زلزال أكتوبر وخريطة الضفة.. كيف حوّلت الحرب مساراً بطيئاً إلى اندفاعة نحو فرض الأمر الواقع؟
ملخص :
خاص- منذ الساعات الأولى لهجوم السابع من أكتوبر 2023، لم تبقَ الضفة الغربية بمعزل عن الهزة التي عصفت بالمنطقة، بل غدت خلف واجهة الحرب الدائرة في غزة مختبراً لصياغة واقع سياسي جديد بوتيرة متسارعة، فبينما تركزت أنظار العالم على مأساة القطاع المحاصر، مضت حكومة بنيامين نتنياهو -الأشد تطرفاً في تاريخ إسرائيل- بهدوء نحو تحويل سياسات كانت تتقدم بخطى الزحف إلى مسار أقرب إلى العدو السريع: توسع استيطاني لم يسبق له مثيل، وانتقال صلاحيات من قبضة المؤسسة العسكرية إلى أيدي وزراء مدنيين يحملون أجندة أيديولوجية معلنة، وتصاعد لافت لنفوذ التيار القومي الديني داخل غرف صنع القرار.
وبين مراكز أبحاث دولية مرموقة تصف هذا المسار بأنه تكريس منهجي لـ "ضم فعلي" لا يستلزم إعلاناً رسمياً يُعرّض إسرائيل للمساءلة الدولية، وحكومة إسرائيلية تصرّ على أن ما يجري لا يتعدى إجراءات أمنية وإدارية روتينية، يحاول هذا التقرير تتبع خيوط التحول، ووضع الوقائع الموثقة إلى جانب التقييمات التحليلية دون خلط بينهما.
جذور ممتدة: مشروع لم تُنشئه الحرب
لم تولد سياسة إحكام السيطرة على الضفة عقب أكتوبر 2023، فجذورها تمتد إلى عام 1967، حين شرعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في إقامة مئات المستوطنات والبؤر، فيما ظلت السلطة القانونية شكلياً بيد "الإدارة المدنية" التابعة للجيش، ومع مرور السنوات، توسعت صلاحيات المؤسسات المدنية تدريجياً في ملفات التخطيط والبنية التحتية والطرق، حتى تآكل الخط الفاصل بين "الداخل" الإسرائيلي و"الأرض المحتلة" عاماً بعد عام.
وتخلص دراسة نشرتها "أوكسفورد أكاديميك" إلى أن المشروع الإسرائيلي مرّ بثلاث محطات متعاقبة: إنشاء مستوطنات بذرائع أمنية معلنة، ثم تحوّلها إلى تجمعات سكانية دائمة، وصولاً إلى دمج فعلي لمساحات واسعة من الضفة داخل المنظومة الإدارية والاقتصادية الإسرائيلية، قبل صدور أي قرار رسمي بالضم، وتنتهي دراسة صادرة عن "Cambridge University Press" إلى أن السياسات منذ 2017 اتجهت بثبات نحو نسج المستوطنات في البنية القانونية للدولة، عبر شبكات الطرق والخدمات والموازنات، وهو ما مهّد لتحولات ما بعد الحرب.
وقبل أشهر من هجوم أكتوبر، لم تكن نوايا حكومة نتنياهو تجاه الضفة سراً، بل برنامجاً سياسياً معلناً بلا مواربة؛ إذ نص الاتفاق الائتلافي المبرم أواخر 2022 صراحة على أن للشعب اليهودي "حقاً حصرياً وغير قابل للتصرف" في كامل "أرض إسرائيل"، بما فيها الضفة الغربية، وبحسب "فايننشال تايمز"، رافق ذلك إعادة توزيع فعلية للسلطة داخل وزارة الدفاع، إذ مُنح وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، صلاحيات واسعة على الشؤون المدنية للمستوطنات، في خطوة وصفها خبراء بغير المسبوقة كونها انتزعت صلاحيات من المؤسسة العسكرية ووضعتها بيد مسؤول مدني أيديولوجي، بدأت فعلياً - بحسب "رويترز" - مطلع 2023، وترى دراسة "مجموعة الأزمات الدولية" أن هذه التغييرات المؤسسية سبقت الحرب، لكنها أرست البنية التي سمحت لاحقاً بتسريع القرارات المرتبطة بالأرض عبر أجهزة مدنية بدل القيادة العسكرية.
