العراق يتعهد بمنع استخدام أراضيه للاعتداء على دول الجوار وسط تصاعد التوتر الإقليمي
ملخص :
تعهدت الحكومة العراقية بمنع استخدام أراضيها كمنطلق أو ممر لتنفيذ أي اعتداء يستهدف دول الجوار، في خطوة تعكس مساعي بغداد لتجنيب البلاد تداعيات التصعيد العسكري المتسارع في المنطقة، خاصة مع تصاعد التحذيرات الأمريكية من احتمال توجيه ضربة وشيكة لإيران وما قد يترتب عليها من انخراط الفصائل العراقية الموالية لطهران في المواجهة.
وجاء هذا الموقف في بيان رسمي أصدره، أمس السبت، المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، عقب اجتماع أمني طارئ ترأسه لبحث المستجدات الأمنية الإقليمية وانعكاساتها المحتملة على الداخل العراقي.
وأكد البيان التزام الحكومة بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية "منطلقا أو ممرا للاعتداء على دول الجوار"، مشددا على جاهزية القوات المسلحة للتعامل مع أي محاولات من شأنها تهديد الأمن والاستقرار الإقليمي أو المساس بسيادة العراق، كما أعلن عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة تتولى متابعة التطورات الميدانية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة أي تحديات طارئة.
ضربات أمريكية وسعودية بعد هجمات على منشآت نفطية
ويأتي الموقف الرسمي العراقي في أعقاب تصعيد عسكري شهدته المنطقة، بعدما تعرضت منشآت نفطية سعودية لهجمات اتُهمت فصائل عراقية موالية لإيران بتنفيذها، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة والسعودية إلى تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة تابعة لتلك الفصائل.
وأكد مصدر سعودي مسؤول أن تنفيذ الضربات جاء بعد استنفاد جميع المسارات السياسية والدبلوماسية، وبعد ممارسة المملكة أقصى درجات ضبط النفس خلال الأشهر الماضية، مشيرا إلى أن الخيار العسكري لم يكن اللجوء الأول في التعامل مع تلك الهجمات.
ونقلت قناة "الإخبارية" السعودية الرسمية عن المصدر ذاته تأكيده أن المملكة تحرص على الحفاظ على علاقاتها مع العراق حكومة وشعبا، وأن الضربات الجوية لم تكن موجهة ضد الدولة العراقية أو المواطنين العراقيين، وإنما استهدفت مواقع مرتبطة بالجهات المسؤولة عن الهجمات.
خسائر في صفوف الحشد الشعبي وتهديدات بالتصعيد
وفي أعقاب الضربات الأمريكية والسعودية، أعلن الحشد الشعبي العراقي مقتل 20 من عناصره وإصابة العشرات، إثر غارات جوية استهدفت مقراته الرسمية في سبع محافظات عراقية، في تطور يعكس اتساع دائرة المواجهة وانعكاساتها على الساحة العراقية.
وفي السياق ذاته، أعلنت ما تُعرف بـ "المقاومة الإسلامية في العراق" منح الحكومة العراقية مهلة تمتد حتى منتصف أغسطس/آب الجاري لاتخاذ إجراءات وصفتها بالحازمة لردع من أسمتهم "المعتدين"، ملوحة بشن هجمات تستهدف القوات الأمريكية والسعودية في حال عدم الاستجابة لمطالبها، الأمر الذي يزيد من احتمالات انزلاق العراق إلى موجة جديدة من التصعيد العسكري.
معادلة صعبة أمام الحكومة العراقية
وتجد الحكومة العراقية نفسها أمام تحدٍ بالغ التعقيد يتمثل في الموازنة بين سعيها إلى تحييد البلاد عن تداعيات الصراع الإقليمي المتصاعد، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وبين محدودية قدرتها على فرض سيطرتها الكاملة على بعض الفصائل المسلحة التي تمتلك نفوذاً واسعاً على الأرض.
ويواجه رئيس الوزراء علي الزيدي، منذ توليه منصبه، اختباراً سياسياً وأمنياً معقداً يتمثل في احتواء الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، بالتزامن مع تصاعد حدة المواجهة بين واشنطن وطهران وما تفرضه من ضغوط متزايدة على الساحة العراقية.
حصر السلاح.. التحدي الأكثر تعقيداً
ويُعد ملف حصر السلاح بيد الدولة واحتكار استخدام القوة أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة العراقية، في ظل استمرار تنامي نفوذ الفصائل المسلحة واتساع حضورها منذ الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014.
ويرى مراقبون أن هذه الفصائل تجاوزت دورها التقليدي بوصفها تشكيلات قتالية، لتتحول إلى كيانات تمتلك قدرات عسكرية متطورة تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنظومات الرصد والاستطلاع، فضلاً عن موارد مالية كبيرة ونفوذ سياسي وأمني داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يزيد من تعقيد جهود الحكومة في فرض سلطتها الكاملة.
العراق في قلب التنافس الإقليمي
وفي ظل هذه المعطيات، بات العراق إحدى أكثر ساحات التنافس الإقليمي حساسية، نظراً لموقعه الجغرافي الاستراتيجي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية على أراضيه، كما أسهم تحول بعض الفصائل المسلحة إلى جزء من شبكة الردع الإيرانية في المنطقة في تعزيز أهمية الساحة العراقية ضمن حسابات الصراع الدائر بين طهران وواشنطن وحلفائهما، ما يضاعف المخاوف من أن يتحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة إذا استمر التصعيد الإقليمي.

