبل نحو ألفي عام.
- منصة TSN: نشرت فيديو مرفق بنص: "هل توجد طريقة أفضل لمشاهدة كأس العالم لكرة القدم من هذه؟! جماهير الأردن تستمتع بمشاهدة منتخب بلادها في أول ظهور له في كأس العالم على مسرح عمّان الروماني التاريخي، وهو معلم تاريخي من روما القديمة يتسع لـ 6000 متفرج".
موجة رقمية عالمية.. عمّان ترائي في منصات الفضاء الإلكتروني
لم يقتصر الأثر الإعلامي لهذا الحدث على الوسائط التقليدية، بل امتدّت موجته لتجتاح الفضاء الرقمي العالمي باتساع لافت، فعلى منصة Reddit، حصدت مقاطع الفيديو والصور القادمة من المدرج الروماني عشرات الآلاف من التفاعلات، فيما تناقل المستخدمون في أرجاء المعمورة مشاهد الجماهير الأردنية وهي تُتابع المباراة في ساعات الفجر الباكرة داخل هذا الصرح الأثري، في مزيج بصري أخّاذ من صخب الحماس وصمت الحجارة القديمة.
وأثارت فكرة مشاهدة مباراة في كأس العالم داخل مسرح روماني عمره قرابة ألفي عام إعجاب آلاف المستخدمين حول العالم، الذين أجمعوا على أن المدرج يُمثّل واحداً من أكثر أماكن المشاهدة الجماعية أصالةً وتميّزاً في تاريخ البطولة، كذلك توقّف كثيرون أمام المفارقة الزمنية الآسرة التي يجسّدها المشهد: منشأة رومانية لا تزال تؤدي وظيفتها الأصيلة كملتقى عام ومسرح للناس بعد 20 قرناً من تشييدها، وإن تبدّل شكل العروض من المسرحيات الرومانية إلى إثارة كرة القدم.
أربعة أسباب تُفسّر إخطاف المدرج الروماني للأضواء
يرصد المراقبون والمحللون الإعلاميون جملةً من العوامل المتشابكة التي دفعت وسائل الإعلام الدولية إلى الانجذاب نحو هذا المشهد الأردني بصورة استثنائية:
أولاً: فرادة الموقع التاريخية؛ نادراً ما تُقام فعاليات جماهيرية مرتبطة بكأس العالم داخل معالم أثرية تعود إلى القرن الثاني الميلادي؛ ما جعل هذه التجربة الأردنية سابقةً من نوعها في سياق البطولات الكبرى.
ثانياً: ثقل اللحظة التاريخية؛ ارتبط الحدث بأول مشاركة للأردن في نهائيات كأس العالم، مما أضفى على كل تفصيل فيه قيمةً إضافية وجعله يتصدّر الاهتمام الدولي بعفوية.
ثالثاً: الزخم الجماهيري؛ الحضور الشعبي الكثيف الذي غصّ به المدرج كشف عن عمق الانتماء الوطني الأردني وحجم الشغف الشعبي بالإنجاز المونديالي، وهو ما لا تستطيع الأرقام وحدها أن تعبّر عنه.
رابعاً: الرمزية الحضارية العميقة؛ عودة المدرج الروماني إلى أداء دوره التاريخي الأصيل بعد ألفي عام مثّلت رسالةً بالغة في عمقها الرمزي عن الاستمرارية الحضارية وعن صمود المكان في مواجهة الزمن.

المدرج الروماني.. شاهد حجري على عبور الأزمنة
يتربّع المدرج الروماني في قلب وسط عمّان التاريخي، مُحتلاً مكانة متقدّمة بين أبرز المعالم الأثرية في المملكة وأكثرها جذباً على المستوى العالمي، ويمتد جذره التاريخي إلى القرن الثاني الميلادي، حين كانت عمّان تحمل اسم "فيلادلفيا" وتُشكّل إحدى المدن الكبرى في حلف "الديكابوليس" الروماني، وتُرجّح الدراسات الأثرية أن هذه المنشأة الشامخة قد شُيِّدت في عهد الإمبراطور "أنطونينوس بيوس" الذي حكم بين عامَي 138 و161 ميلادية.