السابع من أكتوبر: شرارة التسريع لا لحظة الميلاد
يجمع كثير من الباحثين على أن أكتوبر 2023 لم يكن بداية المشروع، بل الشرارة التي عجّلت بتنفيذ سياسات قائمة أصلاً، وبحسب "نيويورك تايمز"، أدى انصراف اهتمام العالم والإعلام نحو حرب غزة إلى تراجع حاد في الرقابة الدولية على ما يجري في الضفة، وهو الفراغ الذي استثمرته الحكومة الإسرائيلية للمضي في قرارات متعلقة بالمستوطنات والبؤر وإدارة الأراضي، وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن الحرب عزّزت نفوذ التيار القومي الديني داخل الحكومة، وبخاصة الوزيرين سموتريتش، وإيتمار بن غفير، اللذين دفعا في اتجاه مزدوج: تشديد القبضة الأمنية على الفلسطينيين من جهة، وتسريع خطط الاستيطان من جهة أخرى.
ويرى المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس" في دراسة له أن الحرب هيّأت بيئة سياسية داخلية سمحت للحكومة باتخاذ قرارات كان يصعب تمريرها قبل أكتوبر، في ظل تراجع الضغوط الدولية وانشغال القوى الكبرى بغزة، وتضيف الدراسة أن ما جرى لم يقتصر على زيادة عدد الوحدات الاستيطانية، بل امتد إلى إعادة هندسة كاملة لمنظومة الحكم في الضفة، وهو ما دفع عدداً متزايداً من الباحثين لاستخدام مصطلح "الضم الفعلي" - مع التأكيد على أن هذا الوصف تقييم تحليلي تتبناه جهات بحثية، وليس توصيفاً قانونياً يحظى بإجماع دولي.
من التصعيد الأمني إلى إعادة هندسة الحكم
يرى باحثو "مجموعة الأزمات الدولية" أن مشروع فرض السيطرة على الضفة لم يبدأ بعد أكتوبر، لكنه دخل طوراً أكثر سرعة ووضوحاً؛ فالحكومة اليمينية التي تشكلت أواخر 2022 وضعت هدفاً صريحاً يتمثل في تضييق فرص قيام دولة فلسطينية، ووفرت الحرب الظروف السياسية والأمنية التي سمحت بتسريع هذا المسار في ظل انشغال العواصم الغربية بغزة، وتؤكد الدراسة أن التحول الأخطر لم يكن في عدد المستوطنات، بل في آلية الحكم ذاتها؛ إذ انتقلت صلاحيات متزايدة من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات ووزراء مدنيين، فيما تصفه الدراسة بالانتقال من "إدارة احتلال مؤقت" إلى نموذج أقرب إلى "سيادة فعلية"، حتى في غياب أي إعلان رسمي بالضم.
وتكاد الدراسات تجمع على أن الشخصية الأكثر تأثيراً في سياسات الضفة بعد الحرب هو وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي يحمل أيضاً منصباً داخل وزارة الدفاع يخوّله الإشراف على ملفات الاستيطان والتخطيط وإدارة الأراضي، وبحسب "رويترز"، اتسعت صلاحياته بعد الحرب، وباتت الحكومة تتخذ قرارات تُسهّل تسجيل الأراضي وتوسيع المستوطنات وتخفيف القيود أمام المستوطنين، فيما وصفت جهات فلسطينية ومنظمات إسرائيلية معارضة مثل "السلام الآن" هذه الخطوات بأنها تمضي نحو "الضم الفعلي"، بينما تصرّ الحكومة على أن هدفها تحسين الإدارة المدنية وتعزيز الأمن لا أكثر.
وبعد أكتوبر 2023، اندفعت موجة متسارعة من قرارات التوسع الاستيطاني، فبحسب "رويترز"، مضت الحكومة الإسرائيلية في تسجيل الأراضي في الضفة للمرة الأولى منذ عام 1967، وهو إجراء تقول الحكومة إنه يستهدف تنظيم الملكيات وتحقيق الوضوح القانوني، بينما تعتبره السلطة الفلسطينية ومنظمات حقوقية خطوة تُسهّل انتقال الأراضي إلى السيطرة الإسرائيلية، وأفادت "فايننشال تايمز" بأن الحكومة كثّفت شرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع صلاحيات مؤسساتها في الضفة، في انتقال - بحسب توصيف الصحيفة ومحللين - من سياسة "إدارة النزاع" إلى سياسة ترسيخ وجود دائم على الأرض.
وترى "مجموعة الأزمات الدولية" أن أخطر تحول بعد الحرب ليس عدد الوحدات الاستيطانية، بل إعادة توزيع الصلاحيات داخل مؤسسات الحكم؛ فمنذ 1967 كانت الإدارة المدنية التابعة للجيش مسؤولة عن معظم الشؤون المدنية، لكن التغييرات المتسارعة بعد الحرب نقلت عدداً متزايداً من هذه الصلاحيات إلى مسؤولين مدنيين داخل الحكومة، وهي خطوة تُقلّص - بحسب الدراسة - الطابع المؤقت للاحتلال، وأكدت تقارير أممية سابقة أن نقل هذه الصلاحيات إلى مسؤول مدني يمثل تحولاً مهماً، مع تشديد خبراء الأمم المتحدة على أن الضم بالقوة محظور بموجب القانون الدولي، كما ترى "مجموعة الأزمات الدولية" أن انصراف الاهتمام الدولي نحو غزة كان من أهم أسباب تسارع هذه الإجراءات، إذ أتاح للحكومة الإسرائيلية المضي في سياساتها بضغط خارجي أقل من أي وقت مضى.
من الخوذة إلى البدلة: كيف انتقل القرار من الجيش إلى الوزراء
منذ احتلال الضفة عام 1967، اعتمدت إسرائيل نموذجاً مزدوجاً يجمع السيطرة العسكرية بالإدارة المدنية لشؤون الفلسطينيين اليومية، عبر جهاز "الإدارة المدنية" الذي تولى التخطيط والبناء وتسجيل الأراضي وإصدار التصاريح، بوصفه - حسب "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" - جزءاً من منظومة حكم عسكري تحافظ على السيطرة الأمنية العليا بيد القوات الإسرائيلية.
ويمثل سموتريتش الشخصية الأبرز في هذا التحول، إذ حصل ضمن اتفاقات تشكيل الحكومة عام 2022 على صلاحيات واسعة في الإدارة المدنية للضفة رغم أن منصبه الأساسي ليس عسكرياً ولا أمنياً، وبحسب "فايننشال تايمز"، شكّل ذلك سابقة سياسية، إذ انتُزع جزء من إدارة الضفة من المؤسسة العسكرية ووُضع بيد مسؤول مدني ينتمي إلى تيار قومي ديني يدعو صراحة لتعزيز السيادة الإسرائيلية على الضفة، وتصف "مجموعة الأزمات الدولية" هذه الخطوة بالانتقال من نموذج "إدارة الاحتلال" إلى نموذج "إدارة السيطرة"، حيث لم تعد الأولوية الحفاظ على الوضع القائم، بل إعادة تشكيل الواقع القانوني والإداري بما يخدم دمج أجزاء من الضفة داخل المنظومة الإسرائيلية.
وبحسب "معهد الشرق الأوسط"، لا يمثل هذا التغيير تعديلاً إدارياً عابراً، بل محاولة لإعادة تعريف طبيعة السيطرة الإسرائيلية، عبر تقليص الاعتماد على الجيش وتعزيز دور المؤسسات المدنية، مشيراً إلى أن حكومات سابقة حرصت على إبقاء مسافة بين الدولة والمستوطنات تجنباً لاتهامات الضم، بينما ترى التيارات اليمينية الحالية أن دمجها هدف سياسي معلن، وبحسب "رويترز"، استغلت الحكومة حالة الحرب لتسريع قرارات الأراضي مع تراجع الضغوط الدولية، فيما أشارت "نيويورك تايمز" إلى أن التيار اليميني اعتبر الحرب فرصة لإعادة ترتيب الواقع في مناطق استراتيجية مثل الأغوار ومحيط القدس.
فمنطقة الأغوار تحظى بأهمية بالغة لموقعها الحدودي مع الأردن ومساحاتها الزراعية، وترى دراسات "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" أن السيطرة عليها عنصر أساسي في أي تصور إسرائيلي طويل الأمد لأنها تمنح عمقاً أمنياً وسيطرة على الحدود الشرقية، أما محيط القدس، فتشير "مؤسسة الشرق الأوسط للسلام" إلى أن توسيع المستوطنات حوله يهدف لخلق تواصل جغرافي بين الكتل الاستيطانية الكبرى وتقليص إمكانية التواصل بين شمال الضفة وجنوبها.