ونُحت المدرج في سفح جبل الجوفة بتصميم هندسي بديع يستقبل الشمال، وذلك لحماية الجمهور من وهج الشمس المباشر؛ فضلاً عن أنه يتميّز بتقنيات صوتية متقدمة مكّنت الصوت من الانتشار بوضوح حتى أعلى مدرجاته، ويتّسع لنحو 6 آلاف متفرج، مما يجعله أضخم مسرح أثري في الأردن، وأحد أبرز المسارح الرومانية الباقية في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى مدار العقود الأخيرة، تحوّل هذا المعلم إلى منصة ثقافية وفنية بامتياز، احتضن على خشبتها الحجرية حفلات موسيقية ومهرجانات فنية وتجمعات وطنية، ليعود في صيف 2026 إلى بؤرة الاهتمام العالمي ساحةً للاحتفاء الأردني بأول ملاقاة مونديالية في تاريخ المملكة.

جرش تنضم إلى المشهد.. الآثار خشبةُ مسرحٍ لاحتفال كأس العالم
على خطى عمّان التي رسمت سابقة المدرج الروماني، أعلن محافظ جرش أن ثلاثة مواقع أثرية في قلب المدينة الرومانية العريقة قد جرى تخصيصها لعرض مباراة المنتخبَين الأردني والجزائري، وذلك تنفيذاً لتوجيهات رئيس الوزراء، وتشمل هذه المواقع المدرجَ الجنوبي والساحة البيضاوية والمدرج الشمالي، وقد جُهّزت جميعها بشاشات عرض ضخمة، مع توفير حافلات لنقل المواطنين إلى الموقع من مختلف أنحاء المحافظة.
وأوضح المحافظ أن اختيار المدينة الأثرية في جرش لم يكن مجرد خيار لوجستي، بل جاء محمَّلاً بأهداف ترويجية وسياحية واضحة، تسعى إلى تعريف الزوار والمواطنين على حدٍّ سواء بكنوز جرش الأثرية وحضارتها العريقة، مؤكّداً أنه جرى التنسيق مع مديرية شرطة جرش وقسم السير لضمان انسيابية حركة المرور وسلامة الحشود.
وفي هذا التوجّه دلالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية؛ إذ يكشف عن إدراك أردني واعٍ لقدرة الرياضة على أداء دور المحرّك السياحي والثقافي، وتوظيف الزخم المونديالي لتسليط الضوء على الإرث الحضاري للمملكة أمام العالم.
من موقع أثري إلى رسالة حضارية عالمية
في المحصلة، لم تكن قصة المدرج الروماني في مباراة الأردن والنمسا مجرد خبر عن شاشة عرض في موقع أثري، بل تحوّلت إلى سرديّة عالمية متكاملة عن شعب يحتفل بإنجاز تاريخي نادر داخل معلم حضاري صامد أمام الزمن منذ ما يزيد على 20 قرناً، وفي ذلك رسالة من نوع خاص: أن الهوية ليست مجرد انتماء جغرافي، بل هي تراكم الأجيال على الأرض ذاتها، وإعادة إحياء المعنى في كل عصر بلغته وأدواته.
ولهذا لم تتوقف التغطيات الدولية عند نتيجة المباراة أو مستوى أداء "النشامى" وحسب، بل وجدت في المدرج الروماني صورةً تختصر الأردن في أبهى تجلّياته: تاريخٌ عريق يمتد في أعماق الحجر، وحاضرٌ نابض بالإرادة والحياة، وجماهير تحتفي بإنجازها الوطني في واحد من أقدم الأماكن التي لا تزال تؤدي رسالتها إلى يومنا هذا.
وفي خضمّ مونديال 2026 الذي حفل بعشرات القصص الملهمة، بدت قصة عمّان الأكثر شعرية والأعمق دلالة: مدينة تُقرأ طبقاتها الحضارية بعيون عاشقة، وشعب يُعيد في كل موقف اختراع انتمائه لأرضه وتاريخه.