وتؤكد الحكومة الإسرائيلية أن إجراءاتها لا تهدف للضم، بل لتحسين الإدارة وتعزيز الأمن ومنع الهجمات، ويرى مسؤولون إسرائيليون أن المستوطنات ليست عائقاً أمام أي اتفاق سياسي مستقبلي، وأن قضايا الحدود والسيادة يجب أن تُحسم عبر مفاوضات مباشرة، رافضين مصطلحي "الاحتلال الدائم" و"الضم"، وتتوزع قراءات الباحثين لهذا التحول على ثلاثة اتجاهات: الأول يرى فيه ضماً فعلياً تدريجياً (كما تذهب "مجموعة الأزمات الدولية" و"تشاتام هاوس")، والثاني يعتبره تعزيزاً للسيطرة الأمنية لمنع تكرار هجمات أكتوبر (كما يرى باحثون إسرائيليون)، والثالث يصفه بإعادة تعريف الصراع من "إدارته" إلى فرض واقع سياسي طويل الأمد على الأرض.
المنطقة "ج": الأرض التي تُحسم فيها معركة المستقبل
تشكل المنطقة "ج" نحو 60% من مساحة الضفة، وهي المنطقة الوحيدة التي بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية المدنية والأمنية الكاملة بعد أوسلو عام 1995، وكان يُفترض بموجب الاتفاق المرحلي أن تنتقل تدريجياً للسلطة الفلسطينية، لكن ذلك لم يحدث، وبقيت إسرائيل صاحبة القرار في التخطيط والبناء والأراضي والأمن، وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، تضم المنطقة معظم الأراضي المفتوحة والموارد الاستراتيجية، ما جعلها مركز تنافس مباشر بين المشروع الاستيطاني والتوسع العمراني الفلسطيني.
وتعتبرها الحكومات المتعاقبة استراتيجية لثلاثة أسباب: الموقع الجغرافي الرابط بين الكتل الاستيطانية والعمق الشرقي، والموارد الطبيعية من أراضٍ زراعية ومصادر مياه، والبعد الأمني في مراقبة الحدود مع الأردن، وبينما تحظى المستوطنات بمخططات توسع تُقرّها المؤسسات الإسرائيلية، يواجه الفلسطينيون قيوداً قاسية؛ إذ تُرفض بحسب "أوتشا" نسبة كبيرة من طلبات التراخيص، ما يدفع عائلات كثيرة للبناء دون تصاريح، معرضة منازلها لخطر الهدم، وتقول منظمة "بتسيلم" إن نظام التخطيط الإسرائيلي يحدّ عملياً من قدرة الفلسطينيين على تطوير مجتمعاتهم بينما يفسح المجال أمام توسع المستوطنات، فيما تردّ إسرائيل بأن القيود ضرورية لمنع البناء العشوائي.
ومن أبرز الظواهر التي رصدتها المنظمات الدولية انتشار "البؤر الزراعية"، التي تبدأ بعدد محدود من الأفراد قرب أراضٍ فلسطينية، لتتحول تدريجياً إلى مواقع مدعومة بالبنية التحتية، وبحسب مؤسسة السلام في الشرق الأوسط "FMEP"، أصبحت هذه البؤر أداة رئيسية للسيطرة على مساحات واسعة، خصوصاً في الأغوار وجنوب مدينة الخليل، وبعد الحرب، رصدت الأمم المتحدة ارتفاعاً في تهجير تجمعات بدوية ورعوية، ربطته "أوتشا" بمزيج من عنف المستوطنين والقيود على الحركة، فيما تقول الحكومة الإسرائيلية إن أولويتها منع الهجمات وحماية المدنيين.
ويعتمد ملف الأراضي على مزيج معقد من قوانين عثمانية وأردنية وأوامر عسكرية إسرائيلية، وترى "مجموعة الأزمات الدولية" أن التحكم بتسجيل الأراضي وتصنيفها أداة رئيسية في الصراع، وتكاد الدراسات تُجمع على أن السيطرة على المنطقة "ج" هي العامل الأكثر حسماً في أي مشروع ضم، لأنها تحدد شكل الحدود المستقبلية والتواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية، ويرى "تشاتام هاوس" أن إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان قانوني للضم كي تُغيّر الواقع على الأرض؛ فدمج المستوطنات والتحكم بالأراضي ونقل الصلاحيات المدنية خطوات كفيلة بإنتاج نتيجة مماثلة للضم عملياً.
عنف المستوطنين: جبهة موازية تتصاعد
لم تقتصر تداعيات حرب غزة على العمليات العسكرية داخل القطاع، بل انعكست مباشرة على الضفة التي شهدت تصاعداً في المواجهات المسلحة والاقتحامات واعتداءات المستوطنين، وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كانت الضفة تشهد أصلاً خلال 2023 أعلى مستويات عنف منذ بدء تسجيل الأمم المتحدة لهذه البيانات عام 2005، قبل أن يتدهور الوضع أكثر بعد أكتوبر، وبحسب "أوتشا"، سُجّلت بعدها مئات الحوادث المرتبطة بعنف المستوطنين، شملت إصابات وأضراراً في الممتلكات وتهجيراً لتجمعات رعوية، وبعضها إحراق ممتلكات وتدمير منازل ومزارع ومنع سكان من الوصول لأراضيهم، وترى "بتسيلم" أن المشكلة لا ترتبط فقط بوقوع الاعتداءات بل بضعف المحاسبة الذي يشجع على استمرارها، فيما تقول الحكومة الإسرائيلية إنها تلاحق أي عنف غير قانوني وتؤكد مسؤوليتها عن حماية جميع المدنيين.
وأشار تقرير لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إلى أن 6 تجمعات فلسطينية كاملة تعرضت للنزوح القسري في شمال الأغوار منذ أكتوبر 2023، وارتبط تصاعد ملف المستوطنين بصعود التيار القومي الديني داخل الحكومة، وتحديداً وزير الأمن القومي بن غفير، ووزير المالية سموتريتش، وترى "مجموعة الأزمات الدولية" أن وجود شخصيات تدعو صراحة لتعزيز الاستيطان وفرض السيادة داخل الحكومة منح المستوطنين نفوذاً سياسياً أكبر.
إلى جانب عنف المستوطنين، شهدت الضفة تصعيداً في العمليات العسكرية شمل حملات اعتقال واسعة واقتحامات وتشديد قيود الحركة، وأثّر بحسب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على وصول السكان لأعمالهم وتعليمهم وخدماتهم.
ومع تصاعد التقارير، فرضت واشنطن وبروكسل ولندن عقوبات على عدد من المستوطنين، وترى "فايننشال تايمز" أن هذه الخطوة تعكس تحولاً في موقف حلفاء غربيين، إذ بدأ الملف ينتقل من قضية حقوقية إلى قضية سياسية مرتبطة بمستقبل العلاقة مع إسرائيل، ويقول "تشاتام هاوس" إن الضم الفعلي لا يحدث فقط عبر القوانين والقرارات الحكومية، بل أيضاً عبر خلق واقع ميداني يجعل السيطرة الإسرائيلية دائمة، فيما ترفض إسرائيل وصف سياساتها بالتهجير أو الضم، مؤكدة أن الجيش يعمل في بيئة أمنية معقدة هدفها منع الهجمات المسلحة.
القانون الدولي في مواجهة الأمر الواقع
تعتبر غالبية الدول والمنظمات الدولية الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أرضاً محتلة تخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني، بينما ترفض إسرائيل هذا التوصيف الكامل، وبحسب "اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، تنطبق عليها اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الاحتلال، فيما تقول إسرائيل إن الضفة ليست "أرض دولة ذات سيادة كانت قائمة قبل 1967"، وأن وضعها النهائي يجب أن يُحسم تفاوضياً.
وشكّل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو 2024 محطة فارقة، إذ خلصت المحكمة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة والسياسات المرتبطة به - بما فيها الاستيطان وضم أجزاء من الأرض - يثير مسائل قانونية جسيمة تتعلق بمخالفة القانون الدولي، مؤكدة أن الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى وضع دائم يمنح الدولة المحتلة حق فرض سيادتها، لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت مضمون الرأي، معتبرة أنه يتجاهل تعقيدات الصراع وأن قضايا الحدود والسيادة يجب أن تُحسم بالمفاوضات لا بالقرارات الدولية.
وركزت تقارير الأمم المتحدة بعد أكتوبر 2023 على تسارع إجراءات تُغيّر طبيعة السيطرة الإسرائيلية، إذ رأت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن التوسع الاستيطاني وعمليات الإخلاء وقيود التخطيط وعنف المستوطنين عوامل مجتمعة تُقوّض قدرة الفلسطينيين على البقاء والتطور، وتهدد إمكانية قيام حل سياسي يستند إلى دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويؤكد الاتحاد الأوروبي رسمياً أن المستوطنات غير قانونية وتهدد قيام دولة فلسطينية مستقلة، وقد فرض هو ودول أعضاء عقوبات على مستوطنين متهمين بالعنف، لكن تأثير موقفه بقي محدوداً بسبب انقسامات داخلية حول حجم الضغط المطلوب، أما واشنطن، فتاريخياً رفضت الضم الرسمي، لكنها حافظت على علاقة استراتيجية راسخة مع إسرائيل، وشهدت سياستها بعد الحرب تحولاً محدوداً تمثل في عقوبات على بعض المستوطنين وانتقاد بعض القرارات، مع مواصلة التزامها بأمن إسرائيل ورفضها فرض حلول من الخارج، فيما يرى محللون أنه يعكس تناقضاً بين الرغبة في إبقاء حل الدولتين حياً والحفاظ على التحالف الاستراتيجي.
ولا يعني مفهوم "الضم الفعلي" أن إسرائيل تُعلن سيادتها رسمياً، بل يشير إلى حزمة إجراءات تفرز نتيجة مشابهة عملياً: دمج المستوطنات في البنية الإدارية والاقتصادية، ونقل الصلاحيات المدنية لمؤسسات الحكومة، والسيطرة على الأراضي والموارد، وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي، ويرى "تشاتام هاوس" أن جوهر ما جرى بعد أكتوبر لا يكمن في إعلان ضم قانوني، بل في بناء واقع يصعب التراجع عنه، بينما ترفض الحكومة الإسرائيلية هذا المصطلح جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن كل ما يجري يخص الإدارة والأمن لا فرض السيادة، مشيرة إلى أن الفلسطينيين أنفسهم يديرون أجزاء واسعة من الضفة عبر السلطة الفلسطينية في مناطق "أ" و"ب" وفق أوسلو.
حل الدولتين على المحك: أربع خرائط للمستقبل
ترى مراكز أبحاث دولية أن السؤال لم يعد فقط عن إمكانية قيام دولة فلسطينية، بل عمّا إذا كانت التطورات الميدانية والإدارية قد تجاوزت مرحلة الاحتلال التقليدي نحو نموذج طويل الأمد من السيطرة، وبحسب دراسة "مجموعة الأزمات الدولية"، فإن التحولات التي سبقت الحرب وتسارعت بعدها تُشير إلى محاولة إعادة تعريف العلاقة بين إسرائيل والضفة، عبر دمج المستوطنات وتوسيع دور المؤسسات المدنية، لكن مستقبل الضفة يبقى مرهوناً بعوامل متعددة: السياسة الداخلية الإسرائيلية، وموقف واشنطن، وقدرة السلطة الفلسطينية على الصمود، والضغط الدولي، وفيما يلي 4 سيناريوهات لمستقبل الضفة:
- الضم الزاحف دون توقيع: وهو الأكثر حضوراً في التحليلات، ويقوم على استمرار المسار الحالي دون قرار إسرائيلي رسمي بالضم، عبر توسيع المستوطنات، وزيادة البؤر المعترف بها، ونقل مزيد من الصلاحيات المدنية للحكومة، وفرض اندماج اقتصادي وإداري أعمق للمستوطنات، وتقليص مساحات التوسع الفلسطيني، ويرى "تشاتام هاوس" أن هذا النموذج قد يفرز نتيجة أقرب للضم عملياً حتى دون قانون يُعلن السيادة، فالضم - بحسب الدراسة - عملية تراكمية لا قرار واحد.
- استمرار الاحتلال بصيغته الراهنة: تواصل إسرائيل إدارة الضفة بمزيج من السيطرة الأمنية والإدارة المدنية دون ضم رسمي، ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا النموذج قد يستمر بسبب صعوبة حسم قرار سياسي نهائي، وبحسب "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي"، يفضّل جزء من المؤسسة الأمنية تجنب خطوات قد تُفجّر أزمة دبلوماسية واسعة.
- تصاعد الضغط الدولي: يرى محللون أن استمرار الاستيطان قد يرفع منسوب الضغط الدولي، كما تشير مؤشرات فعلية من عقوبات وانتقادات أوروبية متصاعدة ونقاش متنامٍ حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكن فعاليته تبقى رهينة استعداد القوى الكبرى للانتقال من الخطاب إلى الفعل.
- مصير السلطة الفلسطينية: تمثل السلطة الفلسطينية متغيراً حاسماً في أي مستقبل للضفة، فقد واجهت خلال السنوات الأخيرة أزمة شرعية داخلية وضعفاً مالياً وسياسياً، وترى "مجموعة الأزمات الدولية" أن انهيارها قد يخلق فراغاً يدفع إسرائيل لتوسيع سيطرتها المباشرة، بينما قد يفتح إصلاحها مساراً سياسياً جديداً.
ولا إجماع داخل المجتمع الإسرائيلي حول مستقبل الضفة؛ فبينما يدعو التيار القومي الديني لتعزيز السيطرة وضم أجزاء واسعة، يرى تيار آخر أن استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين تحدٍّ أمني وديموغرافي خطير، وبحسب استطلاعات "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" ينقسم الإسرائيليون بين مؤيد لتعزيز السيطرة ومن يرى ضرورة تسوية سياسية طويلة الأمد، وترى مؤسسة "كارنيغي" في المقابل أن القضية لا تتعلق بمساحة الأراضي فحسب، بل بقدرة أي كيان فلسطيني مستقبلي على امتلاك مقومات الدولة: التواصل الجغرافي، والسيطرة على الموارد، والقدرة على بناء اقتصاد مستقل.
الأرض تتغير أسرع من أي اتفاق
وتكشف مراجعة التطورات السياسية والقانونية والميدانية في الضفة منذ أكتوبر 2023 أن حرب غزة لم تكن حدثاً عسكرياً منفصلاً عنها، بل نقطة تحول سرّعت مسارات قائمة أصلاً، مسّت ثلاثة مستويات: جغرافي (توسيع المستوطنات وتقنين البؤر)، وإداري (نقل صلاحيات من المؤسسة العسكرية إلى جهات مدنية)، وديموغرافي وأمني (تصاعد عنف المستوطنين وتشديد القيود).
ولا يعني مصطلح "الضم الفعلي" وجود إعلان قانوني رسمي، بل حزمة إجراءات متراكمة تُدمج عملياً أجزاء من الأرض المحتلة داخل النظام الإسرائيلي، تشمل - بحسب "مجموعة الأزمات الدولية" - انتقال صلاحيات مدنية من الجيش إلى مسؤولين حكوميين، ودمج المستوطنات في منظومة التخطيط والبنية التحتية، وتوسع السيطرة على الأراضي والموارد، وتقليص قدرة الفلسطينيين على التوسع العمراني.
وتبرز في نهاية المطاف حقيقة جوهرية: الحرب لم تُطلق هذا المشروع بل سرّعته؛ والتحول الأعمق فيه إداري لا عمراني فحسب؛ والمنطقة "ج" تبقى ساحة الحسم التي يُقرر من يسيطر عليها مستقبل التواصل الجغرافي الفلسطيني؛ وعنف المستوطنين والتهجير لم يعودا شأناً محلياً بل قضية دولية مرتبطة بمصير حل الدولتين، والسؤال الذي يتصدر اليوم كل نقاش حول الضفة ليس "هل سيُعلن الضم؟"، بل: هل صار أمراً واقعاً حتى دون إعلان؟
قائمة المصادر الرئيسية
- مجموعة الأزمات الدولية
- تشاتام هاوس- المعهد الملكي للشؤون الدولية
- أوكسفورد أكاديميك- المنصة الرقمية الرسمية التابعة لـ Oxford University Press
- كامبريدج- "Cambridge University Press"
- منظمة السلام الآن
- مؤسسة السلام في الشرق الأوسط FMEP
- منظمة بتسيلم
- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"
- مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر
- محكمة العدل الدولية
- معهد الشرق الأوسط INSS
- معهد الديمقراطية الإسرائيلي
- مؤسسة كارنيغي
- المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS
- وكالة رويترز
- صحيفة فايننشال تايمز
- صحفية نيويورك تايمز
- صحيفة واشنطن بوست
- صحيفة الغارديان

